قد يكون من باب التكرار القول بأن قطاع غزة يعيش حصارًا استثنائيًّا غير مسبوقٍ يشمل كافة مناحي الحياة، وبكل ما لهذا الحصار من انعكاساتٍ مباشرة وغير مباشرة على حياة الأفراد والمؤسسات، وبالتالي على سيرِ حياة المجتمع الغزي بشكلٍ عام، ولربما الحديث الآن عن الحصار في حدِّ ذاته يبدو متأخرًا ويمثل حالةً من الترفِ الإعلامي والسياسي على حدٍّ سواء، خاصةً بعد أن تبنَّت هذه الأزمة وسائل إعلامية بذاتها، وتمكَّنت من إدارتها بنجاحٍ كبير، أقل ما يمكن القول فيه إنه أجبر الجميع بلا استثناء على تقبُّل نتائج تفجير الحدود، وما تلاه من اندفاعِ تلك الجموع المحاصرة باتجاه الشقيقة مصر للتزود بما حُرِموا منه على امتدادِ أكثر من نصف عام، وتحديدًا منذ انقلاب حماس.

 

ستدخل "إسرائيل" التاريخ من أبواب عديدة، ليس من بينها القيام على حساب شعب فلسطيني أعزل، وقتل وتشريد ملايين من أبنائه فقط، وإنما كأكبر جيتو من نوعه، فهي تحيط نفسها بجدران عازلة في كل الاتجاهات، أحدها في الضفة الغربية على طول الخط الأخضر، وثانيها في جنوب لبنان؛ حيث الأسلاك الشائكة المكهربة، وثالثها عند الحدود مع قطاع غزة، أما الرابع فقد أقرَّه مجلس الوزراء "الإسرائيلي" على الحدود مع مصر التي تمتد لأكثر من 250 كيلومترًا، تحت ذريعة الخوف من تهريب أسلحة وصواريخ إلى قطاع غزة أثناء اقتحام السور الحدودي مع مصر، يمكن أن تستخدم في هجماتٍ فدائيةٍ في المستقبل القريب.

 

المشكلة أن ثقافة الجيتو هذه التي يتبناها قادة "إسرائيل" هذه الأيام، لا يطبقونها على أنفسهم، باعتبارها حقًّا حصريًّا لهم، جاءت معهم من أوروبا، وإنما على الفلسطينيين أيضًا، فكل مدينة أو قرية فلسطينية تتحول حاليًا إلى جيتو مصغر، بسبب الحواجز التي يُقيمها الجيش "الإسرائيلي" في مختلف أنحاء الضفة الغربية.

 

ومن المفارقة أن هذه العقلية "الإسرائيلية" الرافضة للتعايش، المصرة على سياسات العزل العنصري، تتمسك ببناء الأسوار الفاصلة في زمن ثبت فيه فشلها، ليس لأننا في عصر العولمة والانفتاح، وإنما لأن جميع الجدران انهارت، بما في ذلك سور برلين، وقبل أيام سور غزة، فمهما علت هذه الأسوار، لا يمكن أن تحمي الذين يقفون خلفها إلى الأبد، ومآلها إلى الانهيار، وسور الصين العظيم خير شاهد على هذه الحقيقة، ناهيك عن أسوار أخرى عديدة انهارت مثل بيت العنكبوت أمام الإرادة الشعبية الكاسحة.

 

جميع الدول الأفريقية وقفت إلى جانب نيلسون مانديلا في حربه العادلة ضد النظام العنصري، وقدمت آلاف الضحايا، وفتحت أراضيها لحركة المقاومة، ومدتها بالمال والسلاح والرجال حتي أطاحت بالنظام العنصري، ولم نسمع أن أي دولة أفريقية عايرت مانديلا، أو امتنت عليه بالوقوف إلى جانبه، وما ترتب على ذلك من خسائر اقتصادية أو بشرية لشعبها.

 

هؤلاء الزعماء العرب الذين استقبلوا الرئيس جورج بوش بالأوسمة، والنياشين، ورقصات السيوف، وعقود الأسلحة الدسمة بعشرات المليارات، لماذا لم يتصلوا به غاضبين مطالبين بالتدخل لدى أصدقائه "الإسرائيليين" لوقف هذه المأساة الإنسانية المروعة في قطاعٍ صغيرٍ محاصر؟ كأي مواطنٍ عربي والطبيعة البشرية العربية، والغريزة التي لا يمكن أن تبرح ترابطنا، وقوميتنا وحبنا، وعشقنا لروابط الدم والصلة والانتماء والبيئة التي وجدت بالنفس، وجدت نفسي أنجذب، وأتابع بطولة كأس الأمم الأفريقية 2008م التي اختتمت في غانا يوم الأحد الماضي، وتُوج بها المنتخب المصري بطلاً للمرة السادسة في تاريخه.. يعيش أهل غزة في ظل شظف من العيش وحصار خانق طال كافة مناحي الحياة لا لشيء إلا لأنهم أبوا الخنوع والركوع، وأخذوا على عاتقهم الذود عن مقدسات الأمة وحرماتها التي انتهكت.

