قنبلة من العيار الثقيل تلك التي فجَّرها فاروق القدومي أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، ومسئول الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية؛ حين كشف النقاب عن محضر اجتماع بالغ الخطورة جمع كلاًّ من رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس، والنائب محمد دحلان قائد الفلتان الأمني، مع رئيس الوزراء الصهيوني الهالك آرييل شارون، ووليم بيرنز الوكيل المساعد لوزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط.
محضر الاجتماع، والذي تمَّ بتاريخ الثاني من مارس من العام 2004م، أي قبل ثمانية أشهر وتسعة أيام فقط من وفاة رئيس السلطة الراحل ياسر عرفات مسمومًا، يناقش أفضل الطرق لقتل ياسر عرفات!!.
وأثار الكشف عاصفة غضب في أوساط حركة فتح، من شأنها أن تزيل الكثير من الغموض حول لغز وفاة الرئيس عرفات؛ حيث اتَّهم القدومي كلاًّ من عباس ودحلان بالتورط في قتله.
براهين إدانة
أدلة وبراهين واضحة ساقها القدومي تثبت صحة كلامه عن هذا الاجتماع الذي ناقش بجانب قتل عرفات تصفية قادة حماس والجهاد؛ وعلى رأسهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية ومحمود الزهار ونافذ عزام.
قال القدومي: "لقد أرسل الرئيس الراحل عرفات محضر الاجتماع لي، فنصحته بالخروج فورًا من الأراضي المحتلة؛ لأن شارون لا يمزح على الإطلاق بشأن التخطيط لقتله، ولكنه فضَّل المواجهة وتحدى تهديداته"، وكان شارون وقتها قد هدَّد في أكثر من مناسبة بتصفية عرفات.
ونعت القدومي عباس بـ"المنشق عن حركة فتح التي يقف ضدها، والفاقد لشروط عضويتها، والمستبد في تصرفاته الانفرادية؛ سعيًا إلى اقتناص الألقاب، والاستيلاء على السلطة، وتهميش منظمة التحرير، والإصرار على عقد المؤتمر السادس تحت حراب الاحتلال، بهدف فرض برنامج سياسي يسقط حقوق الشعب الفلسطيني".
ما جاء على لسان القدومي بحسب المراقبين؛ يبدو أنه للتأثير على القواعد الفتحاوية قبيل انعقاد المؤتمر السادس، مشيرين إلى أن دحلان وعباس لا يحتاجان لدلائل وقرائن لإثبات ارتباطهم بالمشروع الصهيوني، والوقوف ضد المقاومة الفلسطينية، في ظل الممارسات اليومية.
صراع سياسيٌّ
بدايةً، لا يمكن فصل ما جرى عن عموم المشهد الفلسطيني المتوتر، والصراعات التي تملأ الجانب الآخر من المعادلة السياسية الفلسطينية؛ حيث تشهد ساحة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح منذ وفاة عرفات صراعًا محتدًّا وحامي الوطيس على السلطة، وكان طرفاه الأساسيَّان عباس والقدومي، وتحديدًا بعد وصول الأول لرئاسة السلطة الفلسطينية، وتعيينه ناصر القدوة وزيرًا للشئون الخارجية في الحكومة الفلسطينية، وإصداره قرارًا بإقالة جميع سفراء فلسطين إذا ما كانوا يعملون في دول يحملون جنسيتها.
وبات الخلاف يتجدَّد بين الرجلين من فترة لأخرى، بسبب سياسات عباس ومفاوضات السلطة عديمة الجدوى مع الكيان الصهيوني، والتي اقتصرت على التنسيق الأمني في السنوات الأخيرة، مع عدم وجود أيِّ أثرٍ لذلك على الأرض، باستثناء أعمال الاعتقال والقتل في صفوف عناصر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية.
وكان خروج عباس على الثوابت التي أرستها عقود طويلة من العمل المقاوم من جانب حركة فتح، واتجاهه توجهًا لم يكن عرفات ذاته ليجرؤ عليه في سنوات المفاوضات السخية بينه وبين الكيان الصهيوني في التسعينيات الماضية.
وفاة غامضة
وكانت وفاة عرفات هي الحدث السياسي الأبرز الذي أدَّى إلى الانشقاق الكبير الحالي في المنظمة وفتح، وكانت ملابسات وفاته وحدها سببًا كبيرًا في تفعيل هذا الانشقاق، وهذا الصراع على السلطة.
فعرفات توفي عندما ألمَّت به أزمةً صحيةً في 12 أكتوبر 2004م، وشرع حينها في التقيؤ، وشعر باضطراب في الأمعاء مصحوبًا بالإسهال، وذلك بعد مرور أربع ساعات على تناوله وجبة العشاء بمقر المقاطعة الذي كانت تحاصره فيه القوات الصهيونية في رام الله منذ ثلاثة أعوامٍ.
عرفات وأبو مازن
وقبيل وفاته بأشهر كانت علاقاته مع عباس يشوبها توتر شديد، نتج عنها إقالة عباس من منصبه كرئيسٍ للوزراء، بعد أن عيِّن بضغوط أمريكية وصهيونية، باعتباره مهندس عملية السلام، ومن أكثر المؤيدين لاجتثاث المقاومة، وعدم عسكرة الانتفاضة.

