لا شك أن كل مصري- يعرف لمصر قدرها بين الأمم- يغار عليها، ومستعد للتضحية من أجل عزتها وكرامتها.
ولأنني واحد من أبناء مصر الذين يجهرون بحبهم لها وغيرتهم عليها، أعلن أنني على استعداد للتضحية من أجلها، وفضح كل من يسيء إليها.
ولهذا فإنني في عجب من وضع غريب سيئ، وتصرفات شاذة بغيضة تحدث في مصر- بل في موقع خطير من مواقعها- ولا أجد أحدًا ممن بيدهم اتخاذ القرار قد تنبه إلى هذا الذي يجري، وسارع باتخاذ القرار المناسب لردع هؤلاء الذين يسيئون إلى مصر، ومن هنا فإنني أجد نفسي مدفوعًا بقوة لمخاطبة السيد رئيس الجمهورية، وكلي أمل أن سيادته سيتخذ القرار المناسب، ربما في الوقت المناسب، وعسى أن يكون قريبًا فقد طفح الكيل.
في مصر هيئة مهمة تسمى المجلس الأعلى للثقافة على رأسها الأستاذ فاروق حسني وزير الثقافة، وأمينها العام الدكتور جابر عصفور.
ويتكون هذا المجلس من ستين عضوًا نصفهم تقريبًا من ممثلي وزارات وهيئات حكومية يملك وزير الثقافة التأثير عليهم.
وعدد لا بأس به من أعضاء هذا المجلس من أصحاب الهوى الماركسي المعادي للإسلام يتسترون تحت ستار التنوير، وهم في الحقيقة من محترفي التزوير.
ومن عجب أن الماركسية قد ماتت في مهدها ودفنت غير مأسوف عليها، ولكن بعض هؤلاء القابعين في المجلس الأعلى للثقافة يحاولون إحياءها والترويج لها وتشجيع كل من ينتمي إليها.
ولقد كنا- في الماضي- نقول: إن هؤلاء وأمثالهم يأتيهم التمويل من الاتحاد السوفيتي البائد.
أما الآن فإن السؤال المطروح: ما الجهات التي تموِّل هؤلاء وقد أصبحوا أصحاب ثروات طائلة؟
معلوم أن هناك- دائمًا- مَنْ يدفع من أجل محاربة الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص. وهؤلاء يعرفون من أين تؤكل الكتف ولهذا أصبحت محاربة الإسلام تجارة رائجة في هذا الزمان.
وكل من يهاجم الإسلام أو يشوه صورته أو يفسره تفسيرًا ضالاًّ مضلاًّ يلقى الحماية والمساندة والدعم المادي والمعنوي من جهات لها مصلحة في ذلك.
ومنذ تولي فاروق حسنى وزارة الثقافة، وأعلن عن وجهته وأفكاره التي صارت معروفة للقاصي والداني، لم يكتف بالإعلان عما يؤمن به من فكر منحرف، وإنما راح يجمع من حوله كل مَنْ كان على شاكلته، ويضمهم إلى المجلس الأعلى للثقافة؛ حتى صار هؤلاء يتخذون من المجلس وكرًا للتآمر على سمعة مصر وكرامتها، وأكبر مثال على ذلك ما حدث هذا العام من منح جوائز الدولة التقديرية للمزورين والمحاسيب ممن يجيدون النفاق والملق أو من المجاهيل الذين لا وزن لهم، حتى فقدت الجائزة قيمتها.
فهذا رجل كل إنتاجه تهجم على الله عزَّ وجلَّ وتحقير لأنبيائه ورسله وتحريف للدين واستهزاء به وتشكيك فيه، ولهذا السبب يمنح الجائزة.
وتلك امرأة ليس لها إنتاج علمي سوى بعض الكتب الدراسية المقررة على الطلاب ولا جديد فيها، ولا تنطبق عليها الشروط الواردة في المادة الرابعة من القانون رقم 37 لسنة 1958م.
وكل ما يميز من نالت هذه الجائزة عن غيرها أنها وافقت على تعيين كريمة الدكتور جابر عصفور في قسم اللغة الإسبانية بكلية الآداب بجامعة حلوان، مع أنه ليس لهذا القسم وجود بهذه الجامعة؛ ولكن والدها هو الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، ويتمتع بصلاحيات واسعة.
"وبارك الله فيمن نفع واستنفع"..
وعلى هذا المنوال صارت جوائز الدولة التقديرية تمنح للمحاسيب وللسادة الوزراء ورؤساء الوزراء ورؤساء البرلمانات ورؤساء اللجان البرلمانية وقيادات الحزب الوطني.
