هذا الشعب الكوسوفي العريق وقف صامدًا إزاء تلك الهجمات الشرسة التي كادت تعصف بحياته كليةً في العديد من الأحيان، وقد قدمت كل فئات الشعب وطوائفه من ساسة ومفكرين وتربويين وعلميين كل الجهود في سبيل الحفاظ على الهوية الألبانية وبقاء كوسوفا جبلاً شامخًا لا تؤثر فيه الأحداث، ولا تهزه العواصف.
![]() |
|
د. بكر إسماعيل الكوسوفي |
وبفضل تكاتف الجهود وإخلاص النية والعمل، وتوافر عوامل ومقومات الجهاد والكفاح، تمكَّن الشعب الألباني من أن يثبت وجوده على الساحة العالمية، فضلاً عن الساحة البلقانية، وأثبت للعالم أجمع أن كوسوفا بكوادرها وروادها قادرةٌ على أن تكون دولةً ذات سيادة وقانون، ويحق لها الانخراط في سلك المجتمع الدولي كدولة مشاركة في عمليات النهضة والسلام على المستوى العالمي.
وإنما كان ذلك كذلك بسبب مرحلة العناء والعذاب الطويل التي عاشها وعايشها الشعب الألباني في كوسوفا؛ إذ إنه تعرَّض في معظم فترات حياته لعمليات إبادة على أعلى نطاق ومستوى، وقد آن الأوان وحانت الساعة لأن يتنفس الشعب الصعداء، وينعم بالحرية والاستقلال شأنه في ذلك شأن سائر شعوب العالم، لا سيما أنه يقوده الآن مجموعةٌ من الساسة والمفكرين والعقلاء الذين هم ذوو بصيرة وخبرة بالأمور وإدارة الأزمات وشئون البلاد بمهارة وحكمة، وتحقيق مبدأ الاستقرار وضمان العيش في سلم وأمان لكافة الأعراق الموجودة على أرض كوسوفا.
ومما يؤكد استحقاق كوسوفا للاستقلال والحرية ما نشرته جريدة (نيويورك تايمز) عن تلك المذابح المروِّعة التي ارتكبها الجيش الصربي في حق الألبان إبَّان الحرب العالمية الأولى.. وإليك نص المقال الذي نشرته الجريدة ليكون وثيقة وشاهدًا على ما نقول:
- الجيش الصربي وبحار من الدماء
- آلاف من النساء والأطفال ذُبحوا حسب التقارير المجرية
- القتل أصبح رياضةً صربيةً
- التعذيب هو السياسة المتَّبعة للقضاء على المسلمين
رسالة خاصة لصحيفة (نيويورك تايمز) لندن-الثلاثاء 31 من ديسمبر 1912:

"وصفت الرسالة الإخبارية المبعوثة من المجر إلى جريدة الـ"ديلي تلجراف" الإنجليزية نقلاً عن تقارير المسئولين المجر تفاصيلَ عمليات التعذيب في ألبانيا وأماكن أخرى، أضاف المراسل أن: "خلال مسيرة الجيش الصربي عبر ألبانيا إلى البحر لم يكتفِ الصرب بقتل الألبان المسلَّحين، ولكن وحشيتهم لم تفرِّق بين المسلَّح والأعزل، بين الشيوخ والنساء، بين الأطفال والرضَّع".
أعلن الضباط الصرب في نشوة النصر أن الوسيلة المثلى لتهدئة ألبانيا هي التصفية النهائية للمسلمين الألبان، هذه السياسة تبنَّاها جيش الاحتلال الصربي ووضعها في حيز التنفيذ؛ حيث قاموا بقتل 3.000 شخص بين مدينتَي كومانوفا- (Kumanova) وأوسكوب- (Uskup)، بالإضافة إلى 5.000 آخرين بالقرب من بريشتينا- (Prishtina) كما حاصروا أرناؤوطة (سقطت أرناؤوطة في يد الصرب بطريقة غير شرعية).
