سَعِدْنا للأسباب الحقيقية التي أجمع الكثيرون- ومنهم أفراد البعثة الرياضية- أنها كانت وراء الأداء المتميز في البطولة الأفريقية، وحَصرَ الكابتن سمير زاهر رئيس الاتحاد هذه الأسباب في: الإيمان بالله، والمحافظة على الصلوات الخمس، والإخلاص للوطن، وذكر الكابتن حسن شحاتة نفس الأسباب تقريبًا، وذكر غيره من اللاعبين وأفراد البعثة أنها الأخلاق ورُوح الفريق.

 

وقد سمعتُ أحدَ المُعَلِّقين يُداعبُ أحدَ اللاعبين قائلاً له: إن شاء الله تسجل هدفًا في المباراة النهائية، فقال له اللاعب: ليس المهم أن أسجِّل أنا، إنما أي زميلٍ يسجل بإذن الله.

 

وهذا أحسنُ تعبيرٍ عن رُوح الفريق التي لو انتقلت إلى أية جهة أو مؤسسة لنجحت وحققت أهدافها، وهي- ببساطة- أنْ يبذلَ الجميعُ جهدَه ويتمنَّى نجاح الفريق، بِغَضِّ النظر عن موقعه؛ فحتى لو كان على مقاعد الاحتياط، فمشاعره مع فريقه كما لو كان هو الذي أحرز الهدف.

 

هذه الروح الجميلة والتصرفات التي أثلجت صدور غالبية الشعب المصري والعربي؛ مثل سجود الشكر، والتعاطف مع المُحاصِرين في غزة، هذه الأخلاق العالية هي السبب الحقيقي في فرحة الناس، وهي تقوم مقامَ الفوزِ لو فاتنا الفوزُ؛ فما بالنا وقد صاحبها الفوز؟!، فبدلاً من أن نشيرَ ونركز على هذه الأسباب إذا ببعض لهجاتِ الغرور نلمسها في الصحافة وأجهزة الإعلام؛ عن أحفاد الفراعنة، وأباطرة إفريقيا الذين روَّضوا الأسود وقهروا الأفيال واصطادوا التماسيح واقتنصوا الصقور!!.

 

إنها لهجةٌ بها مسحةُ غرور على النقيض تمامًا من لهجة صانعي الفوز أنفسهم، والذين كانت لهجتهم كلُّها تواضع ودعاء وسجودُ شكرٍ لتوفيق الله- تعالى- لهم، وما أظن أنَّ أحدًا منهم كان يبيت يحلم بإيزيس أو أوزوريس، أو رمسيس الأول أو الثاني؛ ليستلهم العزيمة القوية في الملعب باعتباره من أحفادهم!!، وإنما كانوا- كما وصفهم الكابتن سمير زاهر- ينتفضون من نومهم لصلاةِ الفجر.

 

إنَّ للقدماء المصريين بعض الآثار والإبداعات التي ندرُسها ونتعلمُ منها ما يفيدنا، ولكن ليس كلُّ قدماء المصريين فراعنة، والانتساب إلى فرعون- والذي هو رمز الاستبداد في أعلى صوَرِه- هي نسبةٌ لا تُشرِّف، والقرآن الكريم ما ذكره في معرض مدح، وإنما أشار إلى مدى تَسَلُّطِه وجبروته، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: من الآية 38)، ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى﴾ (غافر: من الآية 29).

 

إننا يجب ألا ننساق من غير أن نشعر إلى أساليب الأعداء في تمييع الانتماء وفي تغييب الأسباب الحقيقية في النصر؛ فإن ذلك من شأنه ألا نستطيع تكراره، إن الله نصرَنا في حرب العاشر من رمضان بفضل اللجوء إليه- سبحانه- وكان شعارُ الجنودِ صيحةَ "الله أكبر" وهم صائمون، فيجب أن نذكر ذلك تمامًا في كل احتفالٍ بهذه الذكرى، أما تحويلها إلى أننا "نحن الفراعنة أحفادُ الفراعنة، قد انتصرنا وقهرنا الأعداء بقوتنا"، فهذا خطابٌ إعلامي يُحرِّفُ الأمورَ عن حقيقتها، ويخدم العدو ولا يسرُّ الصديق.   

-----------

ahmadbelals@yahoo.com