من الطبيعي ألا يخلو أي مجتمع من مشكلات واختلافات، تنبع من وجهات نظر متعددة، نتيجة تباين ثقافة أفراد المجتمع الواحد؛ لكن الأهم هو وجود المنهج الواضح لحل هذه الخلافات بشكل علمي لا يؤثر على استقرار المجتمعات، ويبدو أن الواقع المصري قد اعتاد أن تسود أجواؤه السياسية حالةً من الاختلال، وفقد التوازن، وانعدام الحراك الوطني الهادف، فضلاً عن الهمجية، وكثرة الأطراف المتنازعة، وما يصدر عنها من صرخات صاخبة لا تزيد الاستقرار المصري إلا إعياءً وتشويشًا.
ودعونا نتفق- أولاً وبعيدًا عن كافة الظنون والشكوك- على أن الحزب الوطني وتيارات المعارضة؛ لا يعنيهما سوى الصالح العام، والوصول إلى ما فيه خير الوطن والمواطن، وإن لم يكن قد بدا أي تحسن ملحوظ، يشعر به الفرد في مجتمعه، وما يقدم له من خدمات، فكان على الحزب الوطني أن يعمل جاهدًا على استقطاب المصريين، وجعلهم ضمن صفوفه كما يزعم؛ لكنه بدا على العكس بعيدًا عن الشارع والجمهور، متناسيًا هموم المواطن فازدادت معدلات الفقر والبطالة والعنف والإدمان؛ مما آثار حالة من الغضب والنفور في مختلف شرائح المجتمع.
وهنا كان على المعارضة في ذلك الوقت أن تلعب دورًا ذكيًّا، وتكون بمثابة حلقة الوصل التي تعمل على إيصال تلك الصورة التي غابت عن أعين هؤلاء المسئولين، وأن تدرك أنها صوت المواطن، وتنهض لكسب ثقة أفراد الشعب والظهور بصورة لائقة، من خلال آراء وأفكار قريبة من واقع الحياة المصرية، يدعمها اتحاد لتيارات المعارضة والأحزاب السياسية المختلفة.
لكن للأسف تشهد الساحة السياسية الآن بجانبيها الوطني والمعارض صراعات وانقسامات ملموسة؛ جعلت المواطن في حيرة من أمره لا يدري لأي الجانين ينتمي، ولا يعرف سببًا لهذه السلبيات التي ازدادت في الآونه الأخيرة، وأدت إلى غموض العلاقات السياسية فيما بين الأطراف المتنازعة، ومن ثم فقد السيطرة على الأمور، وتعطلت مسيرة الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي، ومن ثم برزت الحاجة الملحة للحوار الحقيقي فيما بين الحزب الوطني وصفوف المعارضة، من أجل الوقوف على العناصر الأساسية والأسباب الرئيسية لتلك النزاعات، سواء كانت داخلية فيما بين أعضاء الحزب الواحد، أو خارجية مع تيارات أخرى، ثم تسوية هذه الخلافات بأنواعها، والجلوس في حلقة نقاشية تجمع الوطني والمعارضة، لا هدف لها سوى الصالح العام، خالية من التشكيك والتخوين بمجرد الاختلاف في وجهات النظر، ومنزهة عن المصالح والأغراض، يتم من خلالها تبادل الآراء والأفكار على أساس من الإقناع التام، والوقوف على مآخذ البعض على البعض الآخر بالتوضيح وسبل المعالجة، والوصول إلى حالة من القناعة التي تفرضها خطورة اللحظة الراهنة في حياة الشعب، والبعد التام عن ثقافة الفوضى والعشوائية في اتخاذ القرارات، وتأييد نقاط ورؤى مشتركة، من أجل المساهمة في بناء دولة المؤسسات والقانون، وبما يتضمن تغيير جذري شامل لكافة الأنماط السياسية التي لا تتيح مزيدًا من الديمقراطية، وبما يكفل حرية التعبير عن الرأي، والسماح لمؤسسات المجتمع المدني بممارسة أنشطتها السياسية والثقافية والاجتماعية، على أن يتم ذلك في ظل وجود نوايا جادة وصادقة ترغب في تغيير مصر من بلد مليء بالمشكلات والصراعات إلى بلد يسوده الحب والتفاهم، مع تأكيد الإطار العلمي والعملي الواضح لتنفيذ مخرجات هذا الحوار.
وختامًا أقول: الحوار هو لغة العالم، ووسيلة التفاهم التي يتبناها بالفعل رأس النظام في نقاشاته حول مستقبل القضايا الخارجية؛ كقضايا الشعب الفلسطيني، ومسيرة النضال الإيراني، بل يتم مع أعدائنا من المجتمعات، فإذا كنا حقيقةً نحرص على مستقبل هذا البلد، ونرغب في نهضة شاملة؛ فلا سبيل لنا إلا إقامة علاقات وثيقة بين كافة الأحزاب السياسية.
فالمسئولية جماعية، وعلينا المشاركة في دعم وتنمية الحراك الوطني بالداخل والخارج في ظل واقع سياسي، يتطلب الارتقاء إلى المستوى الحواري الذي تبغيه المعارضة، خاصةً إذا علمنا أن الحوار غير المتكافئ لن تفي نتائجه بالصالح العام؛ مما يؤدي بدوره إلى مزيد من التراجع والانشقاق، وكأنه حوار لترضية الذوق العام، يتضمن فرض الشروط ووضع القيود، فينبغي التنازل من أجل الوصول لأهداف مشتركة، والاستماع لآراء وأفكار الطرف الآخر، وفهم وجهة نظره، وتناولها بالنقاش، وأخذ ما يتناسب وصالح المجتمع، أو إقناعه بعدم صلاحية أفكاره، وإيضاح العلة لعدم الأخذ بها، وما تحتاج من تعديلات وإضافات؛ حتى يتم تطبيقها لكي نخرج نهايةً من خلال ذلك الحوار بقناعة ووضوح تام لما حدث من الأمور الغامضة، وتسوية لكافة الخلافات والصراعات، وإعادة النظر من جديد لما تمتلئ به الأرفف من بحوث التنمية والتطوير، ودعم برامج هادفة تدفعنا إلى الأمان والاستقرار، والتطلع إلى مستقبل مشرق جديد، تسوده الآمال والطموحات، تكون فيه الخلافات والانقسامات حوادث عرضية، ويكون الإيثار والتفاهم وحب الوطن دعامة الديمقراطية المصرية.
----------
* وكيل مؤسسي حزب الإصلاح والتنمية.