د. زكريا سليمان بيومي

 

تعلمنا من تاريخنا وتراثنا أن لكل عصر نجومه الذين يبرزون من خلال تفاعلات حركة شعوبهم من أعمال وأفكار مميزة، يسهمون بها في حركات التغيير والتنوير، وتتكون حول شخصياتهم وأدوارهم ملامح تصبح مؤشرات للاقتداء والفخر، وبهم ومن خلالهم تكون محطات تاريخ الشعوب المضيئة التي تلقن وتعلم للأجيال، وبنفس القدر يكون وجودهم ونبوغهم دليلاً على يقظة الشعوب وحيويتها التي يعدُّ وجود هذه النجوم أو الصفوة تعبيرًا عنها.

 

ففي العصور التي تكالب فيها الشر من بني الإنسان، وشاء الله أن يرسي قدرًا من القيم الأخلاقية لهدايتهم كان دور الأنبياء والرسل والمصلحين هم النجوم، فأصبحوا مقصدًا للتأسي والاقتداء لكل الجنس البشري.

 

وفي عصور بناء الحضارات المتعاقبة كان العلماء في اليونان والرومان والفينيقيون والبابليون والفراعنة واليمنيون والهنود والصينيون هم نجوم شعوبهم في زمانهم، وظلوا بما تركوه قدوةً ومزارًا لمَن يريد أن يوسع مداركه ومعارفه.

 

كما كان العلماء المسلمون في العصر الإسلامي الأول وحتى العصر العباسي، وعلماء أوروبا في عصر النهضة، هم المقصد والقدوة لمَن يريد الخروج من دائرة الجهل إلي نور الحضارة.

 

وفي بلادنا حين هاجمتنا قوى الاستعمار والاستغلال والهمجية من الشرق المغولي والغرب الصليبي كان نجومنا هم القادة الذين تمحورت حولهم آمال الشعوب فقادوها إلى التحرر، بكل مفاهيم التحرر ابتداءً من صلاح الدين حتى أنور السادات وبن بيلا ومعمر القذافي.

 

وبرزت نجوم توازت معهم في ميادين الإبداع الثقافي وتجسيد فكر النضال والمقاومة ابتداءً من الطهطاوي حتى محمود درويش وزويل والباز والبرادعي والنشرتي وزغلول النجار.

 

ويميل الميزان كثيرًا في أيامنا هذه حيث طلع علينا نجوم من طراز جديد أفرزهم عصر الانفتاح والتحول القسري إلى الديمقراطية وتسيد وتجبر رأس المال، فهذا التحول أصبح في حاجةٍ إلى نجوم جدد يروجون له ويسبحون بحمده.

 

فالكاتب الذي يصوغ بقلمه وحسه العمل الفني ليصور من خلاله جانبًا من هموم مجتمعه لا يرتقي إلى مرتبة النجم، فالنجم الأول هو الذي يجسد ما يكتبه الكاتب ربما دون فهم لأبعاد هذا المكتوب، وهذا المجسد أو المشخص يتبدل دوره حسب تبدل الكتاب والمبدعين ولا يكون في أي من أدواره ذاته؛ حيث تضيع هذه الذات بين أدوار مختلفة ومتباينة يواصل لعبها أو تجسيدها، ويغير اسمه الحقيقي الذي لا يكون في حاجةٍ إليه ولا يعرف الناس عنه إلا اسمه الصناعي البعيد عن ذاته الحقيقية فهو في عمله لا ذات له، ومع ذلك تجعله وسائل الإعلام والترويج نجمًا ساطعًا، بل ويصل الأمر ببعضهم إلى حدِّ الاستفزاز السخيف الجاهل في ادعاء كونه رسولاً أو صاحب رسالة، رغم أنه لا يحمل في الغالب فكرًا أو أي نصيب بارز من التعليم، وكيف له ذلك وهو لم يكتب حرفًا مما لعبه أو جسده، ولا يحيط بكثيرٍ من جوانب رسالته المتباينة المتناقضة في أدوارها وتأثيرها، وما يبدو عليه جسديًّا مما ينهي عنه الرسل، ويتبرأ منه أتباعهم.

