براء.. أمجد.. علي.. هديل.. أطفال من بين آلاف الأطفال في قطاع غزة، في عمر الزهور، أرغمهم الحصار الظالم والظروف القاهرة التي يعيشونها على ترك الإجازة الصيفية جانبًا، والتنازل عن طفولتهم البريئة، والدخول في مجال المتاعب والبحث عن لقمة العيش بمباركة من أسرهم.
في كل مكان في العالم تستعد الأسر هذه الأيام للسفر لقضاء العطلة الصيفية، سواءً على شواطئ البحر أو في المصايف، أو حتى تخطيط بعض النزهات الجميلة في أمسيات الصيف في بعض المتنزهات والحدائق؛ إلا في قطاع غزة، الذي يُعتبَر استثناء من بين كل مجتمعات العالم؛ حيث يحرم حصار الأعداء وذوي القربى أطفال وأسر غزة من حقهم الطبيعي في الراحة والاستجمام بعد عامٍ طويلٍ مليءٍ بالمتاعب والدماء.
وفي مشهد مأساوي، وفيما تتسابق الأمم والشعوب إلى توفير وسائل الراحة والترفيه والتعليم لأطفالها وصقل مواهبهم، يقضي أطفال غزة إجازتهم الصيفية تحت أشعة الشمس الحارقة؛ بحثًا عن بضعة شواكل، في ظل حصار دولي جائر أضنى كاهلهم، وقضى على أبسط أحلامهم، فلا مصدر دخل لأسرهم، وإنْ وُجِدَ فلا يكفي لأسبوعٍ واحد.
لا نوادي صيفية بأنشطتها التربوية والتثقيفية ينضمون إليها.. لا وسائل أو أماكن ترفيه يذهبون إليها.. ومحظور على الجميع حتى الاقتراب من المصايف الطبيعية المجانية التي منحها الله تعالى لقطاع غزة، ممثلةً في شواطئ القطاع على البحر المتوسط، لتفادي التعرض لنيران زوارق المراقبة الساحلية الصهيونية.
تحت لهيب الشمس
عند كل إشارة ضوئية وتقاطع طريق تجد طفلاً يحمل "سجائر"، "أقلام"، "شاي"، مثلجات، ذرة مسلوقة، شيبسي، وبعض أنواع المكسرات، وغيرها الكثير من السلع الصغيرة، يبحثون عن لقمة عيشهم؛ لمساعدة أسرهم التي وقعت ضحية الفقر والبطالة، وتعيش أوضاعًا معيشية متردية.
![]() |
|
ظاهرة عمالة الأطفال إلى ازدياد في غزة |
أمجد لم يتجاوز من العمر عشرة أعوام، ولكنه بدا مما يحمله من هَمٍّ وكأنه رجلٌ كبيرٌ.. قال لنا وهو يحاول بيع بعض ما في يده لصاحب السيارة الواقفة في تلك الإشارة المرورية: "كنت أنتظر انتهاء الاختبارات المدرسية بفارغ الصبر؛ حتى ألتحق بالمخيم الصيفي الذي تقيمه بعض المؤسسات؛ لأن والدي عاطل عن العمل, ويجب أن أعمل حتى نعيش بكرامة".
ويحلم أمجد بأنْ يلتقي بأصحابه لممارسة هوياته واللعب في إجازته الصيفية كغيره من أطفال العالم؛ لكن الظروف تحرمه من تحقيق هذا الحلم، وقال، ومعالم الحزن ترتسم على وجهه: "في كل صيف أشتغل على شاطئ البحر, وأحيانًا ننام هناك لأيام متواصلة".
وأصدر مركز "الميزان" الفلسطيني مؤخرًا تقريرًا حول العدوان الذي شنَّته قوات الاحتلال على قطاع غزة خلال الفترة الممتدة من 27 ديسمبر 2008م وحتى 18 يناير 2009م.
وأورد التقرير أعداد الضحايا والخسائر التي لحقت بالسكان وممتلكاتهم؛ حيث أشار إلى أن عدد الشهداء الذين ارتقَوا خلال العدوان أو متأثرين بجراح أصيبوا بها خلاله بلغ 1410؛ من بينهم 355 ممن هم دون الثامنة عشرة من العمر،و110 سيدات، و240 من أفراد المقاومة.
بينما بلغ عدد المنازل السكنية المدمرة 11135، والمنشآت العامة 581، والمنشآت الصناعية 209، والمنشآت التجارية 724، والمركبات 650، فيما بلغت مساحة الأراضي الزراعية المتضررة 6 ملايين و271 ألفًا و746 مترًا مربعًا.
شقيقه أحمد لم يكن بحال يختلف كثيرًا عنه، وقال: "أنا زهقت البحر, ما بدي آجي على البحر, أنا بأتعب كثير، ونفسي أروح ألعب الكرة وأكون جنب البيت, لأني دايمًا خايف".
ويعج بحر غزة في صيف كل عام, بعشرات الأطفال ممن هم دون سن الخامسة عشر, ينتشرون كباعة متجولين, وأعدادهم في تزايد نظرًا لسوء الأوضاع الاقتصادية؛ حيث يبيعون الذرة المسلوقة, والتسالي, والمرطبات, والسندوتشات, وأدوات البحر.
أحلام صغيرة!!
الطفل محمود الشاعر (12 عامًا) يحلم دائمًا بألا يحمل يومًا في الإجازة الصيفية صندوقه الخشبي، ويقول إنه فقط يريد أن يمسك به شقيقه الصغير ووالداه، وينظر إلى البحر طويلاً، ثم يلهو مع والده في مياهه الدافئة كما الأطفال الذين يراهم بصحبة آبائهم، يرشقه بالمياه بينما يحمله والده بين الأمواج لكي يعلمه السباحة.
