على الرغم من العراقيل التي وضعتها دول ما يُسمَّى بـ"محور الاعتدال العربي" أمام عقد قمة عربية طارئة من أجل الأزمة الراهنة في قطاع غزة؛ استضافت العاصمة القطرية الدوحة اليوم الجمعة قمةً "تشارويةً" بمشاركة عددٍ من القادة العرب؛ وذلك كبديلٍ للقمة العربية الطارئة التي دعا إليها أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ولم يكتمل النصاب لعقدها.
انعقدت القمة تحت لافتة "غزة" بمشاركة 11 دولة: عشرة ضيوف بالإضافة إلى الدولة الداعية قطر، ومن بينها ستِّ دول شاركت على مستوى القادة والرؤساء؛ وهم الرؤساء: السوداني عمر البشير، والسوري بشار الأسد، والجزائري عبد العزيز بوتفليقة، واللبناني ميشال سليمان، ورئيس جزر القمر أحمد عبد الله سامبي، ورئيس المجلس العسكري الحاكم بموريتانيا الجنرال محمد ولد عبد العزيز.
كما شاركت فيها 3 دول بمستوى أقل من مستوى الرؤساء: العراق ممثلاً في طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، وليبيا ومثلها أمين اللجنة الشعبية العامة الليبية البغدادي المحمودي، وجيبوتي مُمثَّلةً في وزير الأوقاف والشئون الإسلامية الدكتور حامد عبدي سلطان، ويضاف إليهم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس كممثلٍ لفلسطين؛ حيث غاب عنها رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس.
وكان نصاب القمة الطارئة قد اكتمل بوصول عدد البلدان التي وافقت على حضورها إلى 16 دولة، بعد موافقة كلٍّ من الإمارات والعراق، إلا أن اليمن والمغرب عادتا وتراجعتا عن موافقتهما على المشاركة في القمة.
أهمية قمة الدوحة
عبد الباري عطوان

يقول عبد الباري عطوان رئيس تحرير (القدس) اللندنية إنَّ قمة الدوحة سوف تكون بمثابة فرصة لما وصفه بـ"فرز" المواقف العربية إزاء ما يحدث في قطاع غزة، وقال: "إن ما يجري عربيًّا يعني فشل النظام العربي الرسمي في علاج الأزمة في غزة عن طريق مؤسسات المجتمع الدولي".
ويرى أنَّ هذه القمة (قمة الدوحة) سوف تُحدث فرزًا في المواقف العربية، وستظهر للعيان من هو مع العدوان الصهيوني على قطاع غزة، ومن هو ضده.. من يريد أن يعمل على وقفه، ومن يريد له الاستمرار حتى يُحقِّق أهدافه كاملةً في ترويض المقاومة ونزع سلاحها وكسر شوكتها وإعادة القطاع إلى بيت الاستسلام العربي.. وضعوا تحت عبارة "الاستسلام العربي" هذه ألف خطٍّ!!.
ولعلَّ أهمّ مظاهر تحقُّق كلمات عطوان في القمة هو حضور خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس القمة، بينما لم يحضرها رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس.
كما أنَّ القمة شهدت حضور نائب لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وبحضور سوريا ولبنان، بجانب مشعل، يكون محور الممانعة العربي- الإسلامي الذي يتصدَّى للمشروع الأمريكي- الصهيوني في المنطقة قد شارك في القمة والتقى على الأرضية المشتركة التي قدَّموها في كلماتهم، والتي بلورتها مقترحات أمير قطر من قبل القمة.
فأمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طرح مبادرةً من ثماني نقاطٍ تتمحور حول الآتي:
- الوقف الفوري للعدوان الصهيوني على قطاع غزة.
- انسحاب القوات الصهيونيَّة من قطاع غزة، وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه يوم 27 ديسمبر 2008م.
- فتح المعابر، بما فيها معبر رفح، ورفع الحصار الكامل عن قطاع غزة، بما يشمله ذلك في صدد ضمان حرية حركة الأفراد والبضائع.
- إنشاء صندوق لإعادة إعمار غزة تساهم فيه قطر بمبلغ 250 مليون دولار.
- تعليق مبادرة السلام العربية التي طرحتها الرياض، وتبنَّتها قمة بيروت العربية في العام 2002م.
- وقف التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني بشكلٍ كاملٍ.
- العمل على تقديم المسئولين العسكريين والسياسيين الصهاينة للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حربٍ في غزة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وهي المطالب التي كرَّرها كلٌّ من مشعل والأسد وباقي القادة العرب الذين حضروا هذه القمة، وكان التركيز الأساسي على مبدأ وقف العدوان الصهيوني على غزة أولاً قبل الحديث عن أيِّ شيءٍ آخر، ثم الضغط باتجاه وقف مختلف الاتصالات وقطع الروابط القائمة مع الكيان الصهيوني، مع تحريك دعاوى محاكمة مجرمي الحرب الصَّهاينة.
جريمة محور "الاعتدال"
عُقدت قمة الدوحة التشاوريَّة، وتعطَّلت القمة العربية على الرغم من مرور ثلاثة أسابيعٍ من الحرب الوحشية الضَّروس.. ظل العرب مختلفين في شأن عقد قمةٍ عربيةٍ "طارئةٍ" فيما يخص الأزمة المتفاقمة في قطاع غزة، ولَئِن كان العرب منقسمين حول الموقف من حركة حماس والوضع السياسي على المستوى الفلسطيني برمته، فقد كان من الأَوْلى ألا يكونوا منقسمين حول أطفال غزة الذين يموتون؛ ليس بشكلٍ يوميٍّ، ولكن كل ساعةٍ تقريبًا.
![]() |
|
بشار الأسد خلال القمة |
فحتى عندما دعا الرئيس السوري بشار الأسد إلى عقد قمةٍ عربيةٍ بمن حضر، وعندما جدَّد أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني دعوته إلى قمةٍ طارئةٍ في العاصمة القطرية الدوحة اليوم الجمعة 16 يناير 2009م، بدت المواقف العربية متخبطةً ومرتبكةً؛ فمن وافق عاد وسحب موافقته، ومن رفض لم يعلن رفضه صراحةً!!.
ولم تعلن كلٌّ من مصر والرياض والكويت صراحةً رفضها حضور قمة الدوحة، بل كل ما قالته وزارات الخارجية في البلدان الثلاثة هو أنَّ قمة الكويت الاقتصادية العربية سوف تكون المناسبة الأكثر ملاءمةً لمناقشة ما يجري في غزة.
وتنعقد قمة الكويت الاقتصادية الإثنين المقبل 19 يناير، أي سيكون العدوان الصهيوني على قطاع غزة قد شارف على دخول شهر كامل بمعدلات خسائر بشرية رهيبة بالفعل، بينما تستخدم آلة الدمار الصهيونية مختلف أسلحة الدمار في قصف أطفال وبيوت غزة.
وليس أدل على ذلك من الصور القادمة من غزة؛ فعلى سبيل المثال يستخدم الكيان الصهيوني في تغطية تحركات قواته قنابل الفسفور الأبيض المحرمة دوليًّا (!!)، بينما يقصف مساكن رفح الهشَّة بقنابل خارقةٍ للدروع والتحصينات.
كما أنَّ التعليقات الصادرة عن وزراء الخارجية العرب تفيد بأنَّ الأزمة في غزة سوف تُناقَش على هامش هذه القمة فقط، وسيكون الملف الإنساني هو المطروح، وبالتحديد من زاوية موضوع إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب؛ أي أنَّ الحرب ذاتها لن تكون في موضع نقاشٍ من "القادة" العرب خلال قمة الكويت.
وبعد أنْ أعلنت بلدان عربية عن مشاركتها في قمة الدوحة، عادت بعض الدول- وتحديدًا المغرب واليمن- لسحب موافقتيهما على حضور قمة الدوحة، فيما وصفه مراقبون مصريون بأنَّه بالفعل "لعب عيال" (!!)، لا سلوك زعاماتٍ كبيرة.
بل إنَّه في الوقت الذي يتطلَّب فيه الأمر توحُّدًا في المواقف وفي النقاشات، وبالتالي توحدًا في أماكن اللقاء والنقاش؛ فإنَّنا نجد أنَّه ومنذ بداية الأزمة انقسم الموقف العربي شِيَعًا؛ فمن الأطراف العربية من رأى الدفع بالموضوع إلى مجلس الأمن الدولي الذي تمخَّض فولد فأرًا هزيلاً ميتًا، ممثلاً في القرار رقم (1860)، الذي دعا إلى وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار في قطاع غزة، دون تحديد آليات ذلك، ودون إدانة جرائم الحرب الصهيونية في القطاع، وحتى مع هذا لم يلتزم الكيان الصهيوني به!!.
على مستوًى آخر تمَّ إلقاء موعد ومكان لقاء القادة العرب إلى الكويت في 19 يناير، بينما العدوان اندلع في 27 ديسمبر 2008م، وتمّ اجتزاء الأزمة في موضوع إعادة الإعمار، وكأنه مشكلة الغزاويين الوحيدة.
كذلك وكأنَّما رأت الرياض أنّ الموقف العربي موحَّد، ويجب تهدئة حماسته، حتى دعت بدورها إلى قمةٍ ثالثةٍ لقادة دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض؛ في خطوةٍ وصفها المراقبون بأنَّها غير موفقةٍ بالمرة، وتزيد من حدة تشرذم الموقف العربي.
ومن خلال هذا المجمل السريع من العرض فإن الدول العربية وجدت سهولةٍ في الاجتماع معًا في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.. مجلس التعاون الخليجي، ومجلس الأمن الدولي، والمجلس الاجتماعي والاقتصادي العربي، إلا أنَّها وجدت صعوبةً بالغةً في الحضور إلى المنبر الرسمي الطبيعي لذلك، وهو مؤسسة القمة العربية في إطار جامعة الدول العربية.
وموقف الجامعة العربية يبعث حقًّا على الحزن؛ فالأمانة العامة اكتفت بالمتابعة وتنفيذ أوامر القادة العرب، دون تدخلٍ دبلوماسيٍّ يكون لازمًا في مثل هذه الحالات، كما أنَّ القادة العرب بدت بينهم العداوة والبغضاء أكثر مما بينهم وبين الكيان الصهيوني، وربما أن القاهرة وجدت أنَّ الاجتماع مع قادة الكيان الصهيوني السياسيين والعسكريين والأمنيين- رغم دعاوى محاكمتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم الحرب المرتكبة في غزة- أسهل من الجلوس مع بعض القادة العرب.
بل إن التباين الراهن في المواقف العربية إزاء عقد القمة، وتفضيل أطراف عربية رئيسية مثل مصر والسعودية مقاطعة القمة العربية، ونقل ملف غزة إلى قمة الكويت الاقتصادية.. كشف عن وجود أزمة عميقة في النظام الإقليمي العربي، وأن حالة الاستقطاب الحادة القائمة بين المحاور العربية المختلفة سوف تؤدي على أبسط تقدير إلى عرقلة الجهود العربية لوقف إطلاق النار في غزة.
ونختم بتأكيد ما قالته تعليقات إعلامية وسياسية عربية صدرت في الأيام الأخيرة في بعض البلدان العربية والأوروبية؛ من أن المصفوفة العربية وإمكانيات النظام الرسمي العربي، تفتقر إلى القدرة اللازمة لاتخاذ قرار مؤثر في مجال الصراع مع الكيان الصهيوني، وبالتالي عدم قدرتها على فرض وجهة النظر العربية فيما يخص الحرب الحاليَّة في غزة.