 

ومما يزيد الغرابة أن البعض يشكو المشخص أي الممثل على دوره في بعض الجوانب، ويصل إلى حدِّ التقاضي مع العلم أنه لا يستطيع أن يخط سطرًا واحدًا في المكتوب؛ سواء أكان من خريجي المعاهد الحرفية للتمثيل، أم شاء حظه الطيب أن يجد مَن يكتشفه، أو يكتشفها بأسلوب العصر؛ حتى ولو لم يكن قد نال أي حظ في العلم، فكم سمعنا بنجار و"جزمجي" ومندوب مبيعات وغيرها من المهن يقومون بدور بطولي في أفلام وتمثيليات وهو ليس تقليلاً من شأن هذه الحرف، وإنما من عدم تخصصية هذه المهن، ويبرر الأمر بأنهم موهوبون.. سبحان الله، ويخرج علينا أحد هؤلاء ليدافع عن دوره في تشخيص دور كذا، مع أنه لا يملك الخروج على نص كتب له، ولا يدري أبعاد المكتوب إلا القليل من توصية الكاتب، وتستضيفهم قنوات التليفزيون ليتحدثوا عن معالجاتهم للقضايا الاجتماعية من خلال دورهم، دون أن يدركوا، أو يدرك أغلب سامعيهم أنهم ليسوا أصحاب هذه الأفكار، وأنهم مجرد مترجمين بالحركة الجسدية فقط لفكر غيرهم.

 

وعلى نفس النسق هناك نجوم الغناء والطرب الذين يرددون قول مَن يكتب لهم دون أن يدرك بعضهم أبعاد الكلام المكتوب، فيصبح الكاتب في الظل ومردد الكلام هو النجم، وإذا طرح البعض أن أم كلثوم مثلاً هي التي نقلت إلى الناس كلام أحمد رامي وعبد الفتاح مصطفى، لكن هؤلاء الكتاب هم الذين ارتقوا بأم كلثوم إلى مرتبة النخبة والنجومية، فحين انحدر ذوق الكتاب كان من نتيجته انحدار النجوم حتى وصل بعضهم إلى حدِّ التغني بحب الحمار، وذاع صيت الخس رغم أنها (راحت عليه) والقوطة والعنب، فالكتاب هم الذين يرتقون بالمؤدي فيجعلونه نجمًا وليس العكس لكنهم لا يصيبون من النجومية شيئًا إلا النادر منهم، ولا شك أن ذلك قد أسهم في هبوط مستوي الكتاب حتى وصل بعد أن توارى دور المثقفين إلى بروز كتاب من جامعي أعقاب الثقافات أو سبرسجية التعليم ومرتادي الغرز والقهاوي الشعبية المتدنية.

 

والنجومية التي تهبط على هؤلاء ليست من صنعهم أو إبداعهم بقدر ما تكون لحساب غيرهم فيهللون ويطبلون ويشاركون دون أن يدروا في ملهاة وتسطيح وتمييع للمواقف والشباب، فأغلبهم لم يصيبوا قدرًا من التعليم، ويصبح بوضعه في النجومية قدوة تقلل من قدر التعليم عند مَن تضطره الظروف إلى أن يقتدي بهم، فدوره لا يحتاج إلى أي تعليمٍ وليس ذلك من أولوياته أو أهدافه، لكن العائد من دوره في الشهرة والمال هو كل الهدف، وإذا ما أثار البعض لديه قضية التعليم بدَّله بالحديث عن الموهبة وكيف أنها منحة إلهية، في حين أن الصدفة والحظ والظروف والمساندة المغرضة كلها عوامل وراء هذه النجومية، وكم من نجوع وكفور وأسواق تمتلئ بمَن يتغنى من البائعين المتجولين وله صوت جميل ملفت دون أن تُتاح له الفرصة لكي يقترب من عالم النجومية رغم هبوط مستواها.

