د. حلمي محمد القاعود

يبدو أننا في حالة تزوير عامة وتخليط كبير يشيعهما مثقفو الحظيرة خدمة للدولة البوليسية الفاشية، وهذه الحالة تبدأ بترويج مقولات غير صحيحة تتحدث عن الحضارة الإسلامية حديثًا ملتويًا، بحجة البحث عن المستقبل، وإيهام الناس أن الفكر الإسلامي الصحيح الذي يعتمد على الثوابت يقف حجر عثرة في سبيل تقدم البلاد والعباد، من ذلك مقولة إن الإجماع هو سبب بلاء هذه الأمة، وأن حضارتنا الإسلامية ترفض الخروج على الإجماع، وهذا سبب تخلفها وسر عثرتها التاريخية على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان!
قال المزور سيد القمني في مقدمة كتابه (الحزب الهاشمي): "إن الأمة ظلت أربعة عشر قرنًا من الزمان تتثاءب، وهي محلك سر! أي إنها لم تتحرك ولم تعمل ولم تنتج ولم تبدع، وطبعًا كل ذلك بسبب تمسكها بالإسلام، فتخلفت وتراجعت وصارت قصعة الأمم"، ولا يعلم المزور الذي كرمته السلطة البوليسية بأرفع جوائزها؛ أن الأمة الإسلامية، استطاعت بالإسلام، أن تكون الدولة الأولى في العالم بعد أن حطمت وحشية الإمبراطوريتين: الفارسية والرومانية، وكان خليفة المسلمين يعلم الهمج الهامج من الوفود الأوروبية القادمة إلى بغداد كيف يتعلمون الاستحمام، ولكن ماذا نقول في رغبة المزورين الشاذة في طمس التاريخ الإسلامي والتقاط نفاياته وحدها؟
مشكلة هذا الفهم القاصر تكمن في عدم قراءة الفكر الإسلامي في مجموعه الأعم قراءة علمية سليمة، وقياسه على النظريات الوضعية التي وضعها البشر من الفلاسفة والمفكرين، فلا يمكن أن يكون الإسلام موضع مقارنة مع الماركسية أو الوجودية أو الديكارتية أو الحداثة، أو ما بعد الحداثة أو غيرها من نظريات ومناهج، أنتجها الغرب ليعالج بها قصورًا في حياته الروحية والحضارية، ذلك أن الإسلام وحي من عند الله جاء بأوامر قاطعة ونواة ملزمة، فعندما يقرر الوحي وجوب الصلاة على المسلمين البالغين رجالاً ونساءً مثلاً، فلا يجوز الخروج على هذا الأمر الإلهي، الذي قبلته الأمة وأجمعت على وجوبه، لأنه صار ثابتًا ومعلومًا من الدين بالضرورة، والخروج هنا أو رفض الصلاة يعني هدم ركن من أركان الدين لا يمكن الترحيب به أو الموافقة عليه لأنه لن يجلب تقدمًا، ولا يصنع مستقبلاً طيبًا للأمة، وهذا الإجماع الذي اتفقت عليه الأمة لا ينفي أن هناك العشرات من المذاهب الإسلامية اتفقت واختلفت حول طبيعة أركان الصلاة وسننها ومستحباتها ومبطلاتها، ولدى الأمة تراث ضخم في دائرة الاختلاف الذي تفاوت هدفه بين الرغبة في الورع، والحرص على التيسير على الناس، بل إن بعض المذاهب لم تستنكف أن تغير آراءها بتغير المكان والزمان كما نجد لدى الإمام الشافعي رضي الله عنه.
ثم إن الخروج عن الإجماع بمعنى وحدة المسلمين هو الذي حذر منه القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، والإجماع هو ما يسميه الناس الآن بالوحدة الوطنية أو وحدة البلاد، وبالطبع فإن الخروج على هذه الوحدة يستوجب التصدي له، ومقاومة الخارجين إلى حد شن القتال والحرب حرصًا على الوحدة والسلامة الوطنية، ومن هنا كان القرآن الكريم حريصًا على توجيه الأمة إلى الوحدة وعدم الفرقة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103)، وفي الحديث الشريف: "يد الله مع الجماعة"، هذا هو الإجماع الذي حرصت عليه الأمة، ونادت به، بل حرص عليه غير المسلمين من الأمم الأخرى، وفي أوروبا الآن خير مثال على ذلك، حيث يسعى الأوروبيون إلى توحيد القارة بأسرها على اختلاف أديانها ومذاهبها وعناصرها سعيًا لخلافة أوروبية شاملة!
