ما زلنا في رحاب موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" للمفكر الراحل الدكتور المسيري، واليوم نقدم الحلقة الرابعة في هذه السلسلة.

 

المؤتمر الثاني والعشرون:

* عقد في مدينة بازل بسويسرا، برئاسة وايزمان في ديسمبر 1946م.

* وقد حضر التصحيحيون هذا المؤتمر.

* وكان المناخ الذي انعقد في ظله المؤتمر؛ هو محاولة الضغط على بريطانيا لخلق الدولة الصهيونية.

* ولذا فقد تزعَّم التصحيحيون الاتجاه الداعي إلى تبنِّي سياسة متشددة إزاء بريطانيا انطلاقًا من الاعتقاد بأنها لم تنفذ ما تعهدت به وفق نص الانتداب.

* كما طالبوا بتدعيم حركة المقاومة العبرية التي هاجمت بعض المنشآت البريطانية.

* وفي مواجهة هذا الموقف، تبنَّى وايزمان رأيًّا يدعو إلى الدخول في حوار مع بريطانيا؛ حرصًا على استمرار علاقات طيبة مع الدولة التي تملك إمكانية فتح أبواب فلسطين لهجرة يهودية واسعة.

* وإزاء هذا الصراع قدَّم وايزمان استقالته من رئاسة المنظمة الصهيونية، وأخفق المؤتمر في اختيار بديل له.

* وقد اختير ناحوم جولدمان رئيسًا للجنة التنفيذية في نيويورك، وبيرل لوكر رئيسًا لهذه اللجنة في القدس.

* * *

المؤتمر الثالث والعشرون:

* عقد في القدس، في أغسطس من عام 1951م، برئاسة ناحوم جولدمان.

* وكان أول مؤتمر صهيوني يُعقَد في القدس بعد قيام الدولة الصهيونية.

* ولذا، فقد كان من الطبيعي أن تكون إحدى المسائل الأساسية محل الدراسة في المؤتمر هي العلاقة بين الدولة الصهيونية الناشئة والحركة الصهيونية التي خلقتها متمثلة في المنظمة الصهيونية العالمية، وكيفية تحديد اختصاصات كل منهما تفاديًا للتضارب أو الازدواج.

* وقد ترتَّب على ذلك توصية المؤتمر بتنظيم هذه العلاقة.

* فأصدرت الحكومة الصهيونية قانونًا بهذا الشأن في نوفمبر 1952م أعطت للمنظمة بموجبه وضعًا قانونيًّا فريدًا يخوِّل لها حق جَمْع الأموال من يهود العالم، وتمويل الهجرة إلى الكيان الصهيوني، بل حتى الإشراف على توطين واستيعاب المهاجرين داخل المجتمع الصهيوني، والمساعدة في تطوير الاقتصاد وما تستدعيه ممارسة هذه الصلاحيات جميعًا من التمتع بحقوق التعاقد والملكية والتقاضي، وهو ما دفع بعض الفقهاء إلى اعتبار هذا الوضع نموذجًا شاذًّا لمنظمة خاصة ذات صفة دولية تمارس صلاحيات واسعة على إقليم دولة معينة بموافقتها وعلى أراضي الدولة الأخرى نيابة عنها.

* وقد أدخل المؤتمر تعديلات جوهرية على "برنامج بازل" لمواجهة الأوضاع الجديدة التي ترتبت على تحقيق الهدف الرئيسي لهذا البرنامج؛ أي تأسيس الدولة الصهيونية، وعرف هذا البرنامج الجديد باسم "برنامج القدس".

* * *

المؤتمر الرابع والعشرون:

* عقد بالقدس، في أبريل/ مايو 1956م، برئاسة سير نيزاك.

* وقد كان هذا المؤتمر بمنزلة مظاهرة دعائية تمهد للعدوان الصهيوني على مصر، والذي أعقب انفضاض جلسات المؤتمر بخمسة شهور.

* فقد أشار المؤتمر في بيانه السياسي الختامي إلى أنه يدرك تمامًا المخاطر التي تهدِّد دولة الكيان الصهيوني؛ بسبب النوايا العدوانية للدول العربية التي تتلقَّى السلاح من الشرق والغرب.

* وناشد المؤتمر يهود العالم جميعًا الإسراع بتحمُّل مسئولياتهم التاريخية تجاه الصهاينة، وتعبئة كل الإمكانيات لضمان قوتها وأمنها ورخائها، وضمنه تدفُّق الهجرات اليهودية واسعة النطاق إلى الكيان الصهيوني، وضمان توفُّر نظام متكامل وحديث لاستيعاب المهاجرين الجدد في الكيان الصهيوني، وهو ما يعني في النهاية تكريس المشروع الاستيطاني الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني.

