![]() |
|
د. زكريا سليمان بيومي |
ما زال كثير من الكتاب والمؤرخين المصريين- والأجانب قبلهم- يروْن أن محمد علي باشا هو مؤسس مصر الحديثة ورائد نهضتها وغير ذلك، وما زال الكثير من المثقفين المصريين وأنصافهم وجامعي أعقاب الثقافات يردِّدون وراء هؤلاء الكتاب هذه المقولات حتى صارت كالمسلَّمات، فإذا خرج عليهم كاتب يرى غير ذلك يُهاجم ويُتهم بالشطط وحب المخالفة؛ لأنه يجرد هؤلاء جميعًا من تكوينهم الثقافي الذي لا يملكون غيره.
والمصدر الأساسي في الحكم على محمد علي؛ هو مؤرخ عاصر دوره قبل سطوه على حكم مصر وبعده، حتى انفرد بكل شيء، وهو المؤرخ المسلم المعتدل المشهود له من المؤرخين المصريين والعرب والأجانب عبد الرحمن الجبرتي.
لقد وصف الجبرتي محمد علي بأنه مخادعٌ كذابٌ يحلف الأيمان الكاذبة، ظالم لا عهدَ له ولا ذمة، يضمر السوء واستخدام العنف والجور في نفس الوقت الذي يعد فيه بالعدل، لا يخفف من عسفه وظلمه واستبداده استجداء شيخ أو بكاء طفل أو توسل أرملة.
وصل محمد علي إلى حكم مصر من خلال هذه الأوصاف، فتقرَّب إلى مجموعة مؤثرة من المشايخ المصريين خلال فترة الاضطرابات التي تلت خروج الفرنسيين من مصر، ودفع محمد علي هؤلاء المشايخ لإثارة الأهالي ضد قواده وخصومه؛ ليفسحوا له الطريق، وليكون لهم دور في الاختيار.
وحين أدرك خصومه دوره التآمري سعوا لإقناع الباب العالي بإبعاده واستدعاء القوة التي يرأسها، وصدر الأمر بذلك، أصرَّ محمد علي على البقاء وترك القوة تعود، وظل يتودد للمشايخ من أمثال عمر مكرم نقيب الأشراف، ويصف الجبرتي صلته بعمر مكرم، فيقول:" كان يتردد عليه ليلاً ونهارًا يعاهده ويتعاقد معه سرًّا، بل ويحلف له الأيمان الكاذبة على سيره بالعدل، وإقامة الأحكام والشرائع، والإقلاع عن المظالم، ولا يفعل أمرًا إلا بمشورته ومشورة العلماء، وأنه متى خالف الشروط عزلوه وأخرجوه، فيتورط عمر مكرم في قوله، ويظن صحته، ولم يدر أن كل الأمور زلابية".
وبعد نجاح خطته وخداعه وقيام الأهالي بثورة ضد الوالي وعزله، والمطالبة بتعيين محمد علي، بدا محمد علي في دور الممثل البارع، فأبدى تعففه عن المنصب الذي خطَّط له كثيرًا، وقال للمشايخ: "أنا لا أصلح لذلك، ولستُ من الوزراء، ولا من الأمراء ولا من أكابر الدولة"، وسلك الأسلوب الرومانسي الذي يُثير عواطف الغلابة وآكلي الزلابية في كثيرٍ من المناسبات وأزمات الزعماء، فردوا عليه بصوت جماعي: "إحنا اخترناك وهنمشي وراك"، وقام عمر مكرم والشيخ الشرقاوي بتقليده خلعة الولاية، وواصلوا حصار الوالي؛ حتى أتتهم موافقة الباب العالي.
والغريب في الأمر أن بعض المهووسين في زماننا بالديمقراطية من المنتفعين وحملة المباخر و"مهياصي الطبل" يصورون هذا المشهد التمثيلي بأنه اختيار شعبي، وأنه يعد بدايةً للحياة النيابية في مصر، وحين يتعلق الأمر بآكلي الزلابية ومن يخلفونهم في استطعامها فحدث ولا حرج.
