البقاء لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.. لقد غادر دار الفناء إلى دار النعيم والبقاء ابن المطرية، بل ابن الإسلام الشيخ عبده هتيمي العالم الفقيه، الذي وقف حياته للدعوة إلى الله، وتوجيه الناس إلى الحق، وقيم الدين الخاتم من حب وإخاء، وتعمير القلوب بحلاوة الإيمان، انطلاقًا من المنابع الصافية: كتاب الله وسنة رسوله، وعمل السلف الصالح، قاصدًا بكل أولئك وجه الله؛ استجابةً لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِيْ وَنُسُكِيْ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِيْ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ﴾ (الأنعام: 162)، ومن وهبه الله مثل هذه الطاقة الإيمانية الهائلة عقيدةً وسلوكًا لا يرهب الموت، وكأني به يقول بلسان الحال:

أيَّ يوميَّ من الموت أفر          يوم لا يُقدر أو يوم قدِرْ؟!

يوم لا يقدر لا أرهبُه            ومن المقدور لا ينجي الحذر

 

وعاش الرجل داعيًا قديرًا، يملك ما أسميه "البلاغة الإيمانية"، وهي القدرة التلقائية على الانتشار الفوري في قلوب الناس ومشاعرهم، استجابةً وحبًّا، وهي غير البلاغة البيانية من تشبيهات واستعارات وكنايات وغيرها.

 

والفرق بين البلاغتين كالفرق بين الروح العفوية الدفاقة والصنعة الجمالية المقصودة، والبلاغة الإيمانية تتحقق للداعية الرباني من أمثال عبده هتيمي بحب الله له، وهو يفضي إلى قبول الناس للداعية، وإقبالهم عليه.. عن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال فيحبه جبريل, ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل عليه السلام, فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل, ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانًَا فأبغضوه, ثم يوضع له البغضاء في الأرض" (رواه البخاري ومسلم).

**********

وعنه كتب أحد مريديه بعد أن فارق المطرية إلى قطر:

"... والذي أعلمه عن الشيخ عبده هتيمي بعد سفري ليس بكثير، ولكني كنت أراه وألقاه في إجازتي السنوية، كنت أشعر بكل شيء حولي يتغير، ومعالم البلد ووجوه الناس تكبُر، لكني كنت أراه دائمًا شابًّا يافعًا في ازدياد، يصدح بصوته واعظًا ومرشدًا وداعيًا، ويسعى بين المتخاصمين قاضيًا ومصلحًا، وللمحتاجين والمعوزين شفيعًا، وللضعفاء والمظلومين نصيرًا، وتراه في مناسبات الناس، أفراحًا كان مهنئًا، وأتراحًا كان مشاركًا ومخفِّفًا، وفي حوائج الناس تراه ساعيًا بكل جد وجهد، لا يبتغي الا وجه الله، ولا يخاف في الله لومة لائم.. نعم، هكذا كان الشيخ، فلم يكن إمامًا للناس في الصلاة وحسب، بل كان إمامًا في كل شيء، وكان يقصده القاصي والداني، وما حسبته إلا مخلصًا، ولا أزكيه على الله وهو حسيبه".

 

لقد استُشهد من أيام فجأةً بعد صلاة الفجر بسيارة مجنونة، داهمته وآخرين معه.

 

ومن حديث وجَّهه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي، إن موت الفجاءة راحة للؤمن، حسرة للكافر"، هذا وقد ظهرت أمارات الحزن الشديد على وجوه أهل المطرية، وخصوصًا بعد دفن عالمهم الجليل، وكأنه المقصود بقول أبي تمام:

عادت وفود الناس من قبره         فارغة الأيدي ملأى القلوبْ

قد راعها ما رُزئت، إنما          يُعرف فقد الشمس عند المغيبْ

**********

والواقع المرُّ في بلدنا مصر؛ يؤكد أننا في هذا العهد المنكود نعيش عصر "الراسخين في الجهل".. الجهل بمفهومه الشامل في شتَّى المجالات، وأصبح العالم الضليع الشامخ معزولاً عن الأضواء، يشعر بالغربة في وطنه، في مواجهة قوانين ظالمة، ومعايير مختلة، وما أفدح خسارة الأمة والعلم، إذا قُبِضَ عالم من هؤلاء.

