"العدوان الصهيوني نقطة سوداء في تاريخ الإنسانية".. "الكيان الصهيوني سيغرق في دماء ضحايا عدوان غزة".. "حماس لا تتحمَّل مسئولية التصعيد".. "أنا لا أتحدَّث بصفتي ممثلاً لتركيا، بل كوريث للخلافة العثمانية".. "نرفض استقبال ليفني وأولمرت طالما استمرَّ العدوان".. تلك كانت بعض من المواقف والتصريحات التي صدرت عن الحكومة التركية ورئيسها رجب طيب أردوغان منذ اندلاع العدوان الصهيوني الحاليِّ على قطاع غزة.

 

وكان آخر مواقف أردوغان والأتراك البنَّاءة، هو تصريحه الصادر يوم الإثنين يناير 2009م، والذي انتقد فيه مجلس الأمن الدولي على سلبيته إزاء ما يجري في قطاع غزة من مجازر؛ كان آخرها التهام الكلاب الضالة لجسد الطفلة الفلسطينية "شهد" (أربعة أعوام) بسبب عجز أقاربها عن الاقتراب من مكان جثمانها لمدة 4 أيامٍ كاملةٍ بسبب الرصاص الصهيوني.

 

وفي موقفه الجديد طالب أردوغان مجلس الأمن بمعاقبة الكيان الصهيوني، وقال في اجتماع مع قيادات حزبه في العاصمة التركية أنقرة: "الصمت الدولي في وجه تحدي "إسرائيل" للقرارات الدولية غير مقبول، ويجب على مجلس الأمن أن يفرض عقوبات على "إسرائيل" لردعها عن الاستمرار في العدوان"، وهو تصريحٌ لم يخرج من زعيمٍ عربيٍّ واحدٍ، حتى من بين المُندِّدين بالحرب، أو ممَّن يستضيفون قادة فصائل الرفض والممانعة الفلسطينية.

 

كما رفض الأتراك طلباتٍ من السفير الصهيوني لدى أنقرة، ومن تل أبيب لترتيب زياراتٍ لكلٍّ من رئيس الوزراء الصهيوني المستقيل إيهود أولمرت، ووزيرة خارجيته الإرهابية تسيبي ليفني، ما لم يتوقف العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وقالت وزارة الخارجية التركية ردًّا على طلب ليفني بزيارة تركيا لشرح "مبررات" العدوان على غزة، بالحرف قائلةًَ: "إذا كان هذا هو سبب الزيارة.. فلا تَأْتَ"، بحسب ما ذكرته صحيفة (هآرتس) الصهيونية في عددها الصادر يوم 9 يناير الحالي.

 

وبحسب ما نشرته صحيفة (زمان) التركية وقتها، فإن رد فعل الخارجية التركية توافق مع رفض أردوغان الرد على اتصال هاتفي من أولمرت؛ احتجاجًا على العدوان الصهيوني على غزة.

 

أما الموقف الشعبي في تركيا، فكان ملتحمًا مع موقف قيادته، بعكس البلدان العربية؛ حيث تجري مظاهرات التضامن مع قطاع غزة وسط "حراسةٍ أمنيةٍ مشددةٍ"، ويتم اعتقال جامعي التبرعات، ومنظمي حملات الإغاثة!!.

 

المهم أن اتحاد المستهلكين التركي وجَّه يوم 12 يناير دعوةً إلى المواطنين لمقاطعة منتجات الشركات الأمريكية والبريطانية والصهيونية، بسبب "الدعم اللا محدود" لواشنطن ولندن للكيان الصهيوني في عدوانه الهمجي على قطاع غزة.

 

ومن قبل استقال 300 نائب من النواب الأتراك من عضوية جمعية الصداقة "الإسرائيلية"- التركية في البرلمان من إجمالي 305 نواب، كما بدأت الحكومة- بالتعاون مع منظمات شعبية- تنظيم حملة مساعدات لغزة هي الأضخم منذ قيام الجمهورية التركية في العام 1924م.

