بعد جولات قادته إلى آسيا الوسطى وأميركا اللاتينية، توجه وزير الخارجية الصهيوني إفيجدور ليبرمان نحو القارة الإفريقية في زيارة مطولة هي الأولى من نوعها منذ أكثر من 25 عامًا، تقوده إلى خمس دول إفريقية منتقاة بعناية، في ظل رفض عربي وغربي حتى اللحظة على الأقل لاستقباله بسبب مواقفه العنصرية المعروفة، وفي ظل غياب تغطية إعلامية بحجم وأهمية هذه التحركات التي تسعى من خلالها حكومة الاحتلال؛ لتحقيق مكاسب إستراتيجية مهمة على حساب العلاقات العربية مع حلفائهم التقليديين، وأيضًا في ظل وجود تفسيرات مختلفة لتوقيت تلك الزيارة.
وصول ليبرمان إلى القارة السوداء التي بقيت أبوابها موصدة منذ العام 1973م؛ حين قطعت كافة الدول الإفريقية الـ54 علاقاتها مع الكيان الصهيوني، يأتي بعد أن تخلى العرب عن دعوات المقاطعة والحصار، وسقطت الدول العربية الواحدة تلو الأخرى في أوهام السلام المزعوم والتطبيع المباشر وغير المباشر، والذي بدأته كبرى الدول العربية وهي مصر، المستهدف الرئيسي في هذه (جولة ليبرمان)، واللاعب المفترض والغائب عن تلك المستجدات.
لا يخفى على أحد أن هناك كرهًا "إسرائيليًّا" متأصلاً لمصر الكبرى ودورها ومكانتها، وهو ما عبَّر عنه ليبرمان نفسه بدعوته لقصف السد العالي وإغراق مصر المحروسة، وهو الموقف الذي يرفض حتى اللحظة الاعتذار عنه، والذي تعتبره الحكومة المصرية شأنًا داخليًّا لا يعنيها، وهو اليوم يجدد هذا الموقف في محاولة لتعطيش مصر بدلاً من إغراقها، وصولاً لذات النتيجة (تدمير مصر).
أبعاد الزيارة ودلالاتها
اجتهد البعض في الحديث عن دلالات وتوقيت وأبعاد الزيارة، والتي تجدر الإشارة إلى أنها كانت سرية إلى حين البدء بها، ويمكن للمتبع حصر النقاط التالية:
1- الجولة هي المحطة الثالثة لليبرمان بعد دول آسيا الوسطى وأميركا اللاتينية، وهي الدول التي تشكل الثقل المعروف داخل أروقة الأمم المتحدة، وبزيارة الدول الإفريقية تستطيع "إسرائيل" تغيير المعادلة في الأمم المتحدة، وهو ما عبَّر عنه ليبرمان صراحة بقوله إن الجولة ذات أهمية كبيرة في تقوية وتحسين مكانة "إسرائيل" لدى الأسرة الدولية، والإسهام في دفع المصالح الإسرائيلية لدى الهيئات الدولية، ولتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول الإفريقية.
2- تشكيل حلف مضاد للعرب، وهو ما عبَّر عنه دبلوماسي غربي في نيروبي بقوله:
"إسرائيل" حريصة دائمًا على تشكيل حلف مضاد وراء حدود العالم العربي المحيط بها، مع كينيا، وأوغندا، على غرار إثيوبيا، والهند، وتركيا، والولايات المتحدة، وآسيا الوسطى، التي زارها ليبرمان أخيرًا".
3- إعادة الدور "الإسرائيلي" المفقود في القارة السمراء، ليس من خلال اختراقات جديدة؛ حيث اقتصر برنامج الزيارة على خمسة دول تتميز بعلاقات "متميزة" مع "إسرائيل"، ولن تركز على الدول الإفريقية الأخرى، وهو أمر يطرح بعض التساؤلات من طبيعة نوايا ومقاصد الدبلوماسية "الإسرائيلية" خلال المرحلة القادمة إزاء إفريقيا، وهذه هي إثيوبيا وكينيا وأوغندا ونيجيريا وغانا، الثلاث الأولى من أهم دول منابع النيل، إثيوبيا أهم دولة موالية لـ"إسرائيل" في القرن الإفريقي لعدة عقود باستثناء فترة حكم مانغستو هيلا مريام، أما كينيا فهي مركز الموساد "الإسرائيلي" في إفريقيا؛ حيث تعتبر مركزًا للكنائس الكينية الداعمة للمسيحية الصهيونية، وضمانة استمرار علاقات "إسرائيلية" كينية، أما أوغندا، فهي مركز الحروب السرية "الإسرائيلية" في إفريقيا، وهي الممر الآمن لتزويد "إسرائيل" لحركات التمرد الإفريقية بالأسلحة.