والأمر لم يتعد بضعة مشايخ لا يتخطون العشر، وكانوا مخدوعين كما وصفهم الجبرتي، وأن من أهم أساليب خداع بعضهم مداومة محمد علي على عزومتهم باللحم والفتة ثم الزلابية، والأمر لا يحتاج إلى كل هذه الضجة إذا ما عرفنا ما فعله محمد علي بهم بعد ذلك، ولو أن الأمر كان نضجًا سياسيًّا حتى لدى قلة من المصريين وإدراكًا للحياة النيابية، فلماذا لم يختاروا أحدهم للزعامة والولاية؛ كعمر مكرم مثلاً بدلاً من رجل لا يفهم لغتهم وغريب عليهم؟!.
ويصف لنا الجبرتي ما فعله محمد علي بعد توليه الحكم، فبدأ "بإثارة الفتنة والفرقة بينهم، وضرب بعضهم ببعض؛ حتى ساد الفساد بينهم، وسادهم التكالب على سفاسف الأمور، وفراغ الأعين، والتطلع للأكل في ولائم الأغنياء والفقراء، والمعاتبة عليها إن لم يدعوا إليها".
وبعد أن نجح في التخلص من المماليك تخلَّص من هؤلاء المشايخ بالحبس والنفي والإهمال، وقام بتأميم الأوقاف التي كانوا يعيشون عليها في التعليم، وحتى يعطي مَن يشاء منهم وبالقدر الذي يشاء، فيضمن دوام خضوعهم وخنوعهم.
ثم استدار بعد ذلك للمصريين، فاستولى على كل الأراضي الزراعية، وحوَّل أعالي مصر إلى أجزاء، وزاد في تضييق معيشتهم بالضرائب، فساد ظلمه في الريف والحضر، وحاول الناس الثورة عليه دون جدوى؛ فهربوا من الأرض، وشوهوا أنفسهم هربًا من الجيش.
هذا هو باني مصر الحديثة، ورافع نهضتها، ومَن اختاره شعبها ليتولى أمره وهو ليس منه، صدق عليه وصف الجبرتي بالمخادع، ولكن الناس إلى الآن لا يصدقون، بل ما زالوا يبررون ويفسرون لا لشيء، إلا لأنه ولَّى وجهه شطر أوروبا؛ ليأخذ بأسباب الحضارة المادية فهو عند الليبراليين يستحق كل هذه الإشادة.
صحيح أنه بنى السدود، وشيَّد الأهوسة والكباري، وشق الترع، واهتمَّ بالتعليم الموجه والحرفي، ونجح في سياسته الاقتصادية من خلال زيادة الإنتاج الزراعي، في ظل الملكيات الكبيرة، ثم سياسة الاحتكار.
لكن أهمل أهم شيء في البناء الحضاري في رأي الكثيرين؛ وهو الإنسان الذي تبنى به ومن أجله الحضارة، بل هو نهج أوروبا الليبرالية التي اتجه إليها، ولأن محمد علي أذلَّ شعب مصر، وضيَّق عليه كل شيء، ولم يعتمد على أن تكون النهضة على أكتاف المصريين وبهم ومن أجلهم؛ ولهذا تهاوت هذه النهضة بعد حوالي ثلاثين عامًا من وفاته بخضوع البائسين للاحتلال البريطاني.
إن النهضة أو الحضارة لا تُبنى على أجسادٍ عجافٍ ونفوسٍ مستذلة وقلوب منكسرة بائسة يائسة، بل تُبنى على أكتاف الشعوب الحرة ومن أجلها؛ حتى يرتبطوا بها ويدافعوا عنها، والزعامات لا تأتي بالعواطف والخداع، بل بالاختيار الحر، ومن قِبل أغلبية مطلقة، وليس من قِبل قلة منتفعة أو مخدوعة، هذا هو السبيل الصحيح؛ حتى لا نظل تابعين للمخادعين أو المخدوعين من آكلي الزلابية.
-----------
* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة المنصورة
