في موقفٍ يعكس تعنُّتًا غير مُبرَّرٍ، ألقى رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس مسئولية فشل المؤتمر السادس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" على خطوة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بمنع كوادر "فتح" الموجودين في قطاع غزة من حضور المؤتمر، وسط انتقاداتٍ من جانب مراقبين لعقد مؤتمر الحركة في الداخل، وقالوا إن ذلك بمثابة تكريس لاحتضان العدو الصهيوني للمؤتمر، ويحرم الحركة من الاحتضان العربي لها.

 

وفي كلمته في افتتاح المؤتمر السادس لحركة "فتح"، والذي انعقد بعد عقدَيْن من المؤتمر العام الخامس للحركة؛ عرض عباس تاريخ حركة "فتح" منذ انطلاقها في الأول من يناير من العام 1965م، مركِّزًا على الأدوار التي لعبتها القيادات التاريخية لحركة "فتح"، وعلى رأسها الرئيس الراحل ياسر عرفات، بجانب خليل الوزير (أبو جهاد)، وسعد صايل، ونايف حواتمة (قبل انشقاقه في أواخر الستينيات وتشكيله للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)، وغيرهم.

 

وفي الإطار ميَّز عباس بين مستويَيْ النضال الفلسطيني لنَيْلِ الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، الأول القائم على المقاومة المسلَّحة، والثاني الذي يعتمد على العمل السياسي لنيل هذه الحقوق، وبحسب عباس فقد كان الغزو الصهيوني للبنان في العام 1982م هو نقطة التماس بين المرحلتَيْن.

 

ومن الملاحظ أن عباس كان حريصًا طوال سرده التاريخي لمراحل القضية الفلسطينية على الربط بين حركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأكد تمسك الحركة والمنظمة باتفاقيات أوسلو الموقَّعة مع الكيان الصهيوني في التسعينيات الماضية، بالرغم من كل مساوئها.

 

وفي كلمته عدَّد عباس ما وصفه بمزايا التسوية وعملية أوسلو، ومن بينها تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، واعتراف دول العالم بالكيان الفلسطيني الناقص الموجود حاليًّا، في المقابل تجنَّب عباس توجيه انتقادات للكيان الصهيوني بسبب تعطيله تنفيذ اتفاقيات أوسلو.

 

وحتى عندما جاء ذِكْر وفاة عرفات والتحقيقات التي "تنوي فتح" أن تُجريها لمعرفة سبب الوفاة؛ تفادى عباس ذِكْرَ مسئولية الكيان الصهيوني في مقتل عرفات، وقال إن "الحصار الجائر" الذي فُرِضَ على عرفات كان له دورٌ في موته، من دون ذكرٍ مباشرٍ للكيان.

 

واعترف عباس بوجود عدم انضباطٍ تنظيميٍّ ومشكلاتٍ أخرى في حركة "فتح"؛ أدَّت إلى خسارة "فتح" لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في يناير 2006م.

 

وفي شأن موضوع غزة؛ زعم عباس أن السلطة لم تتوقف عن أداء واجباتها تجاه القطاع المحاصر، ولكنه لم يوضِّح جهود السلطة في هذا الشأن، ولا تجاه حصار القطاع، مُشيدًا في الوقت ذاته بما وصفه بإنجازاتٍ متحققةٍ في الضفة الغربية في قطاع، ومن بينها ما وصفه بالاستقرار الأمني في الضفة المحتلة.

 

من جهته أكد محمد جمعة الباحث المتخصِّص في الشئون الفلسطينية أن إصرار عباس على عقد مؤتمر "فتح" السادس يكرِّس احتضان العدو الصهيوني للمؤتمر، ويحرِم الحركة من الاحتضان العربي لها، وأنه خطوةٌ غيرُ مسبوقة في تاريخ أية حركة تحرر وطني.

 

وقال جمعة في تصريحاتٍ لـ"المركز الفلسطيني للإعلام": "إن انعقاد المؤتمر في أحضان الاحتلال "الإسرائيلي" يطرح التساؤل حول مدى بقاء حركة "فتح" كحركة تحرر وطني، أو تحوُّلها إلى حزبٍ للسلطة"، موضحًا أن تحديد المكان في الضفَّة يجيب عن هذا السؤال؛ لأن ذلك سيقطع الصلة بين "فتح" بعد المؤتمر و"فتح" الثورية السابقة، خاصةً في ظل تسليم عباس قوائم الحضور إلى أجهزة الأمن الصهيونية للسماح لهم بالدخول".

 

وقال جمعة إنه بتلك الخطوة غادرت "فتح" مربع النضال، وتحوَّلت من حركة تحرر وطني إلى حزبٍ للسلطة، مشيرًا إلى أن عقد المؤتمر في الداخل لم يكن عنصرًا محايدًا فيه، ولكنه إصرارٌ على تغيير معادلته لتحوُّل نتائجه.

 

وأكد جمعة أن المؤتمر من حيث التمثيل لا يعدُّ تمثيلاً سياسيًّا حقيقيًّا؛ بسبب استبعاد عناصر "فتح" في لبنان والمبعَدين إلى أوروبا، بالإضافة إلى تسلُّل 150 فتحاويًّا من غزة بالتنسيق مع الاحتلال الصهيوني، الذين يمثِّلون خط عباس والقيادي الفتحاوي المنحرف محمد دحلان.

 

وأشار إلى أن ثمةَ معلومةً حول خوف بعض الفتحاويين في مصر من الحضور؛ بسبب أنهم غيرُ مقبولين من قِبَل أجهزة الأمن الصهيونية، موضحًا أن عباس تنصَّل من تعهداته بإلغاء المؤتمر في حال منع الاحتلال الصهيوني واحدًا من حضوره.

 

وأشار إلى أن برنامج المؤتمر خلا من تفاصيل أساسية، وتحدَّث عن مراحل تاريخية، ولم يحدِّد كيفية مقاومة الاحتلال ووقف بناء المغتصبات وعمليات تهويد القدس، وكيفية إنهاء الانقسام الفلسطيني، لافتًا إلى أن حجم التغيير داخل الأطر القيادية في حركة "فتح" لن يزيد عن 25%، وسيتمُّ تفويض أبو مازن لتدعيم ثقله سياسيًّا.

 

وأعرب عن اعتقاده أنه سيتم تصفية الدائرة السياسية لمنظمة التحرير وتجريد رئيسها فاروق قدومي من صلاحياته داخل "فتح" والمنظمة، موضحًا أن قضية اغتيال عرفات سيتمُّ طرحها بشكلٍ هامشيٍّ لذرِّ الرماد في العيون عبْر تشكيل لجنة لن تقدِّم ولن تؤخر، على حد قوله، وهو ما وضح في كلام عباس في المؤتمر؛ حيث مرَّ بشكلٍ عابرٍ على هذه النقطة.