 

لقد صدق علي بن عبد العزيز الباقلاني؛ إذ قال:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم          ولو عظَّموه في النفوس تعظَّما

ولكن أذلوه جهارًا، ودنسوا              مُحيَّاه  بالأطماع حتى تجهَّما

 

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".

 

كما أخرج الطبراني وغيره بإسناد فيه نظر من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لكل شيء إقبالاً وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من العمى والجهالة وما بعثني الله به، وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان، فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قُمِعَا وقُهِرَا واضطُهدا، وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها حتى لا يُرى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما فأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر قُمعا واضطُهدا، فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانًا ولا أنصارًا".

*********

وقفة مع الجنائز

إن جنازة الصحابي الجليل سعد بن معاذ سيد الأوس هي أعجب الجنائز وأشهرها في التاريخ الإسلامي كله، ويكفي أن نشير إلى بعض ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في جنازته:

- مات سعد فاهتزَّ لموته عرش الرحمن.

- جنازة سعد بن معاذ شيعها سبعون ألف ملك.

- للقبر ضمَّة لو نجا منها أحد لكان سعد بن معاذ.

- وكان سعد ضخمًا طويلاً شحيمًا، فاستغرب الصحابة وهم يحملون جثمانه من خفَّة وزنه، فقالوا نجدهُ أخفَّ مما عهدناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأنكم لم تحملوه وحدكم, حملَته معكم الملائكة.

*********

ولنطوِ صفحات التاريخ لنلقي نظرة على جنازة حضرتُها:

فقد توفي المرشد العام الخامس الأستاذ مصطفى مشهور يوم الجمعة 12 من رمضان 1423هـ (17/11/2002م)، وكنت واحدًا ممن صلوا عليه، وحضر جنازته قرابة مليون، أغلبهم من الشباب، ونظمت في حينها قصيدة بعنوان "الشهيد على فراشه.. مصطفى مشهور"، منها الأبيات الآتية في الحديث عن الجنازة:

في جمعة الأحزان ماذا؟ ما أرى؟           سيلاً من البشر الطهور يمور

عجبًا!! ولكن كيف كيف تجمعوا؟            عجبًا!! وإن نشاطهم محظور؟

لا تعجبوا ؛ فالله جمَّع جنده                 والحظر محظور هنا مقهور

والظالم الباغي ضلال سعيه               وعليه دائرة البوار تدور

هذي الجحافل في الظلام منارة         عجبًا أيحظر في الظلام النور؟!

**********

وأجدني مشدودًا لشخصية الإمام أحمد بن حنبل في أيامه الأخيرة، بعدما تزوَّدت بأقباس من ملامح الداعية الرباني عبده هتيمي:

مرض أحمد بن حنبل في بيته ببغداد, وسمع الناس بمرضه فأتوا من كل صوب وحدب يعودونه, وتزاحموا, ولزموا بابه، يبيتون في الشوارع حتى تعطلت الأسواق, وعجز الناس عن البيع والشراء, وكانوا يدخلون عليه أفواجًا يسلمون عليه ويخرجون, ونُقلت الأخبار للخليفة المتوكل, فأرسل قوات فسدَّت الطرقات, و"حظرت" الدخول إلى الزقاق؛ حيث يقع بيت الإمام أحمد.

 

وفاضت روحه إلى خالقها, وحضر غسله مائة من بني هاشم, وخرج بنعشه ثمانمائة ألفًا من الرجال, وستون ألفًا من النساء؛ أي قرابة مليون مسلم ومسلمة يشيِّعونه إلى مثواه الأخير، بعد أن صلوا عليه, قال عبد الوهاب الوراق: "ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية ولا في الإسلام اجتمعوا في جنازة أكثر من الجمع الذي اجتمع على جنازة أحمد بن حنبل".

