استعادة الدولة الحضارية
واقع الدول العربية والإسلامية يؤكد رسوخ نموذج الدولة القومية القطرية في غالب البلاد العربية والإسلامية، وهي دولة تقوم أساسًا على المرجعية العلمانية، وتحاكي النموذج الغربي السياسي. والحركة الإصلاحية الإسلامية، تواجه تحدي التعامل مع الدولة القائمة، وهل تخضع لها أم تحاول استبدال الدولة الحضارية الإسلامية بها، والتي تستند على القيم الحضارية للأمة الإسلامية، وليس على القومية، وينبع من هذا المشكل، العديد من المواقف التي تجعل بعض الحركات الإسلامية تميل أحيانًا إلى رفض الدولة القائمة بالكامل، وتميل بعضها أحيانًا أخرى إلى تقبُّل الأمر الواقع؛ أي تقبل الدولة القومية القطرية.
وجوهر هذه المشكلة يتعلق بتعريف الفرق بين الدولة القومية والدولة الحضارية؛ فالفرق بينهما ليس في بناء الدولة أو جهازها البيروقراطي، قدر ما هو في مرجعيتها وغاياتها ورسالتها ومسئولياتها الاجتماعية؛ فالدولة القائمة تستند إلى القومية أو العرق، مما يجعلها دولة تقوم على مرجعية قومية حصرًا، وتحويل هذه الدولة إلى دولة حضارية تستند إلى مرجعية القيم الحضارية الإسلامية، لا يستلزم هدم الدولة وبناء غيرها، ولا يستلزم الدخول في خصومةٍ مع الدولة، بل على العكس من هذا يستلزم الحفاظ على الدولة وحمايتها، ثم تغيير مرجعيتها من خلال توافق الأغلبية المجتمعية على ذلك.
فالدولة القائمة هي جهازٍ إداري يفترض أن يستند في مرجعيته على المرجعية التي يختارها المجتمع، ولكن النخب الحاكمة فرضت المرجعية القومية القطرية على الدولة القائمة، وعملت على علمنة الدولة والمجتمع، ولهذا فالمطلوب هو تحرير الدولة من الوصاية التي تفرضها عليها النخب الحاكمة، واستعادة الدولة إلى مرجعية المجتمع التي يختارها بحرية كاملة، ومن ثَمَّ يتم تحرير الدولة من النظام السياسي الاستبدادي، فتصبح الدولة نتاج مجتمعها، وتصبح وكيلاً عن المجتمع، يلتزم بالمرجعية التي يفرضها المجتمع عليها، وليس المرجعية التي تفرضها النخب الحاكمة عليها.
عندما تتحرر الدولة
إذا تم تحرير المجتمع من أي قيود تحد من حريته السياسية، ويصبح من حق المجتمع أن يختار حاكمه ويختار ممثليه، عندئذٍ سوف تصل للحكم نخب معبرة عن مرجعية المجتمع.
وعليه يمكن استرجاع الدولة إلى مرجعية المجتمع، من خلال تأسيس دستور جديد يعبر عن المجتمع، وبالتالي تصبح الدولة وكيلاً عن المجتمع في تحقيق مرجعيته، وهذا الأمر لا يتطلب أي نوعٍ من العداء للدولة، كما قلنا، بل يتطلب النظر إلى الوضع الراهن للدولة فقد أصبحت أسيرةً النخب الحاكمة المستبدة، والمطلوب هو تحرير الدولة من أجل أن تصبح معبرةً عن المجتمع، وقائمةً على المرجعية التي يختارها المجتمع.
ولأن الأغلبية في الدول العربية والإسلامية تستند في مرجعيتها على المرجعية الحضارية الإسلامية؛ لذا فإن استعادة الدول القطرية إلى مرجعية المجتمع، سوف تحولها إلى دول حضارية تقوم على وحدة القيم المؤسسة للأمة الإسلامية، ومن خلال الاستناد إلى القيم، تتحول الدولة القومية القطرية، إلى دولة حضارية قطرية، أي دولة تستند للقيم الجامعة لكل الأمة الإسلامية، حتى وإن ظلت دول متعددة تقوم على أساسٍ قطري.
الدولة الحضارية القطرية
فكيف يمكن أن نوصف حالة الدولة عندما تستند للقيم وتصبح دولة حضارية، ومع ذلك لا تكون حاكمة لكل الدول المنتمية لمنظومة القيم الحضارية الإسلامية التي تقوم على أساسها تلك الدول القطرية؟ هنا يلزمنا النظر إلى الأساس التي تقوم عليه الدولة، فالدولة الحضارية الإسلامية، تقوم على القيم والمبادئ والمقاصد الحضارية الإسلامية، وهي بهذا تقوم على أساسٍ واحدٍ متفق عليه بين مختلف مجتمعات وقوميات وأعراق الأمة الإسلامية؛ مما ينتج عنه وحدة المرجعية التي تقوم عليها تلك الدول، رغم أنها ما زالت دول قطرية، وهي بهذا تمثل أوطان الأمة الواحدة وتستند إلى مرجعية واحدة، وهذه خطوة تسبق التوصل للوحدة السياسية للأمة، وهي خطوة قد تكون مرحلية وضرورية.
وهنا يلزم أن ندرك الفارق الهائل بين وجود دول قومية قطرية لها أساسٍ علماني، في البلاد العربية والإسلامية، وبين أن توجد دول حضارية قطرية لها أساس إسلامي في تلك البلاد.