 

تركيا الجديدة

 الصورة غير متاحة

عبد الله جول

ومنذ تولِّي رجب طيب أردوغان رئاسة الحكومة في بلاده، كان واضحًا أنَّ السياسة التركية سوف تشهد حقبةً جديدةً في ظل حكم حزبه العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامي، وإنْ كانت هذه الحقبة جديدةً في كل شيءٍ، إلا أنَّها عرفت مخاضًا عسيرًا؛ بدءًا بمواقف الجيش من الحزب وسياساته، وليس انتهاءً بمعركة الحجاب في الجامعات، ومسألة انتخاب عبد الله جول رئيسًا للجمهورية التركية "العلمانية".

 

ولعل تفاصيل قضية تنظيم "أرجينيكون" الذي تورَّط فيه بعض الضباط الأتراك، للإطاحة بحكومة أردوغان، والذي تشير أصابع الاتهام إلى وقوف جهاز الموساد الصهيوني وحلف شمال الأطلنطي "الناتو"، ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي. آي. إيه"، وراء تأسيسه، منذ أيام الحرب الباردة، وتم تفعيله للإطاحة بأردوغان بحسب الصحف التركية التي تتناول هذه القضية في هذه الأيام، بعد الجلسة العاشرة لمحاكمة أعضاء هذا التنظيم أو المنظمة السرية.. لعل في هذه التفاصيل ما يشير إلى عِظَمِ التحديات التي يواجهها أردوغان وسياسات حكومة العدالة والتنمية.

 

وكان واضحًا من البداية، ومنذ حكومة الحزب الأولى التي جاءت في أعقاب انتخابات 2002م التشريعية، أنَّ الحزب وحكومته لن يستمرا على ذات نهج الحكومات القومية والعلمانية المتطرفة التي سبقتها؛ حيث رفضت رفضًا باتًّا المشاركة في العدوان الأمريكي- البريطاني على العراق، وقال أردوغان لواشنطن إنَّ التسهيلات العسكرية التركية للقوات الأمريكية تحكمها اتفاقيات عضوية حلف الناتو، والتي تلزم الأطراف المشاركة فيها بدعم بعضها البعض، إذا ما تعرَّضت الدولة لعدوانٍ مباشرٍ، وهو ما لم يحدث في حالة العراق.

 

وهو ما يخالف موقف الدول العربية الخليجية، والتي دعمت غزو العراق عسكريًّا؛ حيث انطلقت منها الطلعات الجوية الأولى على العراق، وبدأت جيوش الغزو الصليبي الأمريكي البريطاني الجديد لبلاد الرافدين منها، وقدَّمت حكومتها دعمًا لوجستيًّا كاملاً للقوات الأمريكية والبريطانية في العراق، وكانت قاعدة خلفية كاملة للجيش الأمريكي والقوات الأجنبية في العراق طيلة السنوات التي تلت الغزو.

 

كما بدأ العدالة والتنمية في تحجيم العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني، فلم تشهد تقدمًا كبيرًا في المجال العسكري، كما أوقف أردوغان مشروع تزويد الكيان بمياه الأناضول، والتي كانت حكومة رئيس الوزراء التركي الراحل بولنت أجاويد (حكومة حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض حاليًّا) قد بدأت جديًّا فيها عن طريق حاويات مطاطية عملاقة تقطرها سفن شحن تابعةٍ لإحدى الشركات النرويجية.

 

بينما حافظت تركيا على مسافةٍ بينها وبين الكيان، وطوَّرت علاقاتها العربية والإسلامية؛ أسَّست مجموعة الثماني الإسلامية للتنمية، بل واستغلَّت علاقاتها مع الكيان الصهيوني لتحفيز مسار التسوية السوري- الصهيوني عن طريق استضافة جولات المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين.

