محمد رجب سالم
أربعون عامًا- بالتمام والكمال- مضت على ذلكم الحادث الأليم؛ حادث إحراق المسجد الأقصى المبارك على يد أحد المتطرفين اليهود، ففي يوم 21/8/1969م تجرأ ذلكم المجرم على حرمة أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ودنس قدسيته بدعم كامل ومساندة تامة من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي هيأت الأجواء لحدوث الجريمة، حيث قطعت المياه عن منطقة الحرم القدسي، كما منعت المواطنين العرب من الاقتراب من ساحته المباركة، واندلعت النيران بالفعل، وكادت تأتي على قبته المشرفة، لولا استماتة المسلمين والمسيحيين في عمليات الإطفاء التي قاموا بها رغمًا عن سلطات الاحتلال الصهيوني.

وتمثلت الخسائر في احتراق منبر صلاح الدين، كما اشتعلت النيران في سطح المسجد الجنوبي، وكذلك في أسقف ثلاثة أروقة.
وأجرت سلطات الاحتلال تحقيقًا صوريًّا في الحادث- على طريقة من يقتل القتيل، ويمشي في جنازته ذارفًا زائف الدموع عليه، وأسفر التحقيق عن ادعاء أرجع الحريق إلى تماس كهربائي، ولكن المهندسين العرب أثبتوا أن الحريق قد تم بفعل فاعل، وعندها لم يسع الصهاينة إلا أن يعلنوا أن شابًا أستراليًّا كان وراء الحادث، وأنهم سيقدمونه للمحاكمة، ثم لم يلبثوا إلا قليلاً حتى أطلقوا سراحه بحجة أنه متخلف عقليًّا.
وليست هذه الجريمة النكراء هي الشر الأوحد، وإنما هي حلقة صغيرة في سلسلة المخططات الطويلة، التي أعدت سلفًا للقضاء على المقدسات الإسلامية، بل واستئصال العرب والمسلمين؛ ويتضح هذا جليًّا عند مراجعة توجهات مؤسس الحركة الصهيونية وزعيمها الروحي "ثيودور هرتزل"- بشأن القدس، وتتلخص هذه التوجيهات في المحاور الثلاثة التالية:
الأول: تدويل المدينة المقدسة تمهيدًا لتهويدها.
الثاني: بناء هيكل سليمان في مكان غير بعيد عن المسجد الأقصى.
الثالث: صبغ المدينة المقدسة بطابع أوروبي غربي، وأن تصبح عاصمة للشعب اليهودي.
وقد تبنى "ديفيد بن جوريون"- مؤسس إسرائيل هذا التوجه لزعيمه الروحي، وعمل جاهدًا على تنفيذه بكل دقة، حيث سعى لإنشاء ما سمي بالقدس الغربية، وأطلق على البلدة القديمة ومحيطها اسم القدس الشرقية، بل وحرص على توثيق ذلك في صورة رسالة للحكومة البريطانية في سنة 1947م- قبيل صدور قرار التقسيم- جاء فيها:
"إنه لن يتنازل عن القدس، وإنه لا بد من الفصل بين الأماكن المقدسة في شرقي المدينة وغربها".
وتنفيذًا لهذا الإصرار انطلقت القوات الصهيونية في سنة 1948م، لتحتل 84.1% من المدينة المقدسة، ثم أعقبت ذلك بتدمير القرى المجاورة مثل دير ياسين، التي أحدثت بها مذبحة طبقت الآفاق، نفذتها عصابتا "إيرجون" و"شتيرن" تحت قيادة "مناحم بيجين" و"إسحق شامير"، وكانت حصيلتها قتل 254 رجلاً وامرأةً وطفلاً، والتمثيل بجثثهم بتقطيع الأوصال، وإلقاء الجثث في بئر القرية.
وعقب هزيمة العرب في سنة 1967، تلك الهزيمة النكراء التي كست وجوههم بالقار وملأت بيوتهم بالعار- استكمل الصهاينة احتلال القدس، وشرعوا في تهويدها، واتخذ ذلك أربعة أشكال أساسية هي:
1- هدم الحي الإسلامي المعروف بحارة الشرف في حي المغاربة، وكان ذلك في 12 من يونيه سنة 1967م- أي عقب العدوان بستة أيام فقط- حيث منحت سلطات الاحتلال السكان ساعتين فقط لمغادرة المكان، وفي صبيحة اليوم التالي كان الحي قد سوي بالأرض، وتم ضم أراضيه إلى الساحة المقابلة لحائط البراق، الذي يطلق عليه اليهود حائط المبكي، وتم أثناء ذلك العمل الآثم هدم مسجدي البراق والأفضلي، وهدم 135 منزلاً، وتهجير 650 فلسطينيًّا، رغم أن ممتلكات الحي تابعة للأوقاف الإسلامية.
2- توطين اليهود في ذلكم الحي- حي المغاربة- وتسميته بالحي اليهودي، وإطلاق أيدي المستوطنين للاستيلاء على الممتلكات الإسلامية والوقف الإسلامي ما بين هذا الحي وحارة الأرض، وقد تم ذلك ما بين عامي 1968م، 1979م.
