من أعقد موضوعات العلاقات الدولية دراسة العلاقات بين الدول المتحاربة عقب سلسلةٍ من الحروب، أما في حالة الكيان الصهيوني فالأمر مختلفٌ تمامًا، فإذا كانت العلاقات الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية مع ألمانيا عقب هزيمة النازي في الحرب العالمية الثانية أمرًا معقدًا لاعتبارات نفسية لا تزال عائقةً في النفوس الشعبية ومخزونة في نفوس السياسيين، فإن تلك علاقات متغيرة بين دول قائمة.
ولكن الكيان الصهيوني رأس المشروع الاستعماري الاستيطاني دخل المنطقة بمؤامرةٍ مدعومًا من أركان النظام الدولي في كلِّ مرحلة، ثم هزم المنطقة العربية لأنه مشروع عسكري تخريبي في بيئةٍ اجتماعية مسالمة؛ ولذلك فإن سلامه وعلاقاته مع رأس المنطقة، وهي مصر هو قمة ما يتمناه لأن ذلك يعني بالنسبة له فتح الطريق إلى الجسد العربي وأوله الجسد المصري، ثم إن ذلك يعطيه رخصةً قانونيةً بالولوج إلى كل المواقع المصرية وإجراء عملية جراحية فيها حتى يضمن أنه لا علاقةَ بين الماضي والحاضر، وهذه من خصائص المشروع، أنه يستند إلى ماضٍ موهومٍ، ويقطع الصلة بين العرب وكل ماضٍ حقيقي لا وجودَ فيه لهذا المرض اللعين.
وقد اعتبر المشروع أن معاهدة السلام مع مصر هي فصلٌ للرأس عن الجسد، ثم راح المشروع يعبث بالرأس المقطوعة أملاً في تشويه العقل، وهو ما حذَّر منه في وقتٍ مبكرٍ عام 1981م أستاذنا المرحوم حامد ربيع عندما كتب ثماني حلقاتٍ في مجلة (الأهرام الاقتصادي) حول السيطرة على العقل المصري، وأظن أن المشروع تمكَّن من النيل من أطرافٍ من الجسد والعقل معًا داخل النخبة المستفيدة التي فارق الوطن قطاعاتٍ من جسدها لصالح المشروع.
والواقع أن ازدهار هذه العلاقات يعني مباشرةً ازدهار المشروع، وهو نقيض القاعدة العامة في العلاقات الدولية العادية، فهل تستطيع مصر احتواء المشروع سلمًا بعد أن عجزت عن احتوائه عسكريًّا؟ وهل تستطيع مصر أن توفق بين انتمائها العربي والتزاماتها للمشروع؟ وهل تضبط مصر الرسمية إيقاع الاندفاع الصهيوني نحو التطبيع في مرحلةٍ لاحقةٍ أم يغلب التطبيع في العالم العربي ويتسع الفتق على الراتق فتقود الدولة بنفسها هذا التطبيع؟
إن مأساة العلاقات مع الكيان ترجع إلى الكيان نفسه، فلو كان دولة عادية لما كان في الأمر مشكلة، فإما أن يتخلى الكيان عن المشروع الصهيوني، وهو قمته وصنيعه، وهذا مستحيل أو تظل جسدًا غريبًا يسعى إلى هزيمة الجسد العربي، والجسد العربي لا يملك إلا تجديد طاقة المقاومة والمواجهة حتى يقضي على هذا السرطان.
ولذلك لا بد من دراسةٍ شاملةٍ ومعمقة تتولى ببيان الطبيعة الفريدة للعلاقات بين مصر والكيان وتطورها، وتباين الرؤية المتبادلة في الجانبين لهذه العلاقات وأسبابها، ثم حجم العلاقات من الناحية الكمية، وأخيرًا ظاهرة انكسار مصر النفسي والسياسي أمام الكيان في السنوات الأخيرة وأسبابها.
ولا شك أن واشنطن هي الخلفية الدائمة لهذه العلاقات، ولكن الأخطر هو فقدان مصر لتوازنها الإقليمي بسبب الضغوط الأمريكية والصهيونية وتدهور أداء النظام في الداخل وفقدانه لاتجاه البوصلة واتجاه مصر إلى العمل وفق البوصلة الأمريكية الصهيونية في بعض الأحيان.
كما أن هذا المناخ دفع مصر إلى معادلةٍ معقدةٍ أصبحت فيها علاقاتها مع الكيان هي أساس علاقاتها مع الولايات المتحدة، وهذا أكبر خسائر مصر الدبلوماسية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
ويجب أن تهتم الدراسة بعلاقة معاهدة السلام بكل ما أصاب مصر في الداخل والخارج، وإلى أي مدى أسهمت علاقاتها الصهيونية في هذه الأزمة، خاصةً أن الجانب الصهيوني يتصور أن مصر تشعر بالتميز على غيرها من الدول العربية بسبب قربها من الكيان الصهيوني، وأن مصر لذلك لا تريد أن يتمتع غيرها بهذه الميزة، وهذا هو السبب المزعوم لانتقاد مصر لما أسمته ذات يوم بالهرولة إلى التطبيع.
ونحن نعتقد أنه وإن كانت معاهدة السلام بين مصر والكيان هي التي بُنيت عليها العلاقات بين البلدين، فإن المعاهدة نفسها ليست المسئولة عن كل مشاكل مصر وإنما المسئول هو تآكل إرادة مصر السياسية مما دفعها إلى تفسير المعاهدة لصالح الكيان.
نحن نعتقد أيضًا أن دراسة العلاقات المصرية الصهيونية بطريقةٍ موضوعيةٍ سوف تفتح الباب إلى تبصير الجميع بما يلابس هذه العلاقات، كما أن هذه الدراسة ربما تجيب على سؤالٍ طرحناه عدة مرات بإلحاح حول غموض بعض المعاملات بين مصر والكيان، وإصرار البعض على عدم إيضاح هذا الغموض، خاصةً أن هناك التباسًا بين مصالح البعض في الداخل ومصالحه من هذه العلاقات، وربما كانت قضية سياج الشهيرة تلخيصًا لخطوط هذا الالتباس.
وأخيرًا.. فلعله من الواضح أن توقيع مصر لمعاهدة السلام مع الكيان وإن اكتنفه حسن النية وساوره الأمل في سلامٍ شامل، إلا أن هذه المعاهدة هي التي فتحت الطريق إلى أوسلو ووادي عربة والانفلات الدبلوماسي العربي أمام الكيان؛ حيث دافع المرحوم ياسر عرفات عن أوسلو بسابقة مصر مع الكيان التي ظل ينتقدها إلى أن ناضل للتعلق بقطارها وكأنه يقول مع شاعرنا القديم
وما أنا إلا من غزية أن غوت غويتُ، وأن ترشد غزية أرشدِ