ولو كانت هذه الجوائز تدفع من جيوب هؤلاء لقلنا إنهم كرام أو سفهاء، أما كونها من أموال الشعب البائس المطحون الذي يئن تحت وطأة الغلاء والوباء، ولا يجد ماءً يشربه سوى الماء الملوث؛ فإنه لا يمكن لأحد- يحب مصر- أن يسكت على هذا.
إن الرائحة الكريهة قد فاحت وأصبحت تزكم الأنوف، وإن السمعة السيئة قد شاعت وأصبحت على كل لسان، وتناولتها أقلام الكتاب، وجرت بها أنهار الصحف.
فهذا الإعلامي أحمد منصور يكتب عن هذا الفساد المستشري تحت عنوان "توبة فاروق حسني".
وهذا الكاتب والصحفي القدير أنيس منصور يقول: لكي تحصل على جائزة الدولة التقديرية يجب أن تكون مهياصًا هجاصًا صفيقًا رأسك أقرب إلى أي حذاء.
ويذكر بعض الحوارات التي دارت بينه وبين من لهم حق التصويت لمنح الجائزة، وتقرأ له من ذلك أمورًا مخزيةً.
لقد سأل أحد هؤلاء: هل ستصوت لصالح فلان النصاب ذي الألف وجه ومليون قبلة؟
فيرد: بأنه لا حيلة له بعد أن جاء إلى الست وباس القدم والحذاء الذي بجوار القدم وبكى.
وفي حوار له مع آخر قال عضو المجلس: إنه سيمنح صوته لصالح المرشح فلان؛ لأنه أنقذ ابنتي من تحت عجلات الأتوبيس، فقد كان الأتوبيس بجوار مبنى التليفزيون، وفجأة جرت ابنتي لتلحق بأمها بينما كان هو متجهًا إلى التليفزيون فأمسكها من يدها وحملها على صدره وقدم لها نفسه، وعرف من أنا وفي اليوم التالي اتصل بي ليطمئن على سلامة ابنتي، وظل ساكتًا عامًا كاملاً، ثم فاجأني بزيارته- أي بالثمن- قبل انعقاد المجلس الأعلى للثقافة.
ويسأل الأستاذ أنيس شخصًا آخر ممن يملكون حق التصويت: "لقد تراهنا على أنك لن تعطي صوتك لهذا الكذاب المهياص الهجاص، فأجاب: إنه جاري الذي لا يكل ولا يمل ولا يخجل".
ودلالة هذه الأمثلة في غاية الوضوح، إذ ليس من الضروري أن تكون صاحب موهبة, ولا أن تكون مبدعًا أو متفوقًا على أقرانك، أو أن تكون صاحب إنتاج علمي متميز، كل هذا لا يهم إنما المهم أن تحارب الدين وتحطم القيم والأخلاق، وأن تكون صفيقًا طويل اللسان قادرًا على تحقير كل من يوجه إليك نقدًا، وأن تكون لك علاقات وطيدة بمن لهم حق التصويت وبعض القابعين في الوكر الذي يقوده فاروق حسني.
بعد ذلك هناك أمر جد خطير ينبغي لفت الأنظار إليه، وهو أن هؤلاء الأفاقين يوهمون الناس أن النظام الحاكم يساندهم، ويؤيدهم، ويستعين بهم على وقف الزحف الإسلامي وهزيمة المتأسلمين الرجعيين المتخلفين- على حد تعبيرهم-.
وقيل: إن جهات أمنية تدعمهم.
وهم بذلك الادعاء يسيئون إلى النظام الحاكم، بالإضافة إلى إساءتهم إلى مصر وسمعتها، لأن الإيحاء بذلك إلى جماهير الشعب المؤمن المتدين يثير شبهة أن النظام الحاكم معادٍ للإسلام، وذلك من شأنه أن يثير الناس، وأن يحدث شرخًا بين الشعب وقيادته، ولا يستفيد من ذلك إلا الأعداء.
وهنا ينبغي أن يعلن النظام الحاكم براءته من هؤلاء، وذلك لا يكون إلا بإقصائهم من مواقع التأثير الثقافي والإعلامي التي دأبوا على إفسادها ونشر الفساد فيها واستغلالها للتخريب الديني والثقافي والأخلاقي.
كما ينبغي أن يدرس النظام الحاكم سجلاتهم، وأن يفحص أعمالهم وتاريخهم، وأن يتعرف على علاقاتهم لكشف حقيقتهم وما الجهات التي يعملون لصالحها؟!.
وتحت مسئوليتي شخصيًّا- واستنتاجًا من كل ما سبق- أقرر أنهم لا يعملون لصالح مصر، وأمنها واستقرارها.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
-----------------
* الأمين العام المساعد الأسبق لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف