الدولة القومية والدولة الحضارية

في الجدل الدائر بين الاتجاهات السياسية، يبرز مفهوم الدولة بوصفه حجر الزاوية في النظرية السياسية لكل اتجاه، والخلاف بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية، مثل محور الحوار والجدل وربما الخصومة السياسية في الساحة العربية والإسلامية؛ ولأن نموذج الدولة العلمانية مطبق في الغرب، ولأن نموذج الدولة الإسلامية غائب؛ لهذا تسيد مفهوم الدولة العلمانية أو نموذجها الغربي؛ مما أدَّى إلى خلط الكثير من المفاهيم. وداخل معركة تعريف الدولة، تحاول النخب العلمانية فرض تصورها عن الدولة، باعتباره التصور الطبيعي أو العصري، في محاولة لوصم التصور الإسلامي عن الدولة بأنه إما تاريخيًّا أو رجعيًّا أو غير عصري.

 

والحقيقة أن الدولة في التصور العلماني حسب الأدبيات الغربية، وحسب الواقع السياسي الغربي؛ هي الدولة القومية، وفي تصورنا فإن الدولة القومية هي نقيض للدولة الإسلامية، وهي أساس الأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة الإسلامية، فالدولة القومية تمثل نموذجًا غير صالح لحضارتنا، أي أنها نموذج يتعارض مع مرجعيتنا الحضارية وربما يحطمها، والواقع يقول إن زرع نموذج الدولة القومية في البلاد العربية والإسلامية، قد حطم المرجعية الحضارية للأمة، وأصبح الأداة التي يتم من خلالها تحييد المرجعية الحضارية للأمة، أي الأداة التي تمنع وحدة الأمة ونهضتها.

 

وعليه يكون علينا اكتشاف نموذج الدولة في المرجعية الحضارية الإسلامية، وتمييزه عن نموذج الدولة القومية، ثم العمل على تأسيس نموذج الدولة المناسب لحضارتنا. وتلك هي مهمة الحركة الإصلاحية الإسلامية، في تصوري.

 

عن الدولة القومية

الدولة القومية هي دولة قوم أو عرق أو قومية أو جنس، وهي دولة تفترض أنها تعبر عن هذه القومية حصرًا، بمعنى أن تلك القومية لا توجد إلا داخل حدود الدولة، وكل ما هو خارج حدود الدولة يمثل قومية أخرى، كما أن كل من يقع داخل حدود الدولة؛ فهو ينتمي لتلك القومية، وكل مهاجر أو أجنبي يعيش داخل الدولة، ينتمي للدولة بحق المواطنة، ويصبح عليه أن يلتزم بالنمط القومي السائد، فيكتسب القومية بالتقليد أو المحاكاة؛ حتى وإن لم يكن يكتسبها بالميلاد، ومع وجود تعدد عرقي داخل بعض الدول القومية، نجد أن الدولة تفرض نموذجًا قوميًّا على الجميع، وتحاول أن تحقق التجانس بين المختلفين من خلال تسيد القومية التي تحملها، فالدولة الألمانية هي دولة القومية الألمانية، والجنس الألماني، وأيضًا الدولة الفرنسية هي دولة القومية الفرنسية، وهكذا.

 

وعندما فرضت الدولة القومية على البلاد العربية والإسلامية، فرض عليها نمط سياسي يعزز ظهور القوميات كوحدات منفصلة لها استقلالها الذاتي، فأصبحت الدولة المصرية هي دولة القومية المصرية، والدولة التونسية هي دولة القومية التونسية، وأي علاقة بين الدول أو إطار جامع لها، يكون على أساس المصالح المشتركة بين الدول القومية المتميزة. فالدولة القومية كانت وما زالت أساس تفكيك الأمة الإسلامية، والأداة الرئيسية التي تحمي حالة التفكك التي تعاني منها الأمة، والدولة القومية هي دولة قطرية، أي الدولة التي تحكم قطرًا محددًا ولها حدود معينة، وتستند إلى قومية غالبة بعينها، فالدولة القومية هي دولة قومية ودولة حدود جغرافية، ولا يمكن قيام دولة قومية إلا بتحديد الحدود الجغرافية للقومية التي تحكمها وتمثلها، لتصبح حدود القومية هي حدود الدولة، أو تصبح حدود الدولة هي حدود القومية. 

