ماذا ينتظر العالم العربي، وهو يدرك جيدًا استحالة التوافق بين فتح وحماس بسبب واضح، وهو أن حماس تريد المقاومة وتقرأ الصورة من هذا المنظور، وأن القراءة الموضوعية لموقف إسرائيل لا تترك بصيصًا من أي أملٍ يغير المقاومة بكل ما تحتاجه من إمكانيات وتبعات وتحالفات وما تواجه من مخاطر وتحديات.

 

أما فتح فقد أعلن بيان مؤتمرها السادس أنها تبقى على خيار المقاومة، وهو ما أغضب الكيان الذي ندم على أنه سمح بانعقاد المؤتمر وقدَّم له التسهيلات في ظلِّ الاحتلال رغم أن الكيان الصهيوني تعلم جيدًا أن مقاومة فتح مستحيلة في ظلِّ أوضاع ترتبت ومصالح تكرَّست، وأن إدراك العبارة الخاصة بالمقاومة كانت إبراءً للذمة دون توفر العزم على استخدامها.

 

ويدرك الكيان دون شك أن "المقاومة" قد حاصرها في غزة وشوَّه صورتها، ودفع الدول العربية إلى نفض يدها عنها والتستر بدلاً منها بصيغة غامضة هي أن السلام خيار إستراتيجي، مدعومًا بالمبادرة العربية.

 

ويعلم الكيان الصهيوني جيدًا أنه نجح في وضع السلطة الفلسطينية بغير حماس طبعًا حيث يجب أن تُوضع وفق أوسلو، ونجح في أن تتصارع فتح وحماس على هذه السلطة التي أوضحت أوسلو أن وظيفتها الأصلية هي منع أي مقاومة للكيان الصهيوني على افتراض أن التسوية ماضية، وأن السلطة إدارة مؤقتة، فلا يجوز أن تقوم المقاومة، بينما يتم تنفيذ مخطط الوصول إلى وضعٍ نهائي تفاوضي وفق صيغة أوسلو.

 

تُدرك فتح جيدًا أن الانتخابات في أرضٍ محتلةٍ على شغل سلطةٍ انتهت صلاحيتها عام 1999م، وتنكر الكيان للمسيرة بأكملها، وكشف حكومة نتنياهو عمَّا أخفته الحكومة السابقة هي نكتة سخيفة، ولكن السلطة صارت البديل لمنظمة التحرير وتخلَّص عرفات من رفاقه في المنظمة بالتركيز على السلطة فأراحه الكيان من الحياة كلها بعد أن استدرجه إلى مقتله في رام الله في إطار هذه المصيدة- السلطة.

 

فإذا كان رئيس السلطة مكلفًا قانونًا بمنع الهجوم على الكيان الصهيوني وفق أوسلو فإنه حتى بعد انتهاء أوسلو تمامًا لا يزال رئيس السلطة ملتزمًا بهذا الواجب الذي يعينه الكيان عليه بدعم قدراته العسكرية والمالية، حتى تنقل الصراع العسكري والسياسي إلى الداخل الفلسطيني.

 

فكيف تتفق حماس التي يتم التصدي لمقابلتها ومطاردتهم وقتلهم في الضفة لصالح الكيان، ويهنئها أوباما ونتنياهو على الحرب على الإرهاب الفلسطيني، مع السلطة التي تعيش على إرضاء إسرائيل.

 

صحيح أن السلطة حين تتصدى لمقاتلي حماس فإنها تحمي نفسها من احتمال انقضاض حماس على الضفة مثلما انقضت على غزة، وأن قتل أعضاء حماس له مبرر سياسي عند السلطة وقانوني وسياسي في مواجهة الكيان الصهيوني، فإنَّ سيطرةَ حماس على غزة ودعم قدراتها هدفه مواجهة الكيان الصهيوني، وتحالف السلطة مع الكيان ومساندة النظم العربية خلف السلطة التي تتعامل مع الكيان الصهيوني.

 

فكيف إذن يحدث الاتفاق بين طرفين كل منهما له منهجه ومذهبه وعقيدته ومصالحه، حماس بضاعتها المقاومة للكيان، والسلطة بضاعتها التآلف مع الكيان على الأقل لضمان بقائها.

 

فهل الحل هو إلغاء السلطة، بعد انتهاء أساسها القانوني وأن يواجه الشعب الفلسطيني دون إدارة فلسطينية سلطات الاحتلال الاستيطاني؟ أم أن الحل هو اتفاق فتح وحماس على المقاومة؟ وهل يسمح الكيان لفتح بذلك في الضفة المحتلة؟ فإذا كانت سلطة الكيان قد أحكمت قبضتها على الضفة وتهدد غزة من حينٍ لآخر وتمكَّنت من تحييد المقاومة ضد جسد الكيان فأمنت لنفسها أن تفعل ما تشاء في القدس والضفة والجدار، فقد تقدَّمت لتعلن المرحلة الجديدة من المشروع الصهيوني.

 

الحق أن خيار المقاومة الذي يريد الكيان أن يفرغه من كل مضمون صار خيارًا نظريًّا بعد أن أصبحت المقاومة غير متصورة إلا في غزة وضد محاولات الكيان دخول غزة مرةً أخرى؛ ولذلك فإن الإشارة إلى الإبقاء على خيار المقاومة في بيان مؤتمر فتح السادس ليس لها أي مضمون عملي سوى إرضاء حماس وإظهار الاقتراب منها.

 

ولكن ستظل الضفة بالسلطة تحت الاحتلال تتآكل بفعل الاستيطان، وستظل السلطة تمنع أية عمليات ضد الاحتلال من الضفة، كما أن أولوية السلطة هي دعم أجهزتها الأمنية لتحقيق هذا الغرض بمساندة صهيونية، فكيف يتحقق التوافق في ظلِّ هذا الوضع من خلال الحوار الثنائي؟.

 

من الواضح أن العالم العربي مطالب باتخاذ قرارٍ حاسمٍ بتحقيق نمط من المصالحة يقوم على ما يقرره الشعب الفلسطيني في استفتاء، هل يختار المقاومة ضد ممارسات الاحتلال أم يختار فك السلطة أم يختار الانسحاب والتراجع أمام مخططات التهويد في الجسد الفلسطيني، وعلى العالم العربي أن يحمي خيار الشعب الفلسطيني الذي لا يحتاج إلى امتحانات للاختيار بين فتح وحماس على سلطة لم تعد لها محل.