4- الوفد المرافق لليبرمان يضم عددًا من كبار ممثلي قطاع الأعمال "الإسرائيلي" يعملون في مجالات الطاقة والزراعة والنقل والمياه والبنية التحتية والاتصالات والصناعات الأمنية، إضافة إلى موظفين حكوميين كبار من وزارات الخارجية والمالية والأمن والأمن الداخلي، وهو ما يفيد في توقيع اتفاقات وصفقات محددة وبعينها كما سيأتي لاحقًا.
5- الرد على زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى إفريقيا في شهر شباط/ فبراير الماضي؛ وهو الأمر الذي أزعج الحكومة "الإسرائيلية" بشكل كبير، خاصة زيارته للعاصمة الكينية نيروبي، بحسب دبلوماسي غربي معتمد هناك، وهو أمر لا تخفيه الخارجية "الإسرائيلية" التي أفادت "أنه سيتم التطرق إلى المسألة الإيرانية خلال هذه الزيارة في ضوء الجهود التي تبذلها إيران لتثبيت أقدامها في المنطقة والعمل فيها"، ومن المعلوم أن الدور الإيراني في إفريقيا قد ازداد؛ حيث أصبح لإيران مشاريع واستثمارات عديدة في أكثر من دولةٍ إفريقية، وتخشى "إسرائيل" من محاولات إيران الحصول على اليورانيوم اللازم لتشغيل مفاعلاتها.
6- رسالة للولايات المتحدة الأمريكية التي تواجه نفوذًا صينيًّا وأوروبيًّا متزايدًا في القارة الإفريقية، مفادها أن "إسرائيل" بإمكانها المساعدة في هذا الشأن.
7- الاستفادة من الثروات الإفريقية الواعدة من ماس ("إسرائيل" تعتبر ثاني أكبر دولة مصنعة للماس في العالم)، والنفط (نيجيريا الدولة النفطية الأكبر في إفريقيا)، إضافة إلى وجود شبكات غسيل الأموال التي تشرف عليها المؤسسات المالية العالمية الصهيونية الطابع، إضافة إلى وجود الشركات النفطية الأمريكية كشيفرون والبريطانية كبريتيش بتروليوم الداعمة لـ"إسرائيل".
8- البحث عن أسواق جديدة لتصريف السلاح الخفيف، بعد أن أغرقت المليشيات الإفريقية بسلاحها الفردي الخفيف والمتوسط، وإيجاد فرص عملٍ للضباط الـ"إسرائيليين" المتقاعدين؛ حيث ينظم هؤلاء عمليات تدريب وتأهيل لكوادر وعناصر المليشيات الإفريقية، ويسهلون لبعض قادتهم فرصة السفر إلى "إسرائيل" لتقلي التعليمات والتوجيهات التي ترى إسرائيل أنها تصب في مصلحتها.
تهديد أمن مصر
تضع "إسرائيل" نصب عينيها هدفًا واضحًا في إفريقيا، سبق أن عبّر عنه ليبرمان قبل سنوات بدعوته لقصف السد العالي، وتدميره وإغراق مصر كلها بمياهه، ولعلمهم باستحالة تنفيذ هذا الأمر في هذه المرحلة على الأقل، تحاول الدبلوماسية الإسرائيلية قتل مصر وتدميرها ليس بإغراقها، بل من خلال الوصول لمنابع النيل والتحكم والسيطرة عليها؛ لتموت مصر عطشًا وجوعًا، أو ترضخ للجانب الـ"إسرئيلي" بالكامل.