 

وهناك نجومية علا شأنها في زماننا وهم لاعبو الكرة، فالماهر النجم في هذا الميدان لا يكون بارزًا إلا إذا كانت لديه القدرة على التحلي بصفات المراوغة والخبث والمكر والدهاء في مجال النجومية، فذاك ثعلب وهذا مراوغ وآخر داهية، وهذا المجال من النجومية لا يحتاج إلى تعليم أو شهادات هو الآخر، فالصفات المذكورة تحل محل العلم، وهي صفات تكفي لأن تجعل منه سفيرًا لبلاده وأملها الكبير ورافع علمها في المحافل التي تهتم بهذه الصفات، وتجعل منه قدوةً لأجيال تم تسطيحها وتمييع ولاءاتها ودفعها إلى التشجيع والتفرغ للمتابعة دون الاهتمام بأي عملٍ أو إنتاج حتى ينال صفة الوفي، فالوفي هو الذي يترك درسه أو عمله دون أن يعبأ بالمستقبل أو بمصالح الناس الذين يترددون على مكتبه ليشجع ناديه، والمسألة مقصودة لتمييع عقول الناس وتلويث معني الوفاء ورفع هؤلاء الأصناف إلى مرتبة النجومية.

 

ولعل من نجوم هذا العصر أيضًا مَن يشغل موقع المذيع في وسائل الإعلام التي كثرت بشكل واسع، والمذيع في حقيقته ليس إلا ناقلاً لما يكتب له فيقرأه على سامعيه أو مشاهديه من خلال إظهار مدى التفاعل بالصوت والحركة مع ما ينقله، ومن خلال تجهيزه بمظهر يتناسب مع دوره ليس إلا، وإذا تحول إلى مقدم لبرنامج فعليه أن يلم قليلاً بمعلومات عما يطرحه على ضيوفه وسائليه ويكون ليس أكثر من عالة على ما يصل إليه أهل العلم من حقائق أو قضايا فيأخذ القشور منها التي لا ترتقي به إلى مساواة الباحث المبتدئ في دور العلم.

 

ومع ذلك فإنه يستغل موقعه في هذه الوسيلة التي تضفي عليه النجومية والشهرة؛ ليبدو في ثوب العالم المتعمق المعالج لقضايا الشعوب والواعي بأوجاع الأمم، وأنه هو الذي يمن على من يستضيفهم ويتيح لهم فرصة الشهرة المؤقتة التي ينعم بها عليهم، ويسعى لتوجيه ضيوفه والسماح لهم بالحديث، أو التوقف أو الإهمال أو النقد، ويتعالى عليهم في شكل الجلوس حتى ولو كان من بينهم أساتذته الذي كانوا قد قيموه بالأمس القريب أو نظرائهم من أهل العلم والمكانة، ولم لا وهو نجم النجوم.

 

ولقد سمعت مرة بغرابة شديدة رد أحد المذيعين على متصلٍ به يُعرب عن رغبته في أن يكون مذيعًا فردَّ عليه المذيع "مذيع مرة واحدة!! يا أخي، النجومية لا تستطيع أن تنالها إلا بالصبر والتدريج والمثابرة"، وساق رده في لهجةٍ من الكبرياء والغطرسة تدنو أمامها قامات العلماء، وكأنها الطريق إلى الجنة، بل الطريق إلى الجنة أيسر بكثير.

 

هؤلاء هم أغلب نجوم زماننا، رسله وسفراؤه الذين تختذل فيهم هوية الأمة وأملها وطموحها وقدوتها، أما الفلاح الذي يكد لاستمرار توفير وسائل الحياة والعيش؛ لكي يوفر للنجوم ما هو ضروري لمعيشتهم، والعامل الذي يسخر قوته وفكره لتوفير سبل الحياة لمجتمعه، والعالم والشاعر والأديب الذي يعيش كل النجوم عالة على فكره، والمدافع عن أرض الوطن، والحافظ لأمنه المضحي بروحه.

 

فليس هؤلاء من النجوم إلا بقدر قرب بعضهم من أهل الحظوة؛ الرسل والسفراء النجوم وأصحاب رءوس الأموال الذين من أجل كسبهم السريع يسعون لتبديل كل القيم واندثارها أحيانًا، دون أن يعلموا حقيقة سائدة توارثناها ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فأين الغيور الذي يسعى لأن يعدل الميزان ويعيد التوازن للمجتمع المرجو تحديثه؟ وهل سيتأخر كثيرًا؟ وهل سنظل تابعين لما يراد لنا، ومقلدين لما نراه ونسمعه دون وعي أو فهم؟ يا رب أغثنا!!.

------------------

* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة المنصورة