ظلَّت مصر وعلى مدار قرون طويلة حصنًا منيعًا في وجه الغزاة المعتدين، لا على حدودها فقط، بل على دول الجوار وصخرةً صلبةً عملاقةً تتكسر على حوافها أطماعُ الطامعين، كما أن لمصر تاريخًا حافلاً يرفل بالخير المتأصل في نفوس أهلها والقيم والمبادئ الإنسانية والوطنية والإسلامية المتجذرة في وجدانهم، وحضارة عريقة قلما تجد لها نظيرًا في المنطقة.

 

إلا أن تحولاً دراميًّا طرأ على (أصحاب السلطة في مصر) حال دون أن تبقى "أم الدنيا"، كما كان نهجها الذي عُرفت به سابقًا، ووأدت الأم بناتها، وقزمت السياسة المصرية نفسها من مدافعةٍ ومنافحةٍ عن الدول العربية باعتبارها الشقيقة الكبرى، إلى مطاردة رجالاتها ووضعهم في السجون، ووصل الأمر إلى اعتبار الإسلاميين خطرًا على الأمن المصري!، وصولاً إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد "المذلة" مع العدو الصهيوني في 17 سبتمبر 1978م.

 

هل تتحمل الحكومة المصرية مسئولية حصار غزة؟ سؤال طُرح على موقع (الجزيرة نت) في الفترة من 11/8 إلى 14/8/2008م شارك في التصويت 24378 مصوتًا 90.01% قالوا نعم. 9.09% قالوا لا؛ بعيدًا عن نتيجة التصويت يسود الموقف الرسمي المصري حالة من الارتباك والتخبط والاهتزاز تجاه الملف الفلسطيني، وخاصةً ما يتعلق بفرض الحصار على قطاع غزة نتيجة الخضوع للضغوط الخارجية!.

 

ربما نتفهم فرض الاحتلال اليهودي حصاره على قطاع غزة، وهو الذي يقتل ويعتقل من الفلسطينيين العشرات صباح مساء، إذ لا يُسأل الكافر عن الصلاة، لكن الذي لا يُقبل ولا يُفهم مطلقًا الاستمرار "المخزي" للحصار المصري على معبر رفح، وكأنَّ في إدخال عدة أكياس من الحليب المجفف لأطفال غزة خطرًا على الأمن القومي المصري!، وبالتالي فالحصار على أشده ويجري كما رُتِّب له منذ 3 سنوات دون أي اختراقات!.

 

بقيت على معبر رفح البري بين غزة ومصر مدة ثلاثة أيام برفقة وفد هيئة علماء فلسطين بالخارج، والذي كان ينوي دخول غزة للوقوف مع أهلها في حصارهم، واكتشفنا بعد الأيام الثلاث أن دخولنا "أمريكا"- على سبيل المثال-، من مكاننا ربما يكون أقرب إلى التحقيق من دخولنا غزة، ونحن نبعد عنها أمتارًا قليلة!!.

 

بل ازدادت قناعتي هذه مع رؤيتي لرجلين "أيرلنديين" سافرا من بلديهما برًّا على دراجة هوائية مدة 45 يومًا، ليجدا المعبر مغلقًا ولم يُغفر لهما طول مسافة سفرهما عند المصريين ليعودا من حيث أتيا بعد أن بقيا معتصمين شهرين كاملين على بوابة المعبر.

 

لا حجةَ لمصر بعد الآن في أن تفرض حصارًا مشددًا على الفلسطينيين في غزة، خاصةً إذا ما عرفنا أن السلطات المصرية على معبر رفح تطلب من الغزاويين الخارجين والداخلين إلى غزة الوثيقة "الإسرائيلية" كشرطٍ للسفر!!، فيا أم الدنيا.. أليست غزة من الدنيا؟!، فقليلاً من الرحمة والرأفة أيها "العروبيون" على إخوانكم في الدين.. فشهر رمضان السيئات فيه مضاعفة كما الحسنات.