في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، تأسَّست لجنة زكاة نابلس، التي ضمَّت خيرة أبناء المدينة من مشايخ ورجال إصلاح وتجار، كان يجمعهم هدفٌ واحدٌ؛ هو خدمة هذه المدينة، ومدُّ يد العون لأبنائها، وإغاثة الملهوف والفقير وطالب العلم.
واستمر هذا الشكل التلاحمي والتكافلي بين ميسورِي المدينة وأغنيائها من جهة، وفقرائها ومعوَزِيها من جهة أخرى، عبر وسيط شهد الكل بنزاهته وبياض يده وعفَّة نفسه، استمر أكثر من أربعين عامًا، حقَّقت خلالها لجنة زكاة نابلس إنجازات ضخمة تعجز عنها وزارات بحالها.
فلقد شيَّدت لجنة زكاة نابلس العديد من المشاريع الإغاثية والطبية والتعليمية والمساجد والمصانع التي يذهب ريعها لصندوق اللجنة، كما كفلت الآلاف من الأيتام وطلبة العلم، وقدَّمت المساعدات العينية والأضاحي لآلاف الأسر الفقيرة، وغيرها الكثير الكثير من المشاريع والخدمات التي يصعب حصرها في هذا المقام.
تغيير الحال
ثم بعد ذلك وضمن مسلسل الانقلابات المتواصلة في الضفة الغربية ضد كلِّ ما هو شرعي وخيري؛ أبت أجهزة سلطة عباس وحركة فتح إلا أن تدسَّ أنفها وتبثَّ سمومها في جميع لجان الضفة ولجنة زكاة نابلس على وجه التحديد، فقامت- وعلى غرار العديد من الجمعيات الخيرية- بإقالة جميع أعضاء اللجنة القديمة والذين من ضمنهم د. عبد الرحيم الحنبلي والشيخ حامد البيتاوي، وقامت بتنصيب عدد آخر من أعضاء حركة فتح.
فمنذ اليوم الأول لتعيين هذه اللجنة غير الشرعية؛ فقد التجار وأهل الخير في مدينة نابلس ثقتهم بهذه اللجنة، وامتنعوا عن دفع الصدقات والتبرعات لهم، وأصرُّوا على دفعها لأعضاء اللجنة القديمة، أو القيام بنفسهم بتوزيع زكاة أموالهم.
الأرقام تتحدث
وحتى لا يقال إن هذا من باب التجني والمبالغة؛ نورد في هذا السياق مقارنةً بسيطةً بين حجم التبرعات التي كانت تُجمع في مساجد نابلس في عهد اللجنة القديمة واللجنة الجديدة، فمثلاً خلال الأسابيع الماضية تمَّ جمع مبلغ (300 شيكل) أي ما يعادل (90$) من مسجد عثمان بن عفان أحد المساجد الرئيسية في مدينة نابلس، أما مسجد الروضة أحد المساجد الكبيرة في المنطقة الغربية من نابلس فبلغ حجم التبرعات فيه (1600 شيكل)؛ أي ما يعادل (500$)، علمًا بأن التبرعات كانت تصل في السابق إلى أكثر من (3000$).
وفي مسجد الحاج نمر النابلسي أحد أكبر مساجد المدينة فبلغت التبرعات (2600 شيكل)؛ أي ما يعادل (740$) في حين كان يصل حجم التبرعات في السابق من هذا المسجد لوحده أكثر من (12 ألف شيكل)؛ أي ما يعادل (3500$) في الجمعة الواحدة من شهر رمضان، أما مسجد السلام فقد بلغت التبرعات فيه (800 شيكل)؛ أي ما يعادل (200 $) وهو مبلغ أقل بكثير من المبالغ التي كانت تجمع في السابق وتصل إلى ما يقارب (1000-1500 $).
ومن الجدير ذكره أن المساجد التي تمَّ ذكرها هي عيِّنة بسيطة من المساجد الكبرى والرئيسية في المدينة؛ حيث إن المجال لا يتسع هنا لذكر كل مسجد على حدته بسبب كثرتها، إلا أنه تكفي الإشارة إلى أن نسبة التراجع في حجم التبرعات قد قلت أكثر من 70% في غالبية المساجد.
وحتى تخرج لجنة الزكاة الجديدة من هذا الموقف المحرج؛ أوعزت إلى مديرية أوقاف نابلس بتعيين الدكتور "عبد الرحيم الحنبلي" أحد أعضاء اللجنة القديمة خطيبًا في مسجد النمر ليقوم بجمع التبرعات وليحثَّ المصلين على ذلك، مع العلم أن الدكتور الحنبلي كان ممنوعًا من الخطابة في مساجد نابلس بناءً على توصيات الأجهزة الأمنية.
ولم يتوقف الأمر عند التبرعات النقدية والمالية فقط، بل امتدَّ ليشمل التبرعات العينية والغذائية، وفي هذا السياق نورد هنا شهادةَ أحد المشرفين على مخازن لجنة زكاة نابلس، مشيرًا إلى أن مخازن اللجنة كانت في السابق لا تتسع للطرود الغذائية والملابس والحقائب المدرسة والقرطاسية التي يتم جمعها من قِبَل التجار والمحسنين، أما اليوم فتبدو المخازن خاويةً على عروشها.
ويضيف: كان شهر رمضان بالنسبة لنا من الأشهر المتعبة جدًّا، فقد كان عملنا يتواصل حتى ساعات ما بعد صلاة التراويح، وذلك من كثرة المتبرِّعين والمحسنين الذين يأتون ومعهم المواد الغذائية والعينية، أما اليوم فأصبحنا "نكش ذبان" وتقلصت ساعات العمل بسبب قلة المتبرعين.
فقدان الثقة
وفي الإطار ذاته يقول أحد النابلسيين المحسنين:" في السابق عندما كان أعضاء لجنة الزكاة القديمين يأتون إلى متجري خلال شهر رمضان لأخذ أموال الزكاة، وكنت أضع بين أيديهم مبالغ قد تصل في بعض الأحيان إلى 20,000 دينار أردني -ما يعادل (28.500 دولار)- دون أن آخذ منهم حتى أي وصْل يُثبت استلامهم للمبلغ المذكور، مشيرًا إلى الثقة العالية التي كان يتمتع بها أعضاء اللجنة بين المواطنين والتجار، وذلك على عكس ما هو حاصل اليوم.
نراكم في القهوة
والمضحك في الموضوع هو أن أعضاء اللجنة الجديدة معروفون بين أهالي نابلس بعدم التزامهم الديني وبتبرج زوجاتهم وبناتهم، هذا بالإضافة إلى وجودهم الدائم ولساعات طويلة على أحد مقاهي نابلس المعروفة، حتى إن أحد المواطنين قالها مازحا: إن أعضاء اللجنة يعقدون اجتماعاتهم الدورية في القهوة وسط نسمات الشيشة وقرقعة طاولة النرد وسحب الشدة وعلى غناء "أم كلثوم" و"فيروز".
ولم تفلح كل المناشدات والنداءات والحملات الإعلامية التي أطلقتها لجنة الزكاة الجديدة للمواطنين بضرورة التبرع؛ ليبقى في المحصلة الفقير وصاحب الحاجة هم أول وآخر المتضرِّرين من قرارات السلطة وحركة "فتح"، التي يبدو أنها لم تعُد تستوعب بعد أن فقد الناس الثقة بهم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفلح كل مساحيق التجميل لتزيين وجهها البشع.