![]() |
|
بعض أطفال غزة يحملون مساعدات غذائية |
لكن يبدو لدى محمود أن الحلم بعيد المنال في ظل جلوس والده كسيحًا بفعل مرض أصاب عموده الفقري وعجزه عن السفر، علاوة على حالة الفقر المدقع التي تعانيها أسرته بسبب الحصار.
وتتراوح العطلة الصيفية لدى محمود بين كر وفر من منتزه البلدية إلى ساحة الجندي المجهول بمنطقة الرمال بغزة؛ حيث يحمل صندوقًا خشبيًّا يحتوي على أنواع مختلفة من السجائر، وفي ربوع المنتزه يدور مناديًا على بضاعته القليلة، وما أن ينهي جولته، حتى يخرج إلى ساحة الجندي يمارس البيع أيضًا بذات الطريقة، وحين تصب الشمس أشعتها على رأسه، وتصيبه بالدوار، فإنه يستظل بظل شجرة يستلقي أسفلها للراحة.
ظروف الحرمان
وبصوت خافت ومتهدج من شدة التعب والإرهاق يضيف محمود وعينه تغرورق بالدموع: "اعتدت في الإجازة الصيفية العمل لأساعد أسرتي في توفير احتياجاتها"، ويبدو أن حالة الفقر والعوز التي تعانيها أسرته هي التي أجبرته على العمل، فوالده انضم إلى قائمة البطالة منذ حرمان دولة الاحتلال العمال الفلسطينيين من العودة إلى أعمالهم داخل الخط الأخضر بُعيد اندلاع انتفاضة الأقصى.
وفي أيام الدراسة يعمل محمود مساءً في بيع الحلوى والمحارم الورقية على مفترقات الشوارع والأرصفة، ويزيد عليها في العطلة الصيفية بيع الذرة المسلوقة والشاي للمتنزهين في الحدائق.
أما الطفل علي المصري، فيقول إنه من خلال عمله يوفر الحياة الكريمة لأشقائه الأصغر سنًا، والذين يصرون على مساعدته في الإجازة الصيفية؛ حيث تتولى شقيقته سمر أمر شراء الذرة ومراقبة سلقها حتى نضوجها، بينما ينقلها له شقيقه نور حيثما وجد.
بائع الشاي ٍمحمد (8 سنوات) أسرته مكونة من 12 فردًا، يحمل إبريق الشاي بيد وأكواب البلاستيك باليد الأخرى، وسيرًا على الأقدام في شارع عمر المختار وسط مدينة غزة، يعرض عليك كوب الشاي بنصف شيكل فقط، وفي ظل ارتفاع درجة الحرارة والشمس الحارقة والعاطلين عن العمل، وما أكثرهم، فإن كوب الشاي يصبح التسلية الوحيدة للجميع.
يقول يوسف الهندق: كنت أخطط بعد انتهاء الدراسة للذهاب إلى البحر كل يوم واللعب والسباحة مع زملائي، إلا أنني وجدت بعضهم يقوم بالبيع، فقررت العمل مثلهم، فآخذ جزءًا من النقود، والباقي أسلمه لوالدي".
أما مهند الخليلي، فيبيع الترمس والبرد محلي الصنع، فهو طالب مجتهد والده متوفَّى، قرر أن يتحمل جزءًا من المسئولية ويساعد أخاه الأكبر في توفير مصروف البيت ومصروفه الشخصي، بالرغم من اشتياقه للعب والذهاب إلى البحر أو على الأقل مشاهدة التلفاز، ولكن كيف يكون ذلك وهو يجلس أمام البسطة طوال النهار وحتى التاسعة مساء؟
وقال مهند وهو يحبس انفاسه المتهدجة بأنه لا يصدق متى يذهب للبيت حتى يخلد للنوم، ليستيقظ ليبدأ يومه من جديد ببيع الترمس والبرد.
عمالة الأطفال والحصار
وتشير الإخصائية الاجتماعية سعاد العرعير إلى أن أهم سبب من أسباب ازدياد عمالة الأطفال في قطاع غزة، هو الحصار المفروض على القطاع منذ ثلاث سنوات تقريبًا، والذي أفقد الآلاف من العائلات مصدر رزقها.
![]() |
|
الحصار يزيد من معاناة أطفال القطاع |
وتؤكد العرعير لـ(إخوان أون لاين) أن أسباب عمالة الأطفال هي ذاتها في جميع أنحاء العالم؛ إذ يعد الوضع الاقتصادي هو العامل الأكثر أهمية وتأثيرًا في نِسب عمالة الأطفال، إلا أن وضع فلسطين مختلف نوعًا ما؛ كونها ترزح تحت الاحتلال والحصار والإغلاقات، وهي تعتبر إحدى الأسباب الرئيسية التي تسبب عمالة الأطفال، وتجبرهم على الانخراط في سوق العمل في عمر مبكر جدًّا.
وأكدت أن انتشار هذه الظاهرة بين الأطفال قد تتسبب في أضرار كبيرة لهم؛ لأن الأطفال الذين يعملون في عمر مبكر لا ينمو جسدهم بشكل سليم خاصة الأطفال الذين يعملون في الأشغال الشاقة والتي تؤثر على أجسامهم في المستقبل، إضافة إلى تمضيتهم ساعات طويلة في العمل دون أخذ استراحة يأكلون شيئًا خلالها.
هذا حال الأطفال في قطاع غزة؛ حصار، وقتل، وتجويع، وقهر، وحرمان من أبسط الأحلام والحقوق، ولسان حالهم يردد "من غير فلسطين شو يعني طفولة".