 

تركيا والأزمة

منذ الأيام الأولى للعدوان الصهيوني على غزة، بدأ أردوغان جولة عربية شملت كلاًّ من مصر وسوريا والأردن والسعودية، وبحسب ما ذكرته صحيفة (الأخبار) اليومية التركية، فإنَّ جولة أردوغان سعت إلى طرح مقترحات لوقف نزيف الدم في غزة، وللأسف سعى أردوغان إلى إقناع القادة العرب الذين التقاهم و"نبذ خلافتهم جانبًا"، والتوحد لممارسة ضغوط على الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي لوقف المجزرة الحاليَّة في قطاع غزة.

 

 الصورة غير متاحة

أردوغان تحرك لوقف المجازر الصهيونية فيما صمت الحكام العرب!!

وطيلة الفترة الماضية سعت تركيا إلى الوجود بقوة في واجهة الأزمة في غزة، ويعتبر موقفها هو الأشد في وجه العملية الصهيونية في غزة، على المستويين العربي والإسلامي، وفي تعليق لافت له قال الدكتور ألون لييل النائب السابق لوزيرة الخارجية تسيبي ليفني والسفير الصهيوني السابق في أنقرة إن الكيان الصهيوني "فوجئ وصُدِمَ برد فعل أردوغان على الأزمة الذي كان أشد من مصر والأردن وبقية الدول الإسلامية".

 

ويفسِّر بعض المراقبين هذا الحراك وما سبقه من جانب أردوغان منذ الحرب على العراق، وفق تفسيرَيْن رئيسيَّيْن؛ هما:

 

1- بحث تركيا العدالة والتنمية عن دور في المشرق العربي، مع وجود الكيان الصهيوني الكبير في ملف كردستان، الذي يمثِّل أكبر هاجس لأمن تركيا القومي.

 

2- تمثيل أردوغان لتيارٍ آخذٍ في التنامي في تركيا< ينادي بعودة البلاد إلى جذورها الإسلامية، والاعتماد على تأثيرات إرث الخلافة العثمانية الكبير.

 

هذان الجناحان الكبيران لسياسة العدالة والتنمية صاغهما البروفيسور أحمد داود أوغلو المستشار السياسي الأول لأردوغان، في سياسةٍ عامةٍ تبنَّاها حزب العدالة والتنمية كأساسٍ لسياسة تركيا الخارجية منذ توليه الحكم في البلاد في مطلع الألفية الجديدة.

 

وهو ما عبَّر عنه أيضًا صراحةً أردوغان في تصريحاتٍ علنيةٍ له عقب أزمة غزة، عندما تحدَّث عن الانتماء الإسلامي، وأنَّ الموقف التركي نابع من كونها كانت الحاضنة الرئيسية للخلافة العثمانية.

 

فأردوغان كان يتحدَّث للكتلة البرلمانية لحزبه قبل أيام، وقال "إنَّ الأتراك العثمانيين أنقذوا أجداد (وزيرة الخارجية الصهيوني تسيبي ليفني) و(وزير الدفاع الصهيوني إيهود باراك) من مظالم الصليبيين في إسبانيا عام 1490م لدى سقوط الدولة الأندلسية"، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يذكر فيه مسئول رسمي كلمة "الأتراك العثمانيين"، منذ سقوط الخلافة العثمانية في العام 1924م.

 

إلا أنَّ حديث الخلافة وحديث الدور لا يفسِّران كلَّ شيءٍ في هذا الإطار؛ فهناك أيضًا الجذور الإسلامية لحزب العدالة والتنمية، الذي هو الابن الشرعي لحزب السعادة والرفاه الذي أسَّسه السياسي الإسلامي التركي نجم الدين أربكان، الذي تعرَّض لحربٍ شرسةٍ في التسعينيات والألفية الجديدة من جانب عسكر تركيا العلمانيين، وقد أدَّى تنامي المشاعر الدينية الإسلامية في السنوات الأخيرة في تركيا، إلى زيادة التعاطف التركي مع الشعب الفلسطيني باعتبار الفلسطينيين شعبًا مسلمًا.

