بعد اللغط الذي أحاط بنتائج انتخابات إيران، ورغم هذا اللغط مضت السلطات الإيرانية في برنامج تنصيب الرئيس حتى يبدأ ولايته الثانية، في الرابع من أغسطس، وكان الغرب يراقب تطورات هذه المسيرة؛ ولكن الولايات المتحدة سارعت يوم التنصيب بالاعتراف بأحمدي نجاد رئيسًا لإيران لولاية ثانية، ثم عاد نفس المتحدث الرسمي يوم 6 أغسطس ليعلن أن واشنطن تعتبر ما حدث شأنًا داخليًّا إيرانيًّا، وأن الاعتراف من عدمه ليس واردًا؛ لكن واشنطن أكثر ميلاً إلى عدم الاعتراف، رغم أن واشنطن لا تملك الطريقة التي تتحقق بها من حصول التزوير من عدمه.

 

ثم أعلن الاتحاد الأوروبي على الفور أنه يفكر في عدم الاعتراف بأحمدي نجاد رئيسًا لإيران، ومن الواضح أن التوتر بين إيران والغرب هو الذي دفع الغرب إلى استغلال الجدل حول النتائج، كما أنه من الواضح أن مشاورات صهيونية وأوروبية مع واشنطن قد جرت حول ضرورة أن يكون لاعترافهم بنجاد ثمن في أي من الملفات العالقة؛ خاصة أن المعارضة الإيرانية لا تزال ثابتة على موقفها من رفض النتائج، وقاطعت حفل التنصيب؛ مما يعني أن اعتراف الغرب بالنتائج، رغم استمرار رفض المعارضة؛ لها خذلان للمعارضة التي قدَّمت للغرب فرصةً ذهبيةً لإضعاف النظام الإيراني وإيران بالتبعية، وبشكل أخص بعد أن لاحظ الغرب التشدد في خطاب نجاد، سواء ضد المعارضة أو في علاقات إيران بالغرب.

 

فهل يعد عدم الاعتراف بنجاد بدعة لم تعرفها العلاقات الدولية؟ وهل يعد عدم الاعتراف إمعانًا في التدخل في شئون إيران الداخلية، بعد دعم الغرب للمعارضة الإيرانية، والمبالغة في تعاطفه مع بعض من سقطوا في المواجهات مع السلطات بسبب الاحتجاج؟ وما الآثار المترتبة على عدم الاعتراف؟

 

الأصل أن انتخاب الرئيس شأن داخلي، وأن التعقيب عليه تدخل في الشئون الداخلية، ولكن الغرب جعل الحكم على الضفة الداخلية أو الدولية للأمور مسألة سياسية، فهي مناسبات تعتبر مسألة داخلية، كما صرَّح المتحدث الأمريكي، وفي مناسبات أخرى مسألة تهم المجتمع الدولي بأسره، مع ملاحظة أن مفهوم المسائل الداخلية في الممارسة الدولية لا يزال حكرًا على الدول النامية، ولم نلحظ حالة واحدة طوال العقود الستة الأخيرة أن دولة أوروبية احتجت وتمسكت بأن أمرًا ما من شئونها الداخلية، والسبب في ذلك هو الديمقراطية والشفافية؛ ولعلنا نلاحظ في هذا الصدد أن الغرب هو الذى يدعو إلى مراقبة الآخرين لانتخاباته؛ حتى يقر بتحضيره ويتعلم من تجربته، ولكن المراقبة الدولية لانتخابات الدول النامية تعد انتقاصًا من سيادتها المهدرة أصلاً، وأداة لرقابة الآخرين على عوراتها الداخلية، والسبب هو أن هذه الدول لا تريد أن ينكشف الآخرون على تزوير الانتخابات.

 

ولكن نفس الغرب الذي قد يشهد بصلاح الانتخابات عندنا قد يعارض نتائجها كما حدث في انتخابات فلسطين 2006م.

 

فالاحتجاج على النتائج أو مباركتها، أو التشكيك فيها لم يعد في سلوك الغرب شأنًا داخليًّا للدول النامية؛ لأنه يحابي حلفاءه، ويكشف أعداءه مثلما يحدث في إيران، وهي المرة الأولى التي يفعل فيها الغرب ذلك مع أحمدي نجاد بالذات؛ رغم أنها المرة السادسة التي تجري فيها انتخابات الرئاسة في إيران منذ الثورة الإسلامية فيها عام 1979م.

