"محمد وهيثم".. هما أبناء عم يقطنان في منطقة القرارة، بالقرب من جامعة القدس المفتوحة بخان يونس، خرجا من بيتهما صباح الأحد الماضي دون أن يدركا أن إشراقة صباح اليوم الجديد تحمل في طياتها لحظاتٍ مرعبةً ومؤلمةً؛ ففي هذا اليوم المشمس خرجا ليقضيا وقتهما في اللعب بالقرب من البيت؛ تحت دفء وأشعة الشمس المشرقة.
لم يَدُرْ في خَلَد الطفلَين أن لعبة "القلول" التي يلعبانها باستمرار ستكون آخر شيء في حياتهما التي تحوَّلت في لحظات إلى جحيم "أسود".
وقال هيثم لـ(إخوان أون لاين): "جلست وابن عمي محمد نلعب في الشارع وكنا نلعب "القلول" كنا نضحك وفرحين، لكن.. يا فرحة ما تمت.. حيث كان وقت الفرح واللعب قليلاً وخجولاً؛ فقد باغتتنا إحدى القذائف وسقطت على جسم محمد، وتحوَّل جسدُه إلى كتلة لهب حمراء"!!.
وأضاف: "تصاعد من القذيفة دخان أبيض كثيف، لم أدرِ ما الذي يحدث حولي.. ابن عمي يحترق أمامي ولم أقدر على فعل شيء.. لم أكن أعلم أنني أحترق أيضًا وأن وجهي ويدي أصابتهما حروق شديدة.
وأشار إلى أن الوضع كان هادئًا ومشمسًا قبل الحدث بدقائق، ولم تكن هناك أية أحداث ميدانية أو قذائف مدفعية أو وجود للمقاومين.
وأشار هيثم- الذي بدا حزينًا ومتألِّمًا على ابن عمه- إلى أن حالة الخوف والارتباك سيطرت عليه؛ حيث أخذ في الصراخ والعويل، من هول ما يحدث قبل أن يشعر بآلام حادة في جسده وضيق كبير في التنفس وحرقان في الحلق وعدم مقدرته على الحديث والحركة.
نهال أحمد (45 عامًا) والدة هيثم.. فقدت في عام 2004م ابنتها "أسماء" بعد عودتها من مدرستها، بالقرب من مغتصبة "جنى طال" سابقًا بفعل رصاصة من قِبَل أحد الجنود؛ إلا أنها تشعر بحالة من الحزن والأسى لما أصاب ابنها وابن عمه محمدًا، وتقول متحسرة: "الاحتلال قتل ابنتي أسماء قبل أربعة أعوام وهي عائدة من المدرسة، واليوم يريد قتل ابني بقنابل لم نعرفها ولم نسمع عنها من قبل"!!
وأضافت: "ماذا يريدون منا وأين يريدون أن نذهب؟ فلا مكانَ آمنًا في غزة، ولا شارع أو زقاق يخلو من القصف والاستهداف"!!.
محمد.. شاهد عيان
أما محمد (17 عامًا) والذي اشتعلت في جسده النيران، وأدَّت إلى حروق كبيرة في مختلف أنحاء جسده نتيجة إصابته بشكل مباشر بما وصف أنه "الفسفور الأبيض" لم يكن قادرًا على النطق ولو بحرف واحد وكان غائبًا عن الوعي، وكان الأطباء يبذلون جهودًا في محاولة لإنقاذ حياته؛ قبل أن ينقل إلى المستشفي العسكري المصري بالقاهرة لخطورة وضعه الصحي، وإجراء الفحوصات الطبية لمعرفة ما هو السلاح المستخدم وما القذائف التي سقطت عليه.
وكانت المواطنة حنان النجار استُشهدت وأصيب معها أكثر من 60 مواطنًا بحروق وحالات اختناق؛ نتيجة عدة قذائف مدفعية تسبِّب سحابةً كبيرةً من الدخان الأبيض وبعضًا من النار كفيلة بأن تذيب الجلد وتقتل أي مواطن على الفور إذا أصابته مباشرة.
![]() |
|
المدفعية الصهيونية تريد تحويل غزة إلى كتلة من اللهب |
وقال شهود عيان في منطقة خزاعة شرق خان يونس "إن الجيش الصهيوني أطلق عدة قذائف مدفعية غطَّت المنطقة بساحبة كبيرة من الدخان الأبيض؛ مما أدَّى إلى استشهاد حنان النجار وإصابة 60 آخرين بحالات حرق واختناق".