 

بالإضافة إلى ذلك هناك البعد التاريخي؛ حيث يشير الكاتب الصحفي التركي أزقان إسلام في تصريحات له عن الموقف التركي من غزة، إلى أن القضية الفلسطينية ليست قضية الإسلاميين فقط في تركيا؛ حيث لم يبدأ اهتمام الإسلاميين بالقضية إلا بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، ولكن وبحسب إسلام فإنَّ اليساريين الأتراك لهم ارتباطات عميقة مع القضية الفلسطينية منذ الستينيات والسبعينيات الماضية، وقام العديدون منهم بالمشاركة في النضال الفلسطيني، مثل الصحفي البارز جنكيز تشاندر، وهو يساري شيوعي قام بالسفر إلى فلسطين ضمن المنظمات اليسارية التي سافرت إلى هناك.

 

وهو ما يؤكده الكاتب التركي إبراهيم أقباب الذي قال في تحليله لسياسات بلاده إزاء العدوان على غزة: "يكمن السبب وراء التوحد التركي في الموقف من العدوان على غزة في الاعتبارات التاريخية؛ حيث الشعب التركي، بمختلف أطيافه، لديه أحاسيس تاريخية تجاه القضية الفلسطينية، والأتراك لديهم ذكريات مع غزة؛ فحتى عام 1917م كان العثمانيون موجودين في غزة، ودافعوا عنها كثيرًا ضد الإنجليز، قبل أنْ تسقط في قبضتهم، وبالتالي يعتبر الأتراك القضيةَ قضيةً وطنيةً بحتةً، بنفس القدر الذي يعتبرها العرب كذلك".

 

وفي مقال له في صحيفة (زمان) التركية في عدد 6 يناير الحاليِّ، يقول المحلل التركي محمد كالونسي إن ما يحدث "ثورة جذرية في السياسة الخارجية التركية"، وهذه الثورة حدثت مع تولِّي حزب العدالة والتنمية السلطة، ويقول أيضًا إنَّ هذا التحول" قد استند بالأساس إلى رؤية البروفيسور أحمد داود أوغلو مستشار كلٍّ من عبد الله جول وأردوغان".

 

فقد رأى أوغلو أن تركيا ليست دولة "طرفية" كما كان يُنظَر إليها أيام الحرب الباردة حينما كانت تعتبر حصنًا ضد التهديد الشيوعي، وهي أيضًا ليست "الممر" بين "العالم الحر" و"العالم غير الحر"، كما كان يُنظَر إليها بعد انتهاء الحرب الباردة، لكن تركيا دولة مركزية؛ "لديها القدرة على توفير الأمن والاستقرار؛ ليس لنفسها فقط، بل ولجيرانها في المحيط الأوسع" بحسب أوغلو، الذي انطلق في رؤيته هذه من عدد من الاعتبارات؛ من بينها الإرث العثماني والموقع الجيوسياسي لتركيا، وروابط تركيا الثقافية والاقتصادية مع أقاليم عديدة، مثل البلقان والشرق الأوسط ووسط آسيا وشرق أوروبا.

 

قبول عربي

الشعوب العربية المبتلاة بمواقف حكوماتها رأت في مواقف أردوغان، ومواقف زعماء آخرين غير عرب، مثل الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز الذي طرد السفير الصهيوني لدى كاركاس شلومو كوهين وستة آخرين من موظفي السفارة الصهيونية في فنزويلا، تعويضًا عن مواقف رسمية عربية مفتقدة؛ ولذلك ارتفعت أسهم أردوغان كثيرًا في العالم العربي على المستوى الشعبي.

 

بينما أكاديميًّا ورسميًّا رأى البعض في الموقف التركي موقفًا مقويًّا للموقف العربي في مواجهة الكيان الصهيوني، ويجب استغلاله من جانب الحكومات العربية، ولعل الحكومة المصرية رأت أهمية ذلك مؤخرًا.