3- تشكيل العديد من الجماعات الاستيطانية اليهودية بالقدس، وقد ألفت هذه الجماعات- بدورها- اتحادًا يجمعها سمي: "عطرا اليوشنا"- أي جمعية تجديد الاستيطان في مدينة القدس جميعها، وقد حظي هذا الاتحاد باعتراف الحكومة الإسرائيلية في عام 1985م.
4- احتلال مساكن الفلسطينيين في الأحياء الإسلامية، وادعاء ملكيتها من قبل العديد من اليهود، بل إن السفاح "إرئيل شارون"- رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق- قام شخصيًّا في سنة 1987م باحتلال أحد المنازل الفلسطينية في الحي الإسلامي المجاور للحرم القدسي الشريف؛ كما اتبعت سلطات الاحتلال الصهيوني وسائل أخرى في هذا الصدد التهويدي منها: المصادرة للأراضي والمعابد الأثرية، بل وتحويل بعض المقابر الإسلامية والمسيحية إلى معابد أو نوادٍ للصهاينة.
ساءلت نفسي السؤال الذي يدور في ذهن كل مسلم غيور: ماذا صنع حكامنا الأشاوس، وقادتنا المغاوير إزاء هذا البغي الدائم، والعدوان المستمر؟!!.
أجابني الواقع بكل المرارة والأسى: لا شيء سوى الاستنكار والشجب!!!... تماماً كما حدث في 15/8/1967م، حين قام الحاخام اليهودي: "شلومو غورين"، مع عشرين من جماعته بأداء صلاة يهودية داخل الحرم القدسي الشريف...... يومها لم يحركوا ساكنًا"، حتى بعد أن أضفى الصهاينة الصبغة القانونية على التصرف الأخرق الذي صدر من الحاخام وجماعته، وذلك بأن أصدرت قاضية بمحكمة صلح إسرائيلية في القدس- قرارًا يقضي بإباحة صلاة اليهود في الحرم القدسي الشريف.
قلت في نفسي- متعجبًا متحيرًا-: أهكذا يذهب خمر السلطة بالعقول؟!!، ولماذا قادة العرب والمسلمين- بالذات- الذين يتقاعسون عن نصرة قضاياهم؟، بل لا أتجاوز الحقيقة إذا قلت: إنهم ارتكبوا خيانة شرعية بموالاتهم لأعداء الله على حساب عقيدتهم وكرامة أمتهم، والقرآن الكريم يحذرنا صباح مساء من هذه الموالاة الآثمة وينهانا عنها، فيقول الحق- تبارك وتعالى- في محكم التنزيل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)﴾ (المائدة).
إنه لمن المؤسف حقًّا، بل لمن المخزي أن يحرص الحكام الصهاينة على صبغ صراعهم معنا بالصبغة اليهودية، بينما يحرص قادتنا وأولو الأمر فينا على إخراج الإسلام من حلبة الصراع، وبينما نحاول نحن إشاعة ما يسمى بثقافة السلام، يسعى الصهاينة جادين إلى إشاعة ثقافة الحرب والعداء للعرب والمسلمين، وهذا واضح جلي في كل شيء عندهم، حتى في مناهج التعليم التي تدرس لأطفالهم ومراهقيهم، وهاكم الدليل...
إنها شهادة شاهد من أهلها، فقد نشرت جريدة (هاآرتس) الصهيونية مجموعة من الدراسات حول عنصرية مناهج التعليم في إسرائيل، ومن ذلك ما ذكرته الباحثة الصهيونية: "نوريت ألحنان" في الجامعة العبرية حول بعض الكتب الدراسية في إسرائيل، ومنها كتاب: "بلاد البحر المتوسط" الذي جاء فيه "إن القدس هي إرث اليهود الخاص"؛ والكتاب المذكور مزود بخرائط خاصة بالمدينة المقدسة، حيث تختفي كلمة عرب، وكأنه ليس هناك سكان عرب ومسلمون، أو جامعات أو مستشفيات فلسطينية في المدينة المقدسة، وحتى مجلات الأطفال، فأنها تزخر بالقصص الداعية إلى تحقير العربي وقتله أينما وجد، لأنه إرهابي مخرب.
أرأيت- أخي القارئ الكريم- كيف يعملون، ونحن لاهون، وكيف يبنون، ونحن نائمون، وكيف يخاصمون، ونحن ومخدوعون، وكيف يتآمرون، ونحن مسالمون، وكيف يخططون، ونحن متخبطون!!
ترى: هل يفيق السكارى، وينتبه الغافلون؟!
اللهم: إن لم يكف الظالمون عن ظلمهم، ويرعو البغاة عن بغيهم، فخذهم يا ربنا أخذ عزيز مقتدر، وأرنا فيهم عجائب قدرته، فهم حجر العثرة في طريق الجهاد، واسترداد المقدسات. إنهم ساستنا، وولاة الأمر فينا، الذين يستأسدون على شعوبهم، ويجيدون ظلمهم وقهرهم، بينما يتقاعسون عن نصرة الدين، والذود عن المقدسات... إنهم هم الذين صدق فيهم قول الشاعر:
أسد علينا وفي الحروب نعامة ***** فتخاء تنفر من صفير الصافر
إلى الله المشتكى، وإليه سبحانه المرجع والمآل.
------------
* داعية وكاتب إسلامي.