شواهد تلك المحاولات التاريخية كثيرة؛ لكنها اليوم أصبحت حقائق على الأرض، فإقامة المشاريع والسدود ليست استثمارًا ماليًّا بحتًا، بل استكمال لفرض حصار على السودان ومصر.
وما دمنا نتحدث عن دلالات توقيت الزيارة، فإن مصر لم تسقط سهوًا من ذلك الحديث؛ لكن استهداف مصر يحتاج لتفصيل وتوضيح:
تحاول "إسرائيل" منذ عقود أن تؤثر على الأمن المائي القومي المصري، وذلك من خلال تحكمها في البحيرات الوسطى، ومنابع النيل في القارة الإفريقية، في مسعى حثيث لإقصاء مصر عن ساحة الصراع العربي الـ"إسرائيلي"، ومن خلال إشغالها بمشكلة المياه وأمن النيل.
- طالبت مصر مؤخرًا بزيادة حصتها في مياه نهر النيل وتغيير الاتفاقات القائمة؛ مما أثار خلافات بين دول المنبع الثلاث (من بين الدول الخمسة التي سيزورها ليبرمان هناك ثلاثة تسيطر على منابع نهر النيل، فإثيوبيا تسيطر على بحيرة "تانا" التي ينبع منها النيل الأزرق، وكينيا وأوغندا تسيطران على بحيرة فكتوريا التي ينبع منها النيل الأبيض)، ودول الممر والمصب أي السودان ومصر.
- عقدت في كينشاسا في حزيران/ يونيو الماضي، وفي الإسكندرية في تموز/ يوليو الماضي جولة فاشلة من مفاوضات دول حوض النيل حول اتفاقية جديدة لإدارة الموارد المائية بين دول المنبع، ودولة الممر السودان، والمصب جمهورية مصر العربية؛ اجتماع دول حوض النيل في الإسكندرية، لم يتوصل إلى اتفاق، بل اتفق على إجراء مباحثات جانبية تستمر ستة أشهر، تمتنع أية دولة عن التصرف خلالها بشأن القضايا العالقة.
- رغم ذلك أبرم ليبرمان ووفقًا للتقارير التي تسربت؛ اتفاقيات تمول بها "إسرائيل" وتنفذ سلسلة من المشاريع المتعلقة بإدارة الموارد المالية، تتضمن بناء عدد من السدود وتحويلات في مجرى نهر النيل ومتفرعاته؛ بحيث لا تصل الكمية المناسبة لسدود السودان ومصر، ولكي تبدأ المفاوضات بين دول حوض النيل بعد قرابة أربعة اشهر من توقيع الاتفاقات، وهناك وقائع على الأرض وعلى الماء، لا يمكن إغفالها، تضع مصر والسودان في موقف حرج وضعيف.
- وبحسب تفاصيل تلك التقارير فإن تفاهمات ليبرمان مع زعماء هذه الدول ستشمل ملف المنشآت المائية التي وعدت "إسرائيل" بإقامتها عند نقطة خروج النيل الأزرق من بحيرة تانا ونقطة خروج النيل الأبيض من بحيرة فكتوريا، وهذه المنشآت هي عبارة عن خزانات ضخمة تهدف لرفع مستوى المياه في هذه البحيرات، إضافة إلى التحكم والضبط لتدفقات مياه النيلين الأزرق والأبيض.
- أما السودان فقد وجهت له "إسرائيل" اتهامات متكررة بدعم المقاومة وتزويدها بالسلاح، ولا ننسى الأنباء التي كشفت عنها صحيفة (هآرتس) بتاريخ 27/03/2009م، وفيها تفاصيل غارة شنتها طائرات "إسرائيلية" على ما قالت إنها شاحنات محملة بالأسلحة الإيرانية في أحد مناطق شرقي السودان كانت في طريقها إلى قطاع غزة نهاية يناير الماضي، وهي الغارة التي تكتم عليها الجميع لفشلها؛ حيث إن الهجوم وقع على قافلة تضم ألف مدني ضالعين في "عملية تهريب بضائع على الحدود مع مصر" قتل منهم 119 شخصًا، بينهم 56 مهربًا و63 شخصًا من إثيوبيا والصومال وجنسيات أخرى كان يجري تهريبهم.
