![]() |
|
د. زكريا سليمان بيومي |
رغم أن المسافة بين المنشور الذي وزَّعه نابليون على شعب مصر، بعد احتلال جيشه للإسكندرية عام 1798م، وبين خطاب أوباما في جامعة القاهرة إلى المسلمين في 2009م؛ وجيش بلاده يحتل أجزاءً واسعةً من بلادهم في أفغانستان والعراق، ويبسط سطوته وسلطانه على أجزاء أوسع، رغم أن المسافة الزمنية تزيد على قرنين من الزمان، إلا أن أوجه التلاقي بين وسائل تحقيق الأطماع والهيمنة والقهر تكاد تكون واحدةً مع اختلاف أساليب التطور فقط.
فمنذ الأيام الأولى لنزول نابليون محتلاًّ أرض مصر بدءًا بالإسكندرية؛ لبس لباسًا أزهريًّا (عمامة وجبة وقفطان)، ووزَّع منشوره الأول على الناس، فاستهله بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، ليس له ولد ولا شريك له في ملكه)، وأوضح أن الناس جميعًا متساوون عند الله، وأن الذي يفرقهم هو العقل والفضائل، وأعلن أن ذلك ليس منافيًا لتعاليم المسيحية أو متناقضًا معها.
ولعل نابليون بذلك كان متوافقًا مع الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، متوافقًا مع المسلمين في البدء بالبسملة ونفي الولد والشريك، ومخالفًا لهم في عدم ذكر الشهادتين، والإقرار بصحة الرسالة، ومتوافقًا مع المسيحية في غالب أقوالهم وأعمالهم، ومخالفًا لهم في القول بالتثليث، ومتوافقًا مع اليهودية في التوحيد، ومخالفًا للذين أبحروا منهم صوب مناهج مختلفة يرونها في الدين.
كان نابليون في كل ذلك متأثرًا بانتمائه للحركة الماسونية التي لم تكن قد عُرفت بشكلٍ ذائعٍ في هذا الزمان، وكانت هذه هي البداية لتأسيس خليفه كليبر لأول محافلها في مصر سنة1800م، ثم ازدياد هذه المحافل في عصر محمد علي وبرعايته.
والذي يراجع خطاب أوباما إلى المسلمين في جامعة القاهرة، والذي جاء توقيته حول تاريخ ذكرى أليمة هي هزيمة يونيو 1967م، يجد أن الخطاب قد بدأ بالسلام؛ تحية المسلمين وبالبسملة، ثم إبداء احترامه للدين الإسلامي، وتبرئته من كونه دينًا يحضُّ على الإرهاب، ثم بحرصه على الاستشهاد بآيات القرآن الكريم لأربع مرات في الخطاب.
لكنه مع ذلك- وهذا أمر طبيعي- أبدى اعتزازه بمسيحيته، وفي نفس الوقت بحرصه على صلته بالكيان اليهودي سياسيًّا ودينيًّا، وبتأكيده حمايته له كأساسٍ لا يقبل التداول أو التشكيك.
وحار المسلمون في تحليل أبعاد خطاب أوباما، فالكثير ابتهج به لكونه جاء بعد قرابة عقدٍ من الزمان، أهانت فيه أمريكا العالم الإسلامي إهانةً لم تقتصر على احتلال أرجاء واسعة منه في أفغانستان والعراق، ثم تهديد البقية في سوريا وفلسطين وليبيا وإيران، وقتل الأبرياء من العالم الإسلامي؛ بحيث امتلأت أرجاؤه بالثكالى والأرامل واليتامى والمعوقين والمشوهين، بل وزاد على ذلك اتخاذ سياسة الضغط والقهر والتحقير والتضييق على كل ما هو مسلم، واعتبار الحرب مع المسلمين حربًا مقدسة والصدام بهم حتمية تاريخية.
وبرغم الظاهر الودي من الخطاب، ومحاولة أوباما تهدئة روع المسلمين، أو تطييب خاطرهم؛ إلا أن الكثير من المحللين رأوا فيه خطةً تكتيكيةً، وليست هدفًا رئيسيًّا لسياسته، فبعد أن منيت سياسة بلاده بالفشل في العراق وأفغانستان، وتطلب الأمر مخرجًا توافق عليه ساسة أمريكا لا يكون مهينًا لدولة عظمى، وبعد أن تسببت السياسة السابقة في أزمة اقتصادية طاحنة أصابت أمريكا والعالم أجمع، كان لا بد من سياسة أخرى تعيد لأمريكا دورها في تحقيق الهيمنة على العالم.
