د. حسن الحيوان

امتهان كرامة المواطن المصري داخليًّا أصبحت عادةً وكأنها عبادة، فالجرائم المتكررة داخل أقسام الشرطة خصوصًا في الفترة الأخيرة وصولاً للقتل دون أن تتخذ الدولة الموقف اللازم ضد مرتكبي هذه الجرائم؛ الأمر الذي أدَّى إلى زيادة تفشي هذه الظاهرة في مصر, الله سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: من الآية 70)، فهل أصبح المصري في نظر المسئولين من غير بني آدم؟ وما نتيجة استمرار هذا العنف من الدولة تجاه المواطنين داخل مصر؟ وماذا عن كرامة المصري في الخارج؟ التدهور متزايد بشكلٍ مستمر, لا بد من رصد بعض الحالات المتكررة، بدايةً من الاعتداء على وزير الخارجية أحمد ماهر في فلسطين ثم تعرُّض أبناء الجالية المصرية للضرب بالأحذية والخراطيم من جانب الشرطة السودانية ثم فريق المنتخب المصري للكرة الخماسية الذي تعرَّض للضرب في ليبيا، ثم اعتداء جندي كويتي بالضرب على المفوض التجاري المصري مع علمه بصفته الرسمية وكذلك الاعتداء على القنصل المصري في أوكرانيا، بالإضافةِ إلى قتل جنود مصريين على الحدود مع الكيان دون أدنى سبب وتعذيب مواطن مصري في الكويت كل ذلك دون أدنى تحرك من حزب الحكومه ولا حكومة الحزب لاسترداد الكرامة وضمان عدم التكرار أو على الأقل تسجيل موقف لحفظ ماء الوجه.
أي أن المواطن المصري أصبح بلا كرامة داخل وطنه؛ مما أدَّى إلى امتهان كرامته وكرامة حكومته خارج مصر من العدو والحبيب، بدون كرامة يستحيل تحقيق الانتماء؛ ولذلك لا بد أن أسترجع مشهد فوز الفريق المصري ببطولة الأمم الإفريقية لكرة القدم، لقد شاهدنا حماسًا غير مسبوق للأجيال المعاصرة، شاهدنا خروجًا كثيفًا للجماهير من كافة الأعمار والثقافات والفئات الاجتماعية رجالاً ونساءً، استخدمت وسائل الإعلام والجميع كلمة "انتصار" بدلاً من كلمة "الفوز" المستخدمة في مثل هذه المباريات، حدث تلاحم بين اللاعبين والجماهير والشرطة فهل يمكن أن يحدث الآن تلاحم بين السياسيين والجماهير والشرطة في أي مجالٍ من مجالات العمل العام؟.
للأسف ينقصنا تحقيق الانتصار في أي مجالٍ من المجالات، وينقصنا المشروع القومي الذي يلتف حوله الجميع في تلاحمٍ يُعطي الأولوية للمصلحة العامة قبل الشخصية، أضف إلى ذلك فقدان الكرامة والكبت التام للحريات العامة والخاصة وانسداد شتى قنوات التعبير نتيجة السيطرة الفجَّة والمهينة لأجهزة الأمن على المواطنين مع الزيادة غير المسبوقة في معدلات الفقر والمرض في أسوأ مناخ ثقافي وحضاري تعرفه مصر في العصر الحديث، والنتيجة البديهية هي انعدام الانتماء الوطني، فهل يمكن تحقيق أدنى مستوى من الأمن القومي في مثل هذا المناخ؟ لقد أصبحت مصر أم الدنيا مجرد بيئة ضعيفة قابلة لتجنيد الجواسيس بسبب انتشار الفساد والظلم الذي تجاوز الاحتمال؛ مما أدَّى إلى حالات متكررة من شريف الفيلالي إلى محمد العطار وصولاً إلى المهندس سيد صابر الذي كان يعمل في هيئة الطاقة الذرية، وهناك عناصر أخرى بالطبع لم تُكتشف وعناصر أخرى بالتأكيد سيتم تجنيدها.
والتجسس حينما يتم بعناصر أجنبية لا يمثل ظاهرةً لأنه أمر طبيعي يحدث بين معظم الدول لكن المفزع هو ازدياد معدل تجنيد المصريين للتجسس لصالح الكيان الصهيوني العدو الإستراتيجي للشعب المصري، ولكل الشعوب الإسلامية، بل إن الأمر وصل إلى لجوء المصريين للكيان ليس فقط طلبًا للعون ولقمة العيش والزواج بل أيضًا طلبًا للتجسس, كارثة نادرة الحدوث على مستوى العالم, فماذا نحن فاعلون؟ الحزب الحاكم وكذلك الحكومة التي عزلت نفسها عن الشعب بدعوى أن الشعب هو السبب في معظم الكوارث (كارثة الدويقة الأخيرة) قد تبدو أنها المسئول الأول والوحيد عن هذه الكارثة القومية (التجسس), لكنها مسئولية الدولة والمجتمع وإن كنا لا نعوّل على الدولة فلا بد أن نعي أنها مسئولية المجتمع والجميع مؤسسات وأفراد في سبيل الكفاح السلمي المتواصل طلبًا للحريات العامة التي تمثل الأمل الأكيد والطريق الوحيد تجاه التغيير (حيث انتهى الأمل في الإصلاح) الذي ينشده الجميع في شتى المجالات والقضايا العامة المتدهورة والمتراكمة بكم وكيف غير مسبوق إلى درجة تهديد حياة المصريين كافةً.
----------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار