لم يقتصر العدوان الوحشي على قتل نحو 283 طفلاً من بين إجمالي الشهداء في غزة حتى الآن؛ لكنه يستهدف باقي الأطفال بالرعب وبث الخوف؛ خاصةً هؤلاء الذين تُركوا بين جثامين أقاربهم الشهداء أيامًا.

 

عبد الله السموني (8 أعوام) طفل كتفه متعفِّنة تملأ رائحتها الكريهة أجواء الغرفة في الطابق الثاني في مستشفى القدس بتل الهوى.. يبكي شقيقه وشقيقته اللذان راقبا القطط والدجاج تنقر جسده مع 30 فردًا آخرين من عائلة السموني؛ في مجزرة ارتكبتها قوات الاحتلال في الأسبوع الثاني من الحرب، في منطقة سكناهم بحي الزيتون.

 

عبد الله يعاني من غرغرينا تسري في جسده؛ بعد أن قضت على يده وقدمه إثر إصابة استمرت أسبوعًا دون أن يعالجها أحد؛ لكن الأطباء لم يقطعوها واستمروا في تطهيرها على أمل أن يتم إرساله للخارج، وينقذوا ساقه ويده.

 

يقول والد عبد الله وائل السموني (36 عامًا) وهو يبكي: حرارته ارتفعت.. سخونة عالية.. لم أعد أحتمل أن أراه يموت أمام عيني.. يا عالم.. يا الله.. إيش أعمل، لما قال لي الصليب الأحمر إن ابني لا يزال حيًّا بين الجثامين ما صدقت وأغمي عليَّ، لكني الآن أتمنى لو لحق بإخوته ولا أراه يموت أمام عيني.

 

وحين رأى عبد الله ذو الوجه الشاحب والده يبكي طفق هو الآخر يبكي بدموع ساخنة، غير قادر على تحريك شيء سوى عينيه: "يابا ما تزعل مني، ما تبكي، فيرد عليه أبوه باكيًا: والله ما أنا زعلان منك يا حبيبي، حتى جبتلك شيكولاته، شوف شوف يا عبد الله".. وفتح قطعة الشيكولاته وبدأ يطعمه.

 

وبعد أن هدأ الاثنان أكمل الوالد: أنا أعرف أعداد الذين كانوا موجودين في منزلي، فهم 105 أفراد؛ لأنني أخذت أوزِّع عليهم طعامًا بعد أن أدخلنا جنود الاحتلال جميعًا إلى الغرفة، مضيفًا: إن عشرات القذائف سقطت عليهم، وهرب مع من تبقى على قيد الحياة، معتقدين أن كل من تركوهم في الغرفة قد استُشهدوا.

 

وفصَّل كيف رأى كتف ابنه عبد الله محفورة من الشظايا ثم حاول حمله، لكن الأخير قال له: سيبني يابا، روح انت، ثم يتابع الأب: لحظتها أغمض عينيه فاعتقدت أنه استُشهد وركضت إلى الخارج أحاول إنقاذ بقية أبنائي.

 

عبد الله الذي من الممكن أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في أية لحظة يبكي بين كل لحظة وأخرى ليتذكر ما حدث له، ويرتجّ من هول الصدمة والذكريات البشعة، كأنه شاخ في لحظات، لكن ذلك لم يسرق براءةَ وجهه التي تجعل من يراه يلعن هذا العالم القاسي.

 

 الصورة غير متاحة

 آلة الحرب الصهيونية لا تفرق بين طفل ومجاهد

لا يزال يسمع صوت القصف الذي وصل إلى مشارف حي تل الهوى؛ حيث يقع مستشفى القدس، ويصرخ: جاء الجيش! متأكدًا أنهم سيلاحقونه حتى في المستشفى، مثل وحش مخيف ويقتلونه هناك.

 

الطفل في مستشفى القدس بصحبة عائلته التي سمح الطبيب لبعض أفرادها ممن أصابتهم شظايا أن يغادروا، لكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم ببساطة لم يجدوا مكانًا يذهبون إليه، وإحدى هؤلاء مسعودة السموني (24 عامًا).