* وفي نهاية المؤتمر، تم انتخاب جولدمان رئيسًا للمنظمة الصهيونية ورئيسًا للمجلس التنفيذي للوكالة اليهودية، بعد أن ظل هذا المنصب شاغرًا منذ استقالة وايزمان عام 1946م.

* * *

المؤتمر الخامس والعشرون:

* عُقد في القدس في ديسمبر 1960/ يناير 1961م، برئاسة ناحوم جولدمان.

* وقد اتسم هذا المؤتمر بانفجار خلاف واضح بين بن جوريون (رئيس الوزراء وقتئذٍ) وجولدمان حول تكييف العلاقة بين الصهاينة والمنظمة الصهيونية.

* وهنا تبدو محاولة الصفوة السياسية الصهيونية وضع قبضتها على المنظمة الصهيونية.

* فقد أشار بن جوريون إلى ضرورة أن تكون المنظمة إحدى أدوات السياسة الخارجية الصهيونية في تحقيق الإشراف على يهود العالم، وتعبئة إمكاناتهم لتدعيم الكيان الصهيوني.

* بينما كان جولدمان يرى أن المنظمة هي المسئولة دائمًا عن الحركة الصهيونية، سواء داخل حدود الصهاينة (الكيان الذي خلقته المنظمة) أو خارجها.

* وبالإضافة إلى هذا، كانت قضية الهجرة اليهودية إلى الكيان الصهيوني هي ميدان الخلاف الثاني، خصوصًا بعد أن كادت الهجرة اليهودية من أوربا الغربية وأمريكا للكيان الصهيوني أن تتوقف نتيجة تصاعُد إمكانات اندماج اليهود في مجتمعاتهم. وإزاء هذا الوضع؛ أكد بن جوريون أن الهجرة إلى الكيان واجب ديني وقومي على كل اليهود، ذلك لأن اليهودي لا يكتسب كماله الخلقي ومثاليته ولا يعبِّر عن إيمانه بالصهيونية إلا بالوجـود على أرض الدولة اليهـودية، أي الدولـة الصهيونية، على حين رأى جولدمان أن بمقدور اليهودي أن يكون صهيونيًّا مخلصًا مع استمراره في الإقامة في بلده الأصلي.

* وقد انتهى المؤتمر إلى حل وسط يتمثل في ضرورة تدعيم التعليم اليهودي في أنحاء العالم، وتنمية الثقافة اليهودية لدى يهود المجتمـعات الغربية؛ للحـيلولة دون انصـهارهم في مجتمعاتهم الأصلية.

* كما أعاد المؤتمر انتخاب جولدمان رئيسًا للمنظمة الصهيونية العالمية.

* * *

المؤتمر السادس والعشرون:

* عقد في القدس في ديسمبر 1964/ يناير 1965، برئاسة جولدمان أيضًا.

* الذي أشار في خطاب الافتتاح إلى ضرورة بدء عهد جديد من التعاون بين الصهاينة والجماعات اليهودية في العالم (الدياسبورا).

* وأعرب المؤتمر عن قلقه من هبوط معدلات الهجرة إلى الكيان الصهيوني في تلك الفترة هبوطًا شديدًا.

* كما أكد مسئولية دولة الكيان الصهيوني في مكافحة خطر اندماج يهود الدياسبورا فكـريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا في المجتـمعات التي يقيمون فيها، وهو الخطر الذي اتسمت الحركة الصهيونية دائمًا بحساسية دائمة ومفرطة تجاهه، والذي رأت فيه تهديدًا لها لا يقل عن ظاهرة العداء لليهود.

* ولمواجهة هذا الخطر، أوصى المؤتمر بأن تُولي المنظمة الصهيونية بالتعاون مع الحكومة الصهيونية قضية تدعيم اللغة العبرية والقيم القومية التقليدية لدى يهود العالم اهتمامًا متزايدًا.

* شهد هذا المؤتمر بداية الضغوط الصهيونية بشأن ما عُرف بقضية اليهود السوفيت.

* وقد جدَّد المؤتمر انتخاب جولدمان رئيسًا للمنظمة الصهيونية العالمية.

* * *

أغسطس 2009م:

انعقد المؤتمر السادس لحركة فتح، والمؤتمر الأول لها في فلسطين، وهو شبيه بالمؤتمر الصهيوني الثالث والعشرين من حيث انعقاده لأول مرة داخل الأرض المحتلة، وقد تكون المقارنة مفيدة، فشتان بين المؤتمرين من حيث مدى الحفاظ على الثوابت المبدئية، والتمسك بالمشروع الأصلي، والتقدم في اتجاه الأهداف الإستراتيجية، والتماسك الداخلي في إطار المشروع المشترك؛ ولكل ذلك أسباب موضوعية وتاريخية، تستوجب الدراسة بعناية من كل المعنيين بتحرير فلسطين وإنهاء المشروع الصهيوني فيها.

--------------------

Seif_eldawla@hotmail.com