- لذلك فإن من أهداف الزيارة أيضًا تطويق السودان وحصاره وزعزعة أمنه واستقراره ودعم حركات التمرد فيه، وفي هذا الشأن أكد الزعيم الليبي معمر القذافي الذي يحظى بنفوذ كبير في القارة الإفريقية، وتزعجه هكذا تحركات أن الكثير من أحداث العنف في إفريقيا؛ سببها التدخل الأجنبي، مؤكدًا أن "إسرائيل" خاصة هي المسئولة عن تأجيج الصراعات هناك، وقال القذافي في كلمة ألقاها أمام القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي، أنه لا يرى خطورة كبيرة بالنسبة لأزمة دار فور وجنوب السودان، إذا تمَّ الابتعاد عن التدخل والأطماع الدولية، معتبرًا التدخل الخارجي هو الذي صب الوقود على النار، موضحًا أن وجود مكتب لأحد فصائل دار فور في تل أبيب بـ"إسرائيل" يدل على وجود قوة تخريب خارجية، تتدخل في مشاكل إفريقيا وتضخيمها لجعل القارة غارقة في مثل هذه المشاكل؛ لنهب ثرواتها عبر شركاتها والشركات المتعددة الجنسية.
الدور المفقود
لم تحرك مصر الرسمية ساكنًا لمواجهة هذا الخطر المحدق بأمنها، وغاب دورها تمامًا عن الساحة الأفريقية ونزاعاتها ولسنوات طوال، وأصبحت دول أقل أهمية من مصر وسيطًا ولاعبًا رئيسيًّا في القارة الإفريقية، وارتضت بموقف المتفرج، وفي حين تخترق الأراضي المصرية من جنوبها إلى شمالها من قبل عصابات تهريب البشر، تنشط السلطات المصرية في قتل "المهاجرين" الأفارقة على حدودها مع الأراضي المحتلة، وتعتبر غزة والفلسطينيين خطرًا على أمنها القومي، وتتغافل عن دور "إسرائيل" في تدميرها، ليس عن جهل أو عدم معرفة، بل بإدراك كامل لما يدور ويدبر.
ما يدلل على ذلك الإدراك انتقاد الدكتور "سمير رضوان" عضو المجلس الأعلى للسياسات بالحزب الوطني، ومستشار هيئة الاستثمار في تصريح لصحيفة (المصري اليوم) بتاريخ 06/09/2009م ما أسماه: إهمال مصر لعلاقاتها مع دول حوض النيل؛ الأمر الذي نتج عنه من وجهة نظره، تحول إستراتيجياتها للحفاظ على حصتها من مياه النيل إلى أمن قومي.
وقال رضوان: إن "مصر أهملت إفريقيا، والتي تمثل خطرًا دائمًا على حصتها من المياه القادمة من الجنوب"، وأشار إلى أن " تركيز "إسرائيل" على مياه النيل بدأ يؤتى ثماره، خاصة بعد عمليات الترويج لفكرة حصول مصر على حصة أكبر من نصيبها المحدد".
ودعا عضو المجلس الأعلى للسياسات بالحزب الوطني إلى ضرورة توطيد العلاقة بين مصر ودول حوض النيل وليس السودان فقط.
الدور العربي والإسلامي غائب هو الآخر، وفي أحسن الأحوال يتحرك في إطار تمويل المساجد وبنائها، وتوزيع الكتب، وتنظيم المسابقات، مقابل نشاط استثماري "إسرائيلي" واضح، وهو ما عبَّر عنه أحد الكتاب بقوله "لقد ازداد عدد المسلمين حفظة القرآن في أفريقيا، ومعه ازداد تعلق المواطنين الأفارقة بمن يزودهم بالحد الأدنى من الحياة!!.
ومع ذلك نقول: واهم من يظن أن "إسرائيل" تبحث عن رفاهية المواطن الإفريقي، والنهوض بمستواه، وانتشاله من الفقر والمرض، وواهم من يظن أن الاهتمام الـ"إسرائيلي" هو اقتصادي استثماري بحت، لكن الأهداف والأطماع والنوايا أكبر من ذلك بكثير، وكذلك غفلة الدول المستهدفة بهذا التحرك.
-----------
* كاتب ومحلل فلسطيني