أعلن برلمان كوسوفا استقلال الإقليم وسط جدلٍ شديدٍ بين روسيا والولايات المتحدة, وداخل الاتحاد الأوروبي, ورفض صربي قاطع لاستقلال الإقليم.
وكان المبعوث الدولي الخاص بكوسوفا قد أوصى في تقريره باستقلال الإقليم, كما أن واشنطن هي التي قادت الحملة الدولية لهذا الاستقلال، واستجاب لذلك عددٌ من الدول الرئيسية في أوروبا وأهمها بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا, بينما اعترضت دول أخرى أصغر وهي قبرص واليونان وبلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا إلى جانب أسبانيا, ولدى هذه الدول جميعًا أقليات عرقية يمكن أن تحذو حذو كوسوفا فتقضي على الوحدة الإقليمية لهذه الدول.
إعلان الاستقلال من طرفٍ واحدٍ يضع الدول الإسلامية أمام قضية الاعتراف بكوسوفا دولة مستقلة, وتجد هذه الدول أمامها عددًا من الاعتبارات بعضها يدعوها إلى الاعتراف وبعضها الآخر يدفعها إلى عدم الاعتراف.
ومعلوم أن الدول ليست مجبرةً على الاعتراف, ولكنها مجبرة على عدم الاعتراف, إذا كان عدم الاعتراف يعد جزاءً على مخالفة قانونية دولية, ويظل قرار الاعتراف دائمًا قرارًا سياديًّا تتخذ الدول وفق تقديرها الذي يدخل فيه جوانب تتعلق بالضغوط والمصالح القومية.
والدول الإسلامية لا شك أمامها كل الاعتبارات لاتخاذ موقفٍ جماعي أو فردي, خاصةً إذا تقدمت كوسوفا للحصول على عضوية منظمة المؤتمر الإسلامي على غرار البوسنة ودول آسيا الوسطى؛ حيث لا يشترط ميثاق المنظمة الإسلامية أن تكون الدولة الطالبة دولة إسلامية, وإنما يعد طلب العضوية إقرارًا منها بأنها كذلك.
الاعتبار الأول: هو أن مجلس الأمن لن يمكنه أن يتخذ موقفًا إزاء استقلال كوسوفا؛ ذلك أن روسيا والصين, كلٌّ لأسبابه, تقفان ضد هذا الاستقلال من طرفٍ واحد, ولن يسمح الفيتو الصيني أو الروسي بصدور قرارٍ مؤيدٍ للاستقلال.
يترتب على ذلك أنه يستحيل انضمام كوسوفا للأمم المتحدة ما دامت موافقة مجلس الأمن هي الشرط الإجرائي الأساسي على طلب العضوية.
من ناحيةٍ أخرى لن يستطيع المجلس أيضًا بسبب الفيتو الثلاثي الأمريكي البريطاني، وربما الفرنسي إصدار قرار يعتبر استقلال كوسوفا باطلاً قانونًا, ويحظر على الدول الاعتراف بكوسوفا, وهو ما فعله من قبل عندما أعلنت الطائفة التركية القبرصية عام 1983م الاستقلال عن جمهورية قبرص, فرفض مجلس الأمن, وحظر اعتراف الدول الأخرى بها, فلم تؤيد القرار سوى باكستان من منطلقٍ عاطفي, ولم تعترف بها سوى تركيا, ولكن ظل البطلان قائمًا حتى اليوم.
ونظرًا للتشابه بين الحالتين, كوسوفا وقبرص الشمالية, فإن انتقاد روسيا في مجلس الأمن لواشنطن كان له ما يبرره, كما أن هذه السابقة لن تمنع حالات أخرى مثل قبرص, وهذا هو سبب اعتراض قبرص واليونان على استقلال كوسوفا.
الاعتبار الثاني: هو أن انتزاع كوسوفا من حضن الصرب أشد وطأةً والاعتراف بها أصعب من الاعتراف بقيام دولة فلسطينية تُعلن على أراضيها من طرفٍ واحد, وهو ما سوف يؤدي إلى تردد إسرائيل كثيرًا في الاعتراف, رغم الضغوط الكبيرة من جانب الولايات المتحدة على إسرائيل لكي تعترف بكوسوفا, ولكن اعتراف إسرائيل يتوقف على شعورها بالفرصة.
أما تركيا فقد اعترفت بكوسوفا, وكانت تركيا بين أمرين، إما الاعتراف حتى تفتح الباب لقبرص الشمالية لمعاودتة طرح قضيتها, أو عدم الاعتراف حتى لا يؤدي اعترافها بكوسوفا إلى تشجيع أكرادها وأكراد العراق على الاستقلال, كلٌّ في منطقته.
الاعتبار الثالث: هو أن كوسوفا قد أعلن استقلالها كوحدةٍ سياسيةٍ بصرف النظر عن ديانة سكانها وهم مسلمون, رغم أن ذلك ليس مقصودًا أمريكيًّا, فقد يكون ذلك عاملاً في حساب الاعتراف من عدمه في العالم الإسلامي.
الاعتبار الرابع: هو أن صربيا قد تضطر إلى إحداث توازن بين حزنها العاطفي على انتزاع إقليمٍ توقفت سيادتها عليه منذ عام 1999م, وبين رغبتها في الانضمام للاتحاد الأوروبي, وأن إصرارها على عرقلة استقلال الإقليم سوف يواجه برد أوروبي وأمريكي يؤثر على مساعيها لعضوية الاتحاد الأوروبي.
ويرى البعض أن انفصال هذا الإقليم هو مجرد حادثة انفصالية, وإن كانت من صلب جمهورية الصرب, بعد تفكك الاتحاد اليوغوسلافي, وحيث أدَّى ذلك إلى توحش الصرب ضد الجمهوريات السابقة.
الاعتبار الخامس: هو أن جرائم الصرب ضد مسلمي البوسنة لا تزال ماثلةً في الذهن الإسلامي, وربما يكون الاعتراف الإسلامي بكوسوفا انتقامًا من الصرب ولفتة تضامن مع أبناء العقيدة, خاصةً أن يوغوسلافيا كانت قد اعترفت بالصحراء الغربية؛ مما ألهب عواطف المغاربة, وربما يكون ذلك واردًا في حساباتهم.
الاعتبار السادس: هو أن واشنطن سوف تمارس ضغطًا هائلاً على العالم الإسلامي؛ مما يجعل لهذا الاعتبار وزنًا كبيرًا، خاصةً أنه لا يوجد قرار دولي يدعو لحظر الاعتراف.
في ضوء هذه الاعتبارات الست, يتوقع أن تتباين مواقف الدول الإسلامية من الاعتراف بكوسوفا، خاصةً أن الدول الإسلامية لا تعترف بشكلٍ جماعي، وإنما تقوم كل دولة بدراسة موقفها, خاصةً أن الولايات المتحدة هي الطرف الأخير في المعادلة.
وعلى أية حال, فإن الطابع الإسلامي لكوسوفا ليس واردًا في حسابات الدول الإسلامية، وهي تدرك تمامًا أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تُساند قيام دولة إسلامية في هذه المنطقة, وهي تعلم نموذج البوسنة المجاورة والتي أعلنت اعتراضها على استقلال كوسوفا حتى لا تتفكك هذه الجمهورية الفتية، والواقع أن قضية الاعتراف بكوسوفا مشكلة ليست محصورةً في العالم الإسلامي فحسب وإنما تمتد إلى العالم كله.