 

تقول مسعودة: في البداية أمرنا الجيش الصهيوني أن نغادر، وجمعونا في غرفة واحدة، موضحةً أنها اعتقدت في البداية أنهم من المقاومة لأنهم يضعون عصبات مقاومي حماس الخضراء على جباههم، لكنها وذويها صُدِموا حين قالوا لهما: "نحن جيش الاحتلال"، وأمروهم بالدخول إلى الغرفة ثم أطلقوا القذائف عليهم.

 

وتضيف: أول قذيفة رأيت زوجي وابن عمي يستشهدان فيها، والثانية جاءت شظايا في ابني المعتصم الذي يبلغ عشرة شهور وكان في حضني، وأصيب ابني الآخر، ورأيت المعتصم كيف يفتح عينيه ويغلقهما وهو يُستشهد!.

 

وتضيف: إنهم جميعًا ظنوا أنهم سيخرجون مجانين بعد هذه المأساة أو جثامين، لم يتوقع أحد أن يبقوا أحياء سليمي العقل، مشيرةً إلى ابنها المصاب الذي يتماثل الشفاء ويسأل عن والده طوال الوقت وينادي عليه.

 

وتقول مسعودة الحامل في الشهر السادس: حملت ابني الشهيد على كتفي، وابني المصاب على خاصرتي وخرجت بهما أركض، وبمجرد خروجنا أخذ شباب العائلة ابني ودفنوه في المقبرة، ولم أرَه، مضيفةً بعينين باكيتين: حتى إنني لا أعرف في أية مقبرة دفنوه.. ثلاثة أطفال من ضمنهم المعتصم ومحمد (خمسة أشهر ونصف) وأحمد (خمسة أعوام) كلهم خرجوا في أول يوم مع الأحياء جثثًا، ودفنهم الرجال في الليل بصمت، دون أن يودعهم أحد.

 

تقول مسعودة: إن جثة زوجها ما زالت حتى الآن مع باقي جثث أفراد العائلة ولم يستطع أحد انتشالها، رغم أن الصليب الأحمر حاول مرارًا التفاوض مع جيش الاحتلال، لكن الأخير لم يسمح بذلك.

 

ولكن كيف بقي عبد الله ويعقوب وطفلان آخران وجدَّتهم على قيد الحياة؟!

 

يقول يعقوب السموني (12 عامًا) الذي يعاني من جروح خطيرة ومتعفنة في بطنه: كنت أجيب لهم البندورة وأسقيهم ماء، وأخوي إسحق قاللي أنا جوعان، وكانت كل الجثث حوالينا، والدجاج بينقرها، رأيت القطط تنهش جثة أمي ليلى!.

 

ويضيف: ربطت على جرحي وشربتهم مية وأعطيتهم بندورة، بس لما رحت أعطي أخوي إسحق حبة، لقيته مات من الجوع!!.

 

ويقول بصعوبة لكن بإصرار على أن يروي الحكاية: كنا عطشانين، حتى شفايفي كيف مشققة من العطش، كنت أشربهم كل واحد شوي، وظللنا على المياه في ظل برودة الجو والظلام الدامس.

 

حلمي السموني (15 عامًا) الذي يمتد أنبوب من أنفه إلى كيس خارجي يتجمع فيه دم ينزف من أمعائه؛ حيث أصابته شظية، وكان مع من خرجوا أول مرة يقول: "الجنود كانوا يرتدون زيَّهم تحت زي المقاومة؛ ظنًّا بأنهم مقاومة، لكن اتضح بعد ذلك أنهم جيش الاحتلال وقصفونا، ولم يسمحوا لنا بالهروب، وكلنا ترجينا "أمانة يا خواجة أمانة"، وجرينا مسافة طويلة واحنا حافيين وبنمشي على الزجاج والقصف".

 

ويتابع: رأيت رأس أمي يقع على ركبتي، ويدي امتلأت بدماء والدي وشقيقي الكبير، كلهم ماتوا، كما رأيت استشهاد زوجة عمي وأبنائها، ومن بقي على قيد الحياة خرج ينقذ نفسه وتركنا البقية لاعتقادنا أنهم ماتوا.