 

وبعد وفاته تحقَّقت له كرامتان: الكرامة الأولى: أنه أسلم أعداد لا تُحصى من غير المسلمين لما رأوا مشهد جنازته, ولم يروا ما يشبه هذا من قبل.

 

أما الكرامة الثانية: فإنه في حياته كان يجابه رجال السلطة, والمعارضين الحاقدين عليه بقوله: "موعدنا معكم الجنائز"؛ أي سيدركنا الموت, وسترون أيّنا صاحب المكان الأثير في قلوب الناس، وشهدت بغداد "جنازته المليونية", أما جنازات أعدائه فلم تكن إلا "عشرية" أو "مئوية" على أكثر تقدير.

 

إنه الحب والتقدير والوفاء.

حضور الجنازات- صلاةً وتشييعًا- هو الدليل الأصدق على نبل عواطف الحاضرين، وصدق بواعثهم؛ إذ لا يرجو الحاضر بحضوره مصلحةً أو نفعًا أو مطلبًا دنيويًّا، فالباعث هو الحب النقي من كل شائبة، والحب عاطفة تسكن قلب المحب بتوفيقٍ وهديٍ من الله, وقد لا تحتاج إلى تعليل أو تبرير عند المحب, فالله هو مقلب القلوب, والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن.

 

وهذا الحب الذي ليس وراءه شهوة دنيوية دليل على حب الله لمن يحبه الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله عبدًا حبَّبه".

 

وقد جذَّر هذا الحب وقوَّاه الاقتناع بشخصية المحبوب وعظمته، وما يظهر منه من أعمال عظيمة, وحرص على الحق والخير والإحسان إلى الناس، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر, وإيثار الأمة على نفسه، وكل هذه الملامح تبريرات وعوامل موضوعية للاقتناع بالشخصية, والالتفاف حولها, والاقتداء بها في السراء والضراء, والمنشط والمكره، فالحب في المنظور الإسلامي لم يكن عاطفةً منفوشة سطحيةً مشتطةً, ولكنه كان شعورًا متجذِّرًا عميقًا صادقًا مدعمًا بإيمان صادق، ويقين حقيقي، واقتناع سويٍّ منزَّهٍ عن الشهوات والدنايا.

 

وما زال يرنُّ في أذني, ويضيء حناياي كلمة أحمد بن حنبل رحمه الله للسلطان والمتسلطنين: "موعدنا معكم الجنائز"، قالها بالأمس البعيد, وقلناها بالأمس القريب، ونقولها اليوم ونقولها كل يوم, فما أشبه الليلة بالبارحة!.

 

وأقول إن من مظاهرالشبه والالتقاء بين الشخصيتين: ابن حنبل وعبده هتيمي ما يأتي:

1- كلاهما كان داعيةً ربانيًّا، جريئًا صريحًا في الحق.

2- كلاهما أحبه الناس، وكتب الله له القبول بل الحلول في قلوبهم ومشاعرهم.

3- كلاهما شيِّع في جنازة لم يشهد مثلها عصره (فالذين شيعوا ابن حنبل كانوا مليونًا من البشر، وشيع الفقيه عبده هتيمي ربع مليون، وهو أكبر عدد تشهده من قبل مدينة المطرية مسقط رأسه.

4- كلاهما غسله رجال مشهود لهم بالنقاء والتقوى.

 

وأخيرًا.. أعزِّي مِن قلبي إخوان المطرية وأهلها، بل كل مصري وكل مسلم؛ في وفاة العالم الفقيه الجليل عبده هتيمي، تغمَّده الله برحمته، وأسكنه فسيح جناته، وأنزله مع النبيين والصدِّيقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

----------

* gkomeha@gmail.com