ففي الحالة الأولى تحول الدول القومية القطرية الأمة إلى وحدات مفككة، أما في الحالة الثانية، فإن وحدة الأمة تبدأ في الظهور بسبب وحدة مرجعية الدول القطرية الحاكمة لكل البلاد العربية والإسلامية، وبمجرد انتشار نموذج الدولة الحضارية في بعض البلاد العربية والإسلامية، فسوف يشكل هذا بداية حقيقية لانتشار هذا النموذج، حتى يشمل غالب البلاد العربية والإسلامية. وبعد هذا تصبح قضية تحقيق الوحدة السياسية أمرًا متاحًا؛ لأن الوحدة تحققت على مستوى الأمة، وعلى مستوى مرجعية الدول القطرية.
الوحدة السياسية للأمة
قد تتحقق بعد ذلك الوحدة السياسية للأمة من خلال قيام دولة واحدة، وقد يكون ذلك صعبًا عمليا؛ نظرًا لاتساع مساحة البلاد المنتمية لها، وقد تتحقق الوحدة السياسية بقيام وحدة بين الدول العربية في شكل اتحاد عربي، يعقبه قيام اتحاد إسلامي، وتبدو هذه الصورة أكثر قربًا من الواقع الحالي.
وعندما يتأسس الاتحاد الإسلامي، أو اتحاد الدول الإسلامية، تتشكل بهذا المؤسسة الراعية للوحدة السياسية للأمة، والتي تتأسس في الواقع على النموذج الحضاري الإسلامي، وبهذا يتشكل اتحاد حضاري يستند على القيم العليا المشتركة، ويضم الدول القطرية، كما يضم القوميات والأعراق والأجناس، بوصفها مكونات الأمة الواحدة المشتركة في منظومة قيم واحدة، وهذا الأمر يختلف عن الاتحاد الأوروبي في الجوهر ويتفق معه في الشكل.
ففي الشكل يمكن أن يكون الاتحاد الإسلامي مثل الاتحاد الأوروبي، ولكن في الجوهر توجد فروق نوعية، فالاتحاد الأوروبي هو اتحاد بين قوميات مختلفة لكل منها دولة قومية قطرية خاصة بها، ويستند الاتحاد الأوروبي على تبادل المصالح بين دوله، وأيضًا يستند على وجود قيم مشتركة وتاريخ مشترك بين دوله، وأيضًا يستند على وجود رابط جغرافي، أما الاتحاد الإسلامي، فهو يمثل وحدة الأمة، فالأمة تتحد أولاً، ومن ثم ينتج عن وحدتها قيام وحدة سياسية بين دولها، ووحدة الأمة تقوم على وحدة المرجعية العليا، ووحدة الحضارة، ووحدة القيم الحاكمة، وليس مجرد وجود مشترك قيمي أو تاريخي أو جغرافي، فالوحدة الحضارية تمثل قمة تعلو فوق اتحاد القوميات، فالقوميات المتحدة تظل منفصلة، ولكن وحدة الحضارة تنتج أمة واحدة، حتى وإن انتظمت سياسيًّا في دول قطرية مختلفة، تتشكل منها بعد ذلك الوحدة السياسية في صورة اتحاد بين الدول.
ورغم أن الغرب يقوم على ما يعرف بالحضارة الغربية، إلا أن هذه الحضارة تتكون من قوميات مختلفة وثقافات مختلفة، ولا تستند إلى منظومة قيم ثابتة، والعبرة ليست بحجم الاختلافات والفروق، بل العبرة بما يدركه المجتمع عن وحدته الأساسية، ففي الغرب نجد المجتمع الفرنسي له وحدته الأساسية، وأيضًا المجتمع الألماني وكذلك الإنجليزي، وهكذا، ويمكن أن ترى الدول الغربية أنها تحتاج لقيام اتحاد يجمعها، وقد لا ترى حاجةً له في مرحلة أخرى.
الدولة الحضارية الناقصة
أما الدولة الحضارية فأمرها مختلفة، فالدولة الحضارية التي تقوم على المرجعية الحضارية الإسلامية، تصبح دولة كل المنتمين لتلك المرجعية، حتى وإن كانت دولة قطرية تدير قطرًا واحدًا، فإذا قامت دولة حضارية قطرية في مصر، فسوف تصبح تلك الدولة حاملة لمسئولية حضارية وأخلاقية تجاه كل المنتمين للقيم التي تأسست عليها، أي كل الأمة الإسلامية، فالدولة الحضارية عندما تقوم في قطر واحد، تظل مشروعًا ناقصًا غير مكتمل، ويكون عليها العمل على استكمال الأساس التي بنيت عليه، بأن تكون الدولة النواة لقيام الوحدة السياسية للأمة.
فالوحدة بين الدول القطرية الحضارية ليس اختيارًا بل إلزامًا، وهو إلزام ناتج من وحدة الأمة، فالأمة الواحدة تلزم دولها بأن تتوحد، كما أن الدولة الحضارية القطرية التي تقوم على مرجعية القيم الحضارية، تصبح ملزمةً بتحقيق وحدة كل مَن ينتمي لتلك القيم؛ ولهذا فإن الدولة التي تقوم على أساس قومي، هي دولة قطرية حتى النهاية، أما الدولة التي تقوم على أساس حضاري، فهي دولة حضارتها وأمتها، وبالتالي تصبح القطرية مرحلة من مراحلها، وتصبح الوحدة السياسية لكل الدول التي تنتمي لنفس المرجعية الحضارية هي النتيجة النهائية.