في بعض الأحيان قد تشغلنا بعض المشكلات البسيطة التي تصرفنا، ولو إلى حين، عن الاهتمام بالقضايا الكبيرة والمهمة في حياتنا، لكن ماذا تصنع إذا كانت هذه المشكلات في عقر دارك؟ إنك حينئذٍ تكون مضطرًّا إلى معالجتها، ولو تطلَّب ذلك منك وقتًا وجهدًا، مثلاً:
اكتشفت زوجي أن هناك ضيفًا ثقيلاً يزورنا كلَّ ليلة، وقد ترك آثارَه التي تدلُّ عليه في بعض ثمار الخيار والطماطم، فضلاً عن بقاياه التي خلَّفها وراءه في أماكن متفرقة من المطبخ.
وتحت إلحاح زوجي بضرورة التصرُّف لمواجهة هذه المشكلة، كلفت بعض موظفي المكتب بالبحث عن مصيدة مناسبة إضافةً إلى سمِّ الفئران، قالوا سنأتيك بالمصيدة، وأما سمُّ الفئران فلا ننصح باستخدامه؛ حيث إن الفئران تشمه من بعيد فلا تقترب من الطُّعم الموجود.
وحضرت المصيدة، وحملتها إلى زوجي وأنا فرِحٌ سعيدٌ، وقلت سوف نريحك إلى الأبد من هذا الضيف الثقيل، ولن تكون هناك شكوى بعد اليوم، وتستطيعين من الآن أن تطمئنِّي على الخيار والطماطم، وأن تنامي غير منشغلة بأي شيء.
وفي الليل وأنا أقوم بإعداد المصيدة، ووضع قطعة الطماطم.. أقصد الطُّعم.. في المكان المخصَّص لها إذ بزوجي تسألني: ماذا نصنع مع الفأر بعد دخوله إلى المصيدة؟ واحترتُ في الإجابة عن السؤال؛ لأني لم أكن فعلاً أعرف ما يجب اتخاذه في هذه المسألة، وقلت في النهاية: دعي الفأر يدخل أولاً ثم بعد ذلك نفكر ما الذي يمكن أن نفعله معه.
وأغلقنا نور المطبخ ولقلة خبرتنا في هذا المجال وضعنا المصيدة على "رُخامة" المطبخ، وأغلقنا النور، وأويتُ إلى مضجعي تاركًا زوجي تكمل تجهيز بعض الأشياء لليوم التالي، ودخل الفأر- كأنه العجل- من شفَّاط هواء المطبخ، وتسلَّل حتى أتى إلى المصيَدَة فدخلَها قاصدًا الطعم وحين أراد التهامه أطبقت عليه المصيدة، وكان أن أغلقت بابها على ذيله، فبدأ في الصراخ والحركة بعنف!!.
والحقيقة أن هذه الجلبة أيقظتني من النوم، وأيقنتُ أن صاحبنا قد وقع في الشَّرَك، لكني عاودتُّ النوم مرةً أخرى، وأدركت زوجي ما يحدث، فجاءت توقظني على عَجَل لأتصرَّف وهي تقول: لقد دخل الفأر في المصيدة، فرددت عليها بغيظ: أعلم ذلك، ولكن دعيه حتى الصباح، وعدت إلى النوم مرةً أخرى، وذهبت هي إلى المطبخ لترى- بدافع الفضول- ما يحدث هناك، ولما كانت المصيدة صغيرةً، فضلاً عن أنها مصنوعة من الصاج الخفيف، فقد استطاع الفأر بضخامته أن يحرِّكها وأن يقلبها عدة مرات، وأن يسقط بها على أرضية المطبخ؛ الأمر الذي أدى إلى أن ينفتح بابها، وبالتالي ينطلق منها مسرعًا قاصدًا شفاط الهواء كي يعبره إلى الخارج ناجيًا بنفسه، وبذلك حلَّ لنا مشكلة التصرف معه، لكن هذا لم يمنعنا من التفكير في الزيارات التالية.
وعدت إلى موظفي المكتب مرةً ثانيةً وحكيت لهم ما صنع الفأر معنا، واختلفت الآراء، فمن قائل: نأتي بمصيدة كبيرة وثقيلة فلا يستطيع الفأر "العجل" أن يحرِّكها، ومن قائل: ولماذا لا نسدّ الفتحة التي يدخل منها الفأر، لا بد من وضع سلك من الخارج يسد الفتحة التي تؤدي إلى شفاط هواء المطبخ.
واستحسنت الفكرة الثانية؛ فالوقاية خير من العلاج، ولكني استدركت وقلت: لا بأس من وجود المصيدة لاحتمال وجود فئران أخرى في البيت، ومن ثم فالأفضل أن نسير في خطَّين متوازيين: سدّ الفتحة، والمصيدة.
قالوا: هناك فكرة ثالثة، قلت: وما هي؟ قالوا: هناك لاصق يمكن وضعُه على قطعة كارتونية نغمس فيها الطُّعم، حتى إذا جاء الفأر لالتهامه التصق في الكارتون فما يستطيع الحركة، قلت: إن مواجهة الفئران بكل الوسائل الممكنة هو عين الصواب.
وبالفعل قُمنا بسداد الفتحة، وأعددنا المصيدة المناسبة، وقِطَعْ الكارتون ذات اللاصق، وانتظرنا يومًا ويومين أن يأتي أحد الفئران، ولكن دون جدوى، فإما أن يكون الباب سُدَّ أمامها ولم يعُد هناك أمل أو أنها فضَّلت البحث عن شقة أخرى تجد فيها ضالتَها، أو أنها ما زالت تبحث في كيفية مواجهة هذه الاستحكامات والتغلُّب عليها..
عمومًا.. الحرب سجال، ولن نُعدَمَ من جانبنا حيلةً أو وسيلةً نواجه بها هذا العدو اللئيم، المهمُّ أن نتحلَّى بقدرٍ عالٍ من اليقظة؛ فقديمًا قالوا: "الاطمئنان يُورِّث الغفلة"، وقالوا أيضًا: "يؤتى الحذر من مأمنه".
-----------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.