وقال مسعفون: "إن حالة بعض الإصابات كانت عبارةً عن إذابة للجلد وضيق بالتنفس, ليؤكدوا أن تلك القنابل هي عبارة عن قنابل فسفورية قادرة على قتل من تصيبه بشكل مباشر، وتحوِّل جسده إلى عبارة عن أشلاء يصعب انتشالها".
وناشد مجمع ناصر الطبي منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي والمؤسسات العالمية والعربية العاملة في مجال الصحة مساعدتَه في معالجة حالات الإصابة بالحروق والغازات السامة التي تستخدمها قوات الاحتلال الصهيوني في حربها ضد المواطنين في محافظة خان يونس.
64 حالة
وقال المكتب الإعلامي لمجمع ناصر الطبي في بيان استغاثة إنه وصل إلى المستشفى أكثر من 64 حالة مصابة بحروق واستنشاق غاز واختناق من منطقة خزاعة شرق خان يونس لم تكن معهودة من قبل لدى طواقم المستشفى، ويصعب التعامل معها أو كيفية معالجتها؛ حيث تجد طواقم المستشفى صعوبةً بالغةً في التعامل معها.
وطالب البيان المنظمات الدولية بضرورة التدخل العاجل والفوري لإنقاذ المرضى داخل المستشفى من هذا النوع من الاعتداءات، مشدِّدًا على ضرورة إيفاد أطباء وأدوية ومعدات طبية للتعامل مع الحالات الخطيرة والحرجة لهذا النوع من الإصابات.
بدورها اتهمت منظمة هيومان رايتس ووتش لحقوق الإنسان اليوم الكيان الصهيوني باستخدام ذخيرة تحتوي على فوسفور أبيض خلال هجومها على قطاع غزة؛ ليرفض الجيش الصهيوني تقديم تفاصيل حول تلك القذائف التي يصعب وصف ما تحدثه, قائلاً: "إننا نستخدم فقط أسلحةً مسموحًا بها بموجب القانون الدولي".
قنابل مجهولة التركيب والمخاطر
فلسطيني أصيب في إحدى الغارات الصهيونية على غزة

ووقف العشرات من الأطباء الفلسطينيين مذهولين أمام حجم الإصابات التي تصل إليهم ونوعيتها المختلفة، وخاصةً بعد أن استخدمت ما قيل إنه "الفسفور الأبيض"، وخلال مؤتمر صحفي عقده عدد من الأطباء المصرين الموجودين في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب القطاع؛ أكدوا خلاله أن معظم الإصابات التي وصلت إلى قسم الاستقبال بالمشفى جميعها تحمل أعراض الغازات المنبعثة عن "القنابل الفسفورية"، وأن هذه القنابل تنقسم إلى نوعين وتُحدث العديد من الأعراض الجانبية.
وبحسب الأطباء فإن جزءًا من هذه القنابل تُحدث حروقًا في الحلق وضيقًا في التنفس وإغماءً وارتفاعًا في درجات حرارة الجسم، والحالات الأخرى أصيبت بحروق بليغة في الوجه وكافة أنحاء الجسد، وخاصةً الأماكن المكشوفة والتي تصاب بشكل كبير.
وأوضح الأطباء ضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة والوقاية من تلك الغازات؛ من خلال إخلاء المكان، ووضع قطعة قماش على الوجه والمحافظة على الجهاز التنفسي، وغسل الوجه والجسد ومن ثم تجفيفها.
ويعيش سكان قطاع غزة حالةً من الهلع والخوف الشديدَين؛ جرَّاء استخدام الكيان الصهيوني هذا النوع الجديد من السلاح، وماهيته والمواد الداخلة في تركيبة والأضرار المستقبلية والآنية التي قد تنتج من هذا السلاح الذي لم يعتد عليه المواطنون.
واعتبر عدد كبير من المواطنين أن حكومة الاحتلال تستخدم يوميًّا أنواعًا جديدةً من الأسلحة، وتقوم باختبارها عليهم، داعين المؤسسات الدولية للتدخل لحمايتهم من الموت الذي يتعرضون له.