إن حرص كتاب السلطة البوليسية الفاشية على هدم الثوابت، ونفي ما هو معلوم من الدين بالضرورة يعني أنهم يريدون استئصال الإسلام لحساب جهات شيطانية لا تعرف حق الاختلاف، ولا حرية الفكر، وحق التعبير الحر، والخروج على الإجماع خروج على الثوابت بلا جدال، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة كما علمنا البشير النذير- صلى الله عليه وسلم- ولا أدري كيف يكون الخروج على الثوابت من خلال التزوير والتلفيق اجتهادًا كما يزعم كتاب الدولة البوليسية الفاشية؟
إن المزورين لهم مكان واحد يعرفه كتاب الدولة البوليسية، وهو بالتأكيد ليس في المجلس الأعلى للثقافة وجوائزه الرفيعة، وقد أنبأنا بعض كتاب السلطة البوليسية الفاشية أن التزوير لدى القمني وصل إلى حد التناقض في حديث المزور نفسه، فمرة يقول إنه حصل على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا الجنوبية، وأخرى يقول إنه حصل عليها من جامعة الكويت، ثم كانت الفضيحة الأعظم حين أنكر فؤاد زكريا مؤسس الليبرالية كما يزعم المزور، أنه أشرف على رسالته المزعومة، وهذا نص ما قاله كاتب السلطة البوليسية الفاشية في الأهرام 17- 8- 2009م حول تبرؤ الرجل من الإشراف على مثل هذه الرسالة:
(أخطر ما في القضية أنني كنت في زيارة للدكتور فؤاد زكريا وجر الكلام بعضه وسألته عن إشرافه على دكتوراه سيد القمني فقال لي الرجل بدقته المعهودة إنه كان أستاذًا لسيد القمني في جامعة الكويت وإنه كان يشجعه على البحث وطرح الأسئلة بجرأة ولكن بخصوص الدكتوراه سألت الدكتور فؤاد زكريا, هل هناك دكتوراه بالمراسلة؟ قال لي: هناك فعلاً دكتوراه بالمراسلة وإن كان لم يتول الإشراف على أي دكتوراه بالمراسلة من قبل ولا علاقة له بالجهات التي تشرف عليها لأنه يرى في هذه العملية ما يمكن أن يسمى عمليات النصب التي تمارس ضد أبناء العالم الثالث, ثالثًا: أنه لم يشرف على أي دكتوراه للقمني لا في جامعة الكويت ولا دكتوراه المراسلة في جامعة كاليفورنيا الجنوبية وهو متأكد من هذا الكلام)، أ.هـ.
بالطبع لا يمكن اتهام كاتب النظام بأنه أصولي متطرف، ولا من مشعلي الحرائق كما يتهمنا كتبة النظام، ولهذا فإن شهادته تصب في خانة أن المزور الذي زور شهادته وزور كتاباته ليصل إلى أن الإسلام دين وضعي صنعه عبد المطلب وهيأ له دولته، لا يجوز أن يكافأ من السلطة بأرفع جوائز الدولة، والنظام الذي يقوم أمنيًّا بتصفية المتقدمين للجوائز قبل عرضها على التصويت، كان ينبغي ألا يقدم على هذه الخطوة الصادمة لضمير الأمة، وإلا كان هو الآخر ممن يؤمنون بأن الإسلام دين مزور؟
لسنا من مشعلي الحرائق، ولكننا نربأ أن يكون المزور مجتهدًا له ثواب المجتهد المخطئ، فالمزور، يؤمن أن عبد المطلب هو صانع الدين الذي يمنح المجتهد المصيب أجرين، والمجتهد المخطئ أجرًا واحدًا.
إن الإسلام لا يرغم أحدًا على الإيمان به ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية 29)، وفي الوقت نفسه يجب على من يكفر به أن يتجنب جرح مشاعر الناس، وألا يرغمهم على الخروج منه، ويجب على السلطة التي يفترض أنها تحكم باسم الأغلبية المؤمنة بالإسلام ألا تمنح جوائزها لمن يطعنون في هذا الدين ويؤكدون على بطلانه!
بعض الناس ينصحنا بأننا لو درسنا كتب سيد القمني كلها, وأبنّا ما بها من عوار, لكان الأمر عقلانيًّا، ويتجاهل هؤلاء ما كتبه عقلاء يملكون الصبر الجميل والنفس الطويل في الرد على القمني جملة جملة وعبارة عبارة، وفكرة فكرة وهم كثيرون ذكر القمني بعضهم في مقدمة كتابه (الحزب الهاشمي)، وهناك آخرون خصصوا أبحاثًا طويلةً لمناقشته بالهدوء والعقلانية ودحضوا بالعلم والدليل والبرهان مزاعمه، فماذا كانت النتيجة؟ تحدى كتبة النظام البوليسي الفاشي مشاعر المسلمين ومنحوه الجائزة مكايدة لهم! لقد رد العقلاء مثلما رد جمال الأفغاني علي شبلي شميل فيما كتبه في الرد على الدهريين, أو ما كتبه الشيخ الجليل محمد فريد وجدي ردًّا على ما ذهب إليه إسماعيل مظهر في مقال "لماذا أنا ملحد"، وكان محمد فريد وجدي رئيس تحرير مجلة (الأزهر) في ذلك الوقت سنة 1936 وكان ردهم على التزوير بالعلم والمنطق، ولكنهم لم يعلموا أن المكايدة والمغايظة والاستفزاز منهج السادة اليساريين في الوزارة الفاسدة، أعني وزارة الثقافة ومثقفيها الحظائريين وكتاب الدولة البوليسية!
ترى هل يكون الخروج على الإجماع إرهاصًا بمستقبل أفضل؟ أم إن حرمان الشعوب المسلمة من حريتها هو الفساد الأعظم والتخلف الأكبر؟ إن مثقفي الحظيرة يزورون قضايانا!
-----------