وتواصلت أعراض مرض عرفات على مدى أسبوعين، ولم تكن مصحوبة بالحمى، ما اعتبر في البداية مجرد "نزلة برد"، وبعد خمسة عشر يومًا على بداية مرضه نقل إلى فرنسا للعلاج، وتوفي هناك في 11 نوفمبر 2004م.
ورجَّح بعض المقربين من عرفات؛ وأبرزهم ابن أخته ناصر القدوة، وطبيبه الخاص أشرف الكردي، حينها أنه مات مسمومًا، وهو ما أكدته تقارير فرنسية رسمية من المستشفى العسكري الذي كان يعالج فيه، إلا أنه على الصعيد الرسمي الفلسطيني، أعلن نبيل شعث أن لجنة تحقيق وزارية فلسطينية لم تستطع التوصل إلى نتائج حاسمة في سبب وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
ثم عادت فرنسا وتراجعت عن موضوع موت عرفات مسمومًا، واستبعدت تقارير طبية فرنسية وأمريكية أخرى تسميم عرفات، إلا أن هذه المزاعم لم تقنع المقربين من عرفات بذلك؛ لأن رئيس الوزراء الصهيوني السابق آرييل شارون هدَّد في أكثر من مناسبة بتصفيته، واصفًا إياه بالإرهابي، كما تسربت تقارير صحفية عن اتخاذ الحكومة الصهيونية قرارًا بتصفية عرفات في أواخر العام 2003م.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها التلويح من قِبل القدومي على كشف وقائع تتعلق بتسميم عرفات، والإشارة إلى تورط بعض مسئولي السلطة الفلسطينية فيها، إلا أن الجديد أنه اتهم صراحة وبشكل مباشر كلاًّ من عباس ودحلان.
فقد سبق وأن أعلن القدومي في 12 مايو الماضي أن البحث ما زال جاريًا، لمعرفة الأدوات التي استخدمت في "تسميم" الرئيس عرفات، مشيرًا إلى تورط بعض المسئولين في مقر المقاطعة برام الله، من دون الإشارة إلى الأسماء.
وقائع سابقة
وثمَّة وقائع أخرى تتفق مع ما ذهب إليه القدومي وتثبت صحة كلامه، ففي 11 أبريل الماضي، شكَّك أشرف الكردي الطبيب الخاص لعرفات في جدوى المهمة الموكلة إلى اللجنة الفلسطينية الخاصة بالتحقيق في أسباب وفاة عرفات، ودعا حينها إلى سؤال رئيس السلطة المنتهية ولايته محمود عباس عن سبب عدم تشريح الجثة آنذاك.
وكشف القدومي عن أن عباس رفض تشريح جثمان عرفات، بهدف إجراء تحاليل تحدد الوسيلة التي مات بها، ونوع السم الذي استخدم لقتله.
وحسب الكردي؛ فإن رجالات السلطة الوطنية رفضوا تشريح الجثة وقت وفاة عرفات، وعندما سُئل عن السبب وراء عدم التصريح بالتشريح آنذاك، أجاب قائلاً: "اسألوا الرئيس الفلسطيني محمود عباس"، وأضاف: "لقد قتلوا عرفات بالسم؛ لأنه كان عقبةً في وجه عملية السلام"!!.
كما لم تسمح زوجة عرفات (سهى) بالدخول إلى زوجها الرئيس في اليومين الأولين من وصوله باريس إلا لكلٍّ من ناصر القدوة، ورمزي خوري مدير مكتبه، ويوسف عبد الله حارسه الشخصي، إلا أنه بعد يومين أخرجتهم من المستشفى، ومنعتهم من الدخول إلى غرفته.
ووجَّهت سهى عرفات حينها نداءً للشعب الفلسطيني، وصفت فيه المسئولين الفلسطينيين بأنهم "حفنة من المستورثين يريدون دفن الرئيس ياسر عرفات حيًّا".
وفي أعقاب الحسم العسكري في قطاع غزة كشفت حركة حماس أيضًا عن وثائق ومستندات عثرت عليها في المقرات الأمنية، تثبت تورط دحلان وعباس في اغتيال عرفات.
دحلان وموفاز
كما كشفت وثيقة خطيرة نشرها موقع (نيوز) الإلكتروني عن بعض خيوط اغتيال الرئيس عرفات, وتضمنت الوثيقة رسالةً من دحلان إلى وزير الدفاع الصهيوني الأسبق شاؤول موفاز جاء فيها "تأكدوا أن السيد عرفات أصبح يعد أيامه الأخيرة، ولكن دعونا ننهيها على طريقتنا وليس على طريقتكم، وتأكدوا أيضًا أن ما قطعته على نفسي أمام الرئيس (الأمريكي السابق جورج) بوش (الابن) من وعود؛ فإنني مستعد لأدفع حياتي ثمنًا له".

كما سبق، وأن هدَّد دحلان في تصريحات علنية الرئيس عرفات بمواجهته إن لم يقدم التنازلات المطلوبة منه للاحتلال قبل العاشر من أغسطس 2004م.