اخترع الجنود الصرب طرقًا بشعةً جديدةً للتعذيب؛ لإشباع حبهم للدم، وقد تم إحراق كل البيوت في العديد من القرى، وعند محاولة فرار أهالي هذه القرى من النيران تمَّ رشقهم بالرصاص مثل الفئران من قِبل الصرب.. قُتل الرجال أمام زوجاتهم وأولادهم وأمام أعين الأمهات، مزَّق الصرب أجساد الأطفال!!.
قتْل الأبرياء أصبح التسلية اليومية للجنود الصرب، وعند اكتشاف قطعة سلاح في أي منزلٍ يقوم الصرب بقتل جميع سكان هذه المنازل رميًا بالرصاص أو شنقًا.. وفي يومٍ واحدٍ تجاوز عدد القتلى 36 شخصًا.
أعلن السكرتير السابق لرئيس الوزراء باسيتش أنه خلال رحلته ما بين بربرزرن- (Prizren) وبيا- (Peja) لم يرَ شيئًا غير طبيعي، في حين أنه قد تمَّ حرق قرًى بأكملها، وصُفَّت المشانق على جوانب الطرقات، وكان الطريق المؤدي إلى جاكوفا- (Gjakova) أشبه بزقاق المشانق!!.
قصص التعذيب التي ارتُكبت في ألبانيا لا نهاية لها، والأعمال الإجرامية التي ارتكبت في بريلب وكوسوفا وويستشتزا فاقت كل ما تحمَّله الألبان تحت الحكم التركي.
روى أحد الألبان الفارين من برزرن إلى جراس، والذي أتم دراسته في النمسا الآتي: "إن أي شخص يقوم بالبلاغ على ألباني تكون النتيجة إطلاق النار على الألباني؛ لذلك لجأ كثيرون إلى الهروب من ديونهم بهذه الطريقة، وبعد شنق الدائن بتهمة الخيانة يقوم المدين بشراء المنزل والمزرعة بأبخس الأسعار.
في مدينة أوسكب أطلق الجنود الصرب النيران على الألبان العزَّل في الطرقات، وتمادى الجنون إلى حدٍّ كبيرٍ؛ فإذا وجد سكين صيد في منزل يقتل صاحب المنزل بدون رأفة.
قام القائد الصربي في مدينة فريسوفيتش بدعوة الفارين من الألبان إلى العودة وتسليم أسلحتهم، وعندما قَبِل الألبان وعادوا قتل الصرب 400 شخص ولم يُترك في مدينة فريسوفيتش (كوسوفا) سوى 6 عائلات مسلمة على قيد الحياة!!.
قتل الصرب المعتقلين في مدينة باما، في حين تم ذبح السكان في فاروس وبريشتينا.. اعترف الضباط الصرب بأنهم تتبعوا الألبان، وتفاخر أحد الضباط بأنه قتل تسعة ألبان في يوم واحد!!.
وحتى خارج حدود ألبانيا، قام الجنود الصرب باقتراف أبشع الجرائم؛ في قلعة نيش؛ حيث احتُجِزَ أعداد من المساجين الأتراك، قام الصرب بركل أحد الأتراك حتى الموت بتهمة تمرده على الأوامر!!.
أقر طبيب في منظمة الهلال الأحمر أنه كلما وجد جثثًا لألبان كانوا مذبوحين بدون رحمة، حتى الشيوخ والنساء والأطفال لم يُستَثنوا من نفس المصير، وأضاف الطبيب أنه شاهد حرق القرى في صربيا القديمة كل يوم.
بالقرب من مدينة كراتوفو صفَّ الجنرال ستفانوفيتش مئات من المساجين وقتلهم بالأسلحة الآلية، أما الجنرال زيفكوفيتش فقام بقتل 950 من الوجهاء الألبان والأتراك بالقرب من سينتزا؛ لأنهم عارضوا تقدمه"!!.
جريدة (نيويورك تايمز)
نشر المقال في 31 ديسمبر 1912
وهذا المقال اقتبسته الجريدة من أرشيف لندن الصحفي بتاريخ 31 من ديسمبر 1912.
وهذا كله أكبر شاهد ودليل على حق كوسوفا في الاستقلال والإنعام بالحرية بعد غيابها سنوات طويلة وأزمنة عديدة, ونسيان ذلك الأنين تحت وطأة الجيش الصربي ومن يقومون بإدارته.
----------