 

فالقضية كما هو واضح ليست تزويرًا أو نزهة في الانتخابات، وإنما هي أحمدي نجاد نفسه؛ بسبب إعلان العداء للصهاينة، وتعقب الصهاينة له، ومحاولة اغتياله جسديًّا، بعد أن تعمل الآن على اغتياله سياسيًّا، ولما توازى هذا القصد الصهيوني مع موقف المعارضة اتهمت هذه المعارضة بأنها تتحرك بأيدٍ أجنبية وهو ما قد لا يكون صحيحًا.

 

والسوابق في التاريخ المعاصر للعلاقات الدولية ارتبطت دائمًا بالصهاينة، وأعني بها سابقتي النمسا في عهد كورت فالدهايم، وانتخاب حزب الشعب ورئيسه المعادي لليهود، وكلتاهما تجربتان مريرتان في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وفي النادي الديمقراطي، وتمَّ الانتخاب بالإرادة الحرة لشعب النمسا في الحالتين، ولكن أوروبا وأمريكا اتخذتا موقفًا مخزيًا إرضاءً للصهاينة، فعندما انتخب فالدهايم رئيسًا للنمسا في بداية تسعينيات القرن الماضي مرتين متتاليتين، قرر الصهاينة يومها أن فالدهايم اشترك بالصمت على إبادة اليهود في معسكرات القوات الألمانية في يوغوسلافيا، وهذا الاتهام غير صحيح، ولكن دافعه هو معاقبة فالدهايم على مواقفه الصحيحة إبان قبول منظمة التحرير الفلسطينية مراقبًا دائمًا في الأمم المتحدة.

 

قرَّر الصهاينة يوم تنصيب فالدهايم أن يمتنع السفراء الغربيون عن الحضور، وهو ما حدث مع أحمدي نجاد، ثم سحبت سفيرها في النمسا، وخفضت مستوى التمثيل من سفارة إلى مفوضية يرأسها سكرتيرتان مع احتفاظ النمسا بتمثيلها في تل أبيب دون تغيير، ثم قررت الولايات المتحدة وأوروبا مقاطعة فالدهايم، فلا يزور ولا يزار مثلما فعلوا مع الرئيس اللبناني إميل لحود دعمًا لقوى 14 آذار ونكاية في سوريا وحزب الله، ومناهضتهم للصهاينة.

 

أما في بداية هذا القرن فقد فاز رئيس حزب الشعب النمساوي- الذي قُتل عام 2008م في حادث سيارة- وشكَّل الحكومة، ففرض الاتحاد الأوروبي لعدة شهور عقوبات صارمة على النمسا حتى اضطر الناخب النمساوي إلى اختيار غيره تجنبًا لعزل النمسا.

 

وعندما انتخب شارون في فبراير 2001م رجوت قمة عمان العربية في مارس أن ترفض الاعتراف بشارون بالنظر إلى برنامجه الاستيطاني العدواني؛ ولكن القمة أعطته فرصة أخرى حتى أنهى انتفاضة الأقصى.

 

وعندما انتخب نتنياهو ببرنامج ينهي القضية تمامًا؛ طالبت بعدم الاعتراف بحكومته، وفيها ليبرمان ومواقفة المعروفة منا، خاصة مع ما بدا من أن واشنطن ليست مستريحة لهذه الحكومة، ولكني تبينت أن مثل هذه النداءات مغرقة في المثالية، ولا تصلح إلا للتنفيس بالكتابة.

 

في حالة إيران لا أظن أن الغرب قد حسم موقفه نهائيًّا من نجاد، وأن الغرب يراقب جيدًا مكانة المرشد الأعلى الذي حاول أن يخلق مسافة بينه وبين نجاد؛ حين رفض أن يقبل يده، كما يراقب موقف رموز النظام في المعارضة، فإن تغلب المرشد على الجميع اعتراف بنجاد، وإنْ اتسع الرتق أمعن في معاداة نجاد، ولكن الغرب في كل الأحوال لا يهمه شفافية انتخابات إيران؛ ولكنه يوظف المعطيات على الأرض في إطار الصراع السياسي مع إيران الدولة؛ ولذلك كنت قد نصحت أن يعالج المرشد بحكمة مسألة نجاد، ولا ضير أن يناقش مسألة استقالة نجاد إذا وجد لها ما يبررها في سياق المعالجة؛ ولكن المضي بالسفينة رغم الخروقات يؤدي في النهاية إلى إغراقها.