كما أنَّ تنفيذ عمليات الاغتيال التي تمَّت بحق الشهيد الرنتيسي وغيره من قيادات المقاومة من قِبَل قوات الاحتلال الصهيوني، تثبت تورط أطراف أمنية في أجهزة دحلان في هذا الأمر؛ لأنَّ هذه العمليات لم تكن لتتمَّ من دون معلوماتٍ مؤكدة من هذه الأجهزة عن أماكن وجُود وحركة هؤلاء.
وكانت الضغوط الأمريكية والصهيونية أجبرت عرفات على تعيين عباس رئيسًا للوزراء، غير أن عرفات مارس ضغوطًا على عباس اضطرته للاستقالة من رئاسة الوزراء مطلع سبتمبر من العام 2003م، وهو ما فجَّر الخلاف بين الطرفين قبل وفاة عرفات بعامٍ وشهرين.
تصفية "العرفاتية"
وما أن تمَّ توزيع المناصب بين عباس وعددٍ آخر من الرجال المحسوبين على التيار التفاوضي مع الكيان الصهيوني؛ ومن بينهم أحمد قريع، بعد وفاة عرفات بيومين حتى بدأت مرحلة القضاء على "العرفاتية"، وتصفيتهم من خلال سلسلة من القرارات والإجراءات كان أهمها إلغاء روحي فتوح الذي شغل منصب رئيس السلطة مؤقتًا؛ لحين انتخاب الرئيس الجديد لها في مطلع العام 2005م، لمجموعةٍ من القرارات التي سبق واتخذها عرفات حول منح أراضٍ في مناطق السلطة.
كما أحال عباس مجموعة كبيرة من العسكريين الموالين لعرفات للتقاعد، وعزل أكثر من 50 مستشارًا لعرفات، وتشكيل ثنائيٍّ حاكمٍ مع دحلان في المناطق الفلسطينية، إلى جانب تصفية رئيس جهاز المخابرات العسكرية الفلسطيني موسى عرفات سبتمبر 2005م.
حادثة اغتيال الرئيس عرفات لم تكن هي الأولى على صعيد الخلافات وبأيدي قيادات من داخل حركة فتح، حيث سبق وأن تمَّ تصفية كلٍّ من خليل الزبن مستشار عرفات، بعد اتهامه بترويج الأكاذيب والشائعات، وهشام مكي رئيس هيئة الإذاعة والتليفزيون الفلسطيني، بعد اتهامه بسرقة أموال الحكومة، إلى جانب قائمةٍ عريضةٍ من قيادات حركة فتح، لفقت بعضها لحركة حماس وأخرى ذيلت باسم "مجهول"!!.
وكلاء الاحتلال
وذهب بعض المراقبين إلى أن تصريحات القدومي هدفها التأثير على القواعد الفتحاوية المهتمة بقضية اغتيال الرئيس عرفات، ومحاولة تخريب المؤتمر السادس المقرر عقده الشهور القادمة.
عبد القادر ياسين
وقال الكاتب والمؤرخ الفلسطيني عبد القادر ياسين لـ(إخوان أون لاين): إن عباس ودحلان "لا يحتاجان إلى دلائل وقرائن لإثبات ارتباطهم بالمشروع الصهيوني، والوقوف ضد المقاومة الفلسطينية"، وأكد ياسين في تصريحه أن سيناريو المحضر تحقَّق بنسبة كبيرة علي أرض الواقع"، وهو ما يعني أنه تمَّ بالفعل"؛ ولكنه أشار إلى أنه ليس هناك دليل 100% على حدوثه.

في حين اعتبر المحلل السياسي الفلسطيني محمد زيدان أن ما جاء على لسان القدومي من اتهاماتٍ "ليست جديدة"، وقال: "فقد تمَّ التآمر على الكل الفلسطيني منذ توقيع اتفاقات السلام" في التسعينيات الماضية.
وربط بين اتهام عباس في هذا المحضر وبين رفضه تشريح جثة الراحل ياسر عرفات، وعدم تفعيل تحقيقات واسعة ذات صلاحية في خلفيات تسممه واغتياله، الأمر الذي يؤكد ما جاء في المحضر.
وأكد أن الشعب الفلسطيني برمته لا ينتظر تأكيدًا أو إثباتًا على تورط وكلاء الاحتلال، وارتمائهم في أحضانه، ومضمون ما جاء ليس جديدًا أو مستغربًا أو مستبعدًا.
خالد أبو هلال الأمين العام لحركة الأحرار الفلسطينية

من جهته أكد الأمين العام لحركة الأحرار الفلسطينية خالد أبو هلال، والذي كان أحد أبرز قادة فتح؛ أن إعادة فتح ملف اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات "من الضرورات الوطنية"، وأشار في تصريحٍ خاصٍّ لمراسلنا في غزة، أن الكشف عن هذه الوثيقة في هذه الأثناء يمثل "قنبلة موقوتة" لكن لصالح حركة فتح، الأمر الذي سيؤدي إلى تصحيح إطار الحركة.