 

الدولة الحضارية

في المقابل نجد أن نموذج الدولة في المرجعية الإسلامية يختلف كليًّا عن نموذج الدولة القومية، بصورة تجعل ما بينهما هو تعارض كامل، فالدولة في النموذج الإسلامي، هي دولة حضارية وليست دولة قومية، وهي بهذا ليست دولة عرق أو جنس، فالدولة القومية تستند إلى عرق محدد، أما الدولة الحضارية فتستند إلى قيم محددة، الدولة الحضارية هي دولة قيم، أي دولة تعرف نفسها بمنظومة قيم، وتستند إليها وتعتبرها مرجعيتها الأساسية، وتكتسب شرعيتها من الالتزام بها، وقد يرى البعض أن الدولة القومية تستند أيضًا إلى قيم ولكنها في الواقع تستند إلى قومية، ومن ثم تستند إلى قيم تلك القومية، أي أنها دولة تعبر عن قومية، وبالتالي تعبر عن القيم السائدة لدى هذه القومية.

 

أما الدولة الحضارية فهي دولة القيم، أي الدولة التي تعرف نفسها بالمرجعية العليا لها المتمثلة في نموذج القيم الذي تلتزم به، وبهذا تصبح الدولة معبرة عن كل القوميات والأجناس والأعراق، التي تؤمن بتلك القيم، وتستند إليها، وتعتبرها مرجعيتها الأساسية.

 

فالدولة الحضارية عابرة للقوميات، أما الدولة القومية فهي دولة قومية محددة بصورة جامعة مانعة، فالدولة القومية ملك لقوميتها، أما الدولة الحضارية فملك لقيمها.

 

ولكل قومية حضارتها الخاصة، ولكن عندما تُبنى الدولة على أسس القومية، فإنها بهذا تصبح معبرة عن الحضارة القومية لشعب معين، فالدولة القومية تستند إلى الحدود وتعبر عن قومية معينة، وبالتالي تعبر عن حضارة هذه القومية وقيمها ونمطها في الحياة، ففي الدولة القومية، تأتي القومية أولاً، ثم الحضارة والقيم، وفي الدولة الحضارية، تأتي القيم والحضارة أولاً، ثم بعد ذلك تأتي القوميات وخصوصيتها الثقافية؛ لهذا فإن الدولة الحضارية ليس لها حدود قاطعة مانعة، لأن حدودها هي حدود من يؤمن بالقيم التي قامت عليها واستندت إلى مرجعيتها، وهي ما يجعل حدودها قابلة للتعديل؛ أما الدولة القومية، فإن حدودها ثابتة نسبيًّا؛ لأن القومية لا تتمدد، فلا يمكن لشعب أن ينتقل من قومية إلى قومية أخرى؛ لأن أساس القومية بيولوجي وعرقي، ولكن الدولة الحضارية، يمكن أن ينتمي لها كل من يؤمن بقيمها، أيًّا كانت قوميته، فهي دولة عابرة للقوميات، وهي أساسًا دولة موحدة للقوميات؛ لذا يمكن أن تنتمي لها عدة قوميات، ثم تنتمي لها مع الوقت قوميات أخرى.

 

سر الخلاف العلماني الإسلامي

هنا يظهر لنا جوهر مهم للخلاف بين الاتجاهات العلمانية والتيار الإسلامي، فالنخب العلمانية تريد تكريس نموذج الدولة القطرية القومية في البلاد العربية والإسلامية، والتيار الإسلامي يريد بناء الدولة الحضارية، أي دولة المرجعية الإسلامية، والتي تستند إلى تلك المرجعية، وتعبر عن كل من ينتمي لها، وتكريس الدولة القطرية القومية يمنع وحدة الأمة الإسلامية، أيًّا كان الشكل المؤسسي لتلك الوحدة، أما قيام الدولة الحضارية فيمهد لتحقيق وحدة الأمة، واستمرار الدولة القومية، يجعل مرجعيتها تستند إلى قومية، مما يساعد على تحقيق العلمانية من خلال جعلها نمطًا سائدًا لدى تلك القومية، فالدعوة إلى تأكيد الهوية القومية القطرية للدولة المصرية، يعد طريقًا يسهل علمنة الدولة، أما الدعوة لقيام دولة حضارية في مصر تستند إلى القيم المرجعية الأساسية للأمة، أي دولة تستند للمرجعية الإسلامية، فهي كافية لمنع علمنة الدولة، وبالتالي منع علمنة المجتمع.

 

فالدولة القومية القطرية تعمل على منع توحيد الأمة، ومنع قيام كيان سياسي موحد لها، ومنع استنادها للمرجعية الإسلامية، في حين أن الدولة الحضارية التي تستند للمرجعية الإسلامية، تعمل على تحقيق وحدة الأمة وتأكيد مرجعيتها الإسلامية، وهذا هو جوهر المواجهة المحتدمة تاريخيًّا بين المشروع العلماني والمشروع الإسلامي، فهي مواجهة حول نموذج الدولة، وهي مواجهة بين الدولة القومية والدولة الحضارية.