![]() |
|
شعبان عبد الرحمن |
بين تصريحات كبير أساقفة كانتربري مؤخرًا، التي دعا فيها إلى "التفكير في الاستعانة بقوانين الشريعة الإسلامية في معالجة بعض قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين في بريطانيا، وإعادة الصحافة الدنماركية (17 صحيفةً يومية) نشرَ الرسوم الحقيرة المسيئة للنبي- صلى الله عليه وسلم- أقول: بين الحدثَين بَوْن شاسع في المعنى والمغزى، وإن كان ميدان حدوثهما الأراضي الغربية.
فتصريحات "د. روان ويليامز" كبير أساقفة كانتربري صدرت- وفق قوله- بعد دراسةٍ عميقة، ولم تخرج عن دائرة حرية الرأي والتعبير، بينما فعلة الصحافة الدنماركية جاءت بمثابة انتفاضة هستيرية كرد فعل على واقعة ضبط ثلاثة مسلمين يخططون لاغتيال صاحب الرسوم الحقيرة، وثبتت براءة هؤلاء، وتمَّ الإفراج عنهم بعد ساعاتٍ من اعتقالهم، ورغم ذلك فقد قوبل حدث إعادة نشر الصحافة الدنماركية للرسوم باغتباطٍ في الساحة الغربية، وبحديث مكثَّف عن حرية الرأي والتعبير، بينما قوبل رأي كبير الأساقفة من نفس الأوساط بحالة هستيرية من الغضب العارم؛ حيث توارت شعارات حرية الرأي والتعبير تمامًا.. فهل هناك نفاق أكثر من ذلك؟!.
عندما تكون الضحية الإسلام أو المسلمين تتكاثر شعارات حرية الرأي والتعبير، وتتعالى الحناجر المنافحة عن الحرية، وعندما يبرز رأي ينصف الإسلام تُداس تلك الحرية بالأقدام!!.
كلام كبير أساقفة كانتربري لم يتعدَّ اقتراحًا بتطبيق بعض القوانين الإسلامية على المسلمين- وليس على غيرهم- في الأحوال الشخصية والقضايا المالية، وقد كان كبير الأساقفة (57 سنةً) يحاول باجتهاده المدروس إتاحة جزء يسير من أرضية الاندماج للمسلمين في المجتمع البريطاني، لكن الذي حدث أن هذا الاقتراح- مجرد اقتراح- أشعل حريقًا في بريطانيا، وأقام الدنيا ولم يقعدها بعد؛ حيث أجمعت وسائل الإعلام على رمي الرجل بتهمة الدعوة العلنية لتطبيق الشريعة الإسلامية كلها في المجتمع البريطاني، وتباينت الاتهامات بين مطالبته بالاستقالة إلى المطالبة بسحقه؛ فقد أصبح الرجل- حسب قول "أليسون روف"، وهو عضو المجمع الكنسي عن مدينة لندن- "يمثل كارثةً"، ولدى "وليام دوبي"- وهو عضو سابق في المجمع الكنسي- يمثل كارثةً وخطأً تراجيديًّا، وربما خفَّف من وقع هذه الاتهامات وصْف رئيس الحكومة البريطانية "جوردن براون" (الإثنين11/2/2008م) للرجل بأنه "شخصية تتمتع بقدرٍ عظيمٍ من الاستقامة".
والمتأمل لردود الفعل الغاضبة على كبير الأساقفة الذي يتولَّى رئاسة الكنيسة منذ عام 2002م يجد نفسه أمام حالة حرب وليس أمام رأي ورأي آخر، أو حتى معارضة عنيفة للرجل، ولكنها حملة تحريض وإعدام معنوي لكبير الأساقفة، وربما يمتد الأمر لإخراجه من كنيسته وتجريده من كل مؤهلاته الكنسية والحَجْر عليه؛ لأنه اجتهد- مجرد اجتهاد- في مجتمع العلم والحضارة والعقل وحرية الرأي.
الأمير "تشارلز" كان أحسن حالاً من كبير الأساقفة، فرغم أنه واجه حملات مشابهة عقب تصريحاته الإيجابية عن الإسلام خلال زيارته للأزهر الشريف عام 1994م، ومخاطبته لتلاميذ مدرسة "يوسف إسلام" الإسلامية خلال زيارته لها عام 2000م بالقول: "أنتم سفراء لعقيدة أحيانًا ما يُساء فهمها"، لكن هذه التصريحات قوبلت بحملة أقل شدة مما يتعرض له كبير الأساقفة.
واللافت هنا أن بريطانيا أمَّ الديمقراطية وحرية الرأي- كما يسمونها- لم تصمد أمام رأي شخص، وأي شخص؟!.. كبير الأساقفة الذي يعرف ما يقول، ويُفكِّر فيما يقول، ولم يبلغ درجته الكنسية إلا بعد حصوله على مؤهلات علمية وخبرات واسعة، وبالتالي فهو عندما ينطق برأي كهذا فلا بد أنه محَّصه جيدًا، وكان يجب الاستماع إليه ومناقشته على الأقل.
لقد صدَّعونا بحرية الرأي والفكر عندما احتضنوا سلمان رشدي- ومن على شاكلته- صاحب السب الأعظم في الإسلام ونبيه، وملئوا الدنيا ضجيجًا وهم يحتضنون كل ناعق، متهمين الشرق الإسلامي بعدم احترام حقوق الإنسان، بينما يسقطون في أبسط اختبارات الديمقراطية وحرية الرأي واحترام حقوق الإنسان في كل محك مع الإسلام.. لقد أُصيبوا بحالةٍ هستيرية وهم يستمعون لحَبْرهم الكبير!!.
إن ما جرى يكشف إلى أي حد تشبَّعت المجتمعات الغربية بمعلوماتٍ وأفكار مغلوطة عن الإسلام حتى أصبحت لا تجد فيه ميزةً واحدةً، ويكشف كذلك عمق ما شحنت به تلك المجتمعات من موجات حقد وكراهية متتالية، حتى صارت لا تُطيق سماع كلمة حق واحدة بحق ذلك الدين، وإن جاءت من كبيرِ أساقفتهم؛ وذلك يُلقي علينا مسئولية العمل على تصحيح تلك الفكرة عبر الوسائل العلمية والفكرية والحوار المتبادل، والمعني بتلك المهمة هنا هم العلماء والمفكرون والقائمون على العمل الإسلامي؛ فربما وجدوا هناك مَن يستمع إليهم.
---------------
* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية- Shaban1212@hotmail.com