ولو أن سياسة التقارب والود والمصالحة بين أمريكا والعالم الإسلامي هدف رئيسي، كما فهم البعض من خطاب أوباما لأوقف أوباما طائراته من ضرب المسلمين الآمنين في شمال باكستان، وحرق المدنيين في قرى أفغانستان، ومحاصرة إيران لصالح الكيان الصهيوني، وتجديد الحصار الاقتصادي على سوريا، ومواصلة الضغط على حركات الجهاد الإسلامي في جنوب لبنان وفلسطين؛ المسألة إذًا هي تغيير تكتيكي لتحقيق نفس الأهداف الاستعمارية لأمريكا وللصهاينة مع تحييد مؤقت للعالم الإسلامي.
واتجه البعض الآخر إلى الاعتقاد بأن فريق المتشائمين يسعون لإفساد التوجه الإيجابي للزعيم الأمريكي الجديد، وأن دوام الإحساس بفكرة المؤامرة هي التي تدعو لهذا التشاؤم.
وهؤلاء الذين يرون في اختيار أوباما للقاهرة دعمًا لدور مصر الرائد في المنطقة بعد أن كان غائبًا، ودعمًا لما أطلق عليه دول الاعتدال التي تقترب من وجهة النظر الأمريكية، أو ربما يكون تأثرًا من أوباما بجذوره الإفريقية الإسلامية التي يصعب عليه في ظل التوازنات الراهنة الإفصاح عنها؛ مهما كانت ادعاءات الليبرالية، وأن على المسلمين الانتظار والتفاؤل بدور إيجابي تجاه القضية الفلسطينية، بعد أن أبرم الرجل اتفاقية جلاء قواته عن العراق، وأن أفغانستان قضية بعيدة عن اهتمامات العرب يتولاها أهلها.
لكن الفريق الأغلب يرى أن القضية هي قضية مصالح لا دخلَ فيها لدين أو عواطف إلا بقدر ما يكون منها مجرد وسائل لتحقيق هذه المصالح.
واليهود بوسائلهم المختلفة وجمعياتهم السرية والعلنية يجيدون لعبة المصالح، ولا عجب أن تجد مقطورة اليهود صغيرة الحجم تجر قطار أمريكا إلى حيث يريدون كما فعلوا مع نابليون.
فالذي دفع نابليون قبل أن تستقر حملته في مصر إلى الذهاب إلى عكا، ثم إلى القدس وذبح الآلف من أهل فلسطين؛ هم اليهود، وما عاد إلا أمام بسالة أهل فلسطين وعشقهم للجهاد، ونفس الأمر يحيط بأوباما فيدفعه إلى مواصلة حصار إيران وتهديدها؛ لأن امتلاكها لسلاح نووي لا يهدِّد أمريكا، بل يهدد الكيان الصهيوني، واندفاع أوباما إلى دفع العرب لتطبيع جزئي مع الصهاينة ليساعدهم على دعم ما يُسمى بالسلام؛ هو بفعل الضغط اليهودي، وتراجعه النسبي عن وقف الاستيطان هو لخشيته من اليهود على حياته وعلى مصالح ومستقبل حزبه السياسي.
كما أن الأمر لا يرجع إلى رأي أو تصور شخصي لأوباما، بل هي مصالح أمريكا التي تشكِّل الدافع الأكبر لأي رئيس مهما كان انتماؤه، فالمسألة مسألة مؤسسات توظف إدارتها لتحقيق هذه المصالح، فمسارعة أوباما لإرسال مندوب عنه إلى السودان؛ هو بغرض البحث عن أسلوب جديد للتفاهم مع حكومة السودان يصل بأمريكا إلى اليورانيوم في دارفور، وكذلك النفط الواعد بها، بعد أن تركت السياسة الغاشمة السابقة المجال لتوسع النفوذ الصيني، والحفاظ على حجم مبيعات الأسلحة للشركات الأمريكية؛ هو الدافع لمواصلة التدخل الأمريكي في أفغانستان والصومال وجورجيا، على الرغم من ملكية كثير من أتباع الحزب الجمهوري المعارض له لأغلب هذه الشركات.
السياسة التي تسعى لتحقيق المصالح وجهتها واحدة؛ مهما اختلفت الأساليب، ومهما كان انتماء الحاكم الفرنسي أو الأمريكي أو لونه؛ كلها أساليب واحدة- رغم مرور الزمن- تحاك ضد المسلمين، دون أن يفكروا في صنع قاطرة ولا قطار يحركهم من سكونهم، فيكونوا فاعلاً بدلاً من استمرارهم طوال هذا الزمن في موضع إعراب المفعول به، فهل سيفيقون؟
--------
* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة المنصورة