 

اشتدت الأزمة على الإخوان والأحباب بغزة، صمت مخجل على مستوى الأنظمة، وفي وسط هذا الحصار ومرارته أراد أهل غزة أن يمكثوا وقتًا ليخرجوا فيه من ظلم الحصار ويمتعوا أنفسهم بمشاهدة مباراة لكرة القدم بين المنتخبين الشقيقين المصري والسوداني.

 

وفجأةً وبينما هم يتابعون المباراة إذا بهم يُفاجئون بلاعبِ المنتخب المصري "محمد أبو تريكة" يكشف عن قميصه الداخلي ويحمل شعارًا "تعاطفًا مع غزة"؛ وذلك بعد إحرازه هدفًا في المرمى السوداني.. كانت لحظةً لم يتمالك فيها العديد من المشاهدين الغزاويين عيونهم من البكاء عندما وجدوا في طيات هذا المستطيل الأخضر مَن يحمل همومهم، وآلامهم وآهاتهم.

 

كانت لحظةً مثيرةً للغاية غرست الأمل في نفوس أهل غزة، وجعلتهم يشعرون بأن لهم إخوانًا يشعرون بشعورهم ويسعون جاهدين لحمل همومهم للعالم، لقد استطاع هذا اللاعب الذي يحمل رسالةً ساميةً من وراء لعبه لكرة القدم، ليست رسالة هدفها المال والشهرة بقدر ما هي رسالة تحمل في طياتها أملاً لهذه الأمة التي تكالبت عليها الأمم، لم ينس "أبو تريكة" أن له إخوانًا محاصرين، وأخوات يشتكين نخوة العرب، وأطفال أخذت دولة الكيان الصهيوني على عاتقها زرع الخوف في نفوسهم، لقد استطاع أبو تريكة أن يوجه أنظار العالم لمعاناة غزة الجريحة، والمحاصرة مستخدمًا كل إمكانياته التي بحوزته بالتزامن مع فشل النظام العالمي من اتخاذ قرارٍ من قبل مجلس الأمن الدولي الذي لم ير منه الفلسطينيون سوى المصائب، والتعامل معهم على أنهم إرهابيون يجب أن يركعوا للكيان الصهيوني ليرضى عنهم العالم.. رأى الأخوة في غزة أن مثل هذا الأمر يعد عظيمًا في نظرهم في ظل تنكر الأنظمة لهم، وغياب التضامن الحقيقي مع إخوانهم بغزة، فالأنظمة العربية على ما في يديها من أوراق ضغط تسمح على الأقل بعيش إخوانهم بغزة بكرامة إلا أنهم أبوا استخدامها، وآثروا الذل والخنوع، إن ما فعله أبو تريكة هو استخدام الورقة التي بحوزته ليقدم لأمته وبالفعل نجح أيما نجاح في ذلك، لم يكن هدف أبو تريكة استهلاكيًّا لتمرير مشروع صفوي مثلاً لا يمت لقضية شعبنا بصلةٍ ولم يرد أن يتسلق على ظهرنا بل حصل على إنذارٍ قد يُكلِّفه الكثير.

 

قال أبو تريكة في تصريحاتٍ صحفيةٍ لوكالة الأنباء الألمانية: إنه لم يحمل القميص معه من مصر إلى غانا، ولم يُفكِّر في هذه الخطوة قبل سفره للبطولة، لكن "الحصار الجائر" الذي كان يتعرَّض له الشعب الفلسطيني في غزة أثار "ألمًا شديدًا" في نفسه، وجعله يبحث عن أي وسيلةٍ يساعده بها. وأضاف قائلاً: "وجدتُ في الفندق الذي كنا نقيم فيه في غانا خلال البطولة محلاًّ لطباعة الصور على القمصان، فخطرت لي فكرة طباعة قميص يحمل تضامني مع شعب غزة، ولم يعلم أحد من زملائي اللاعبين بما قمتُ به، وكنت مصرًّا على ألا يرى أحدٌ من الجهاز الفني القميص؛ حتى لا أُثير نوعًا من البلبلة في صفوفِ الفريق".

 

وأشار أبو تريكة إلى أنه قرر عمل القميص بعد مباراةِ الكاميرون في سريةٍ تامة، وتمنَّى أن يحرز هدفًا خلال مباراة السودان، وبالفعل تحقق له ما أراد، ولم يحرز هدفًا واحدًا ولكنه سجَّل هدفين.

 

ورغم عِلم أبو تريكة بأن هذه الواقعة من المؤكد أن تجعل حَكَم المباراة يمنحه بطاقة صفراء، إلا أنه أصرَّ على أن يظهرها أمام وسائل الإعلام العالمية والعربية والأفريقية، وذلك لإبداء نوعٍ من التعاطف مع الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة.

 

إن حماس الجماهير العربية التي ناصرت المنتخب المصري خيلت لي أن المنتخب المصري على مشارف بيت المقدس، وكل العرب ترفع شعارات مصرية وأغاني مصرية قديمة "الأرض بتتكلم عربي، وأخي جاوز الظالمون المدى"!.

 

لقد رفع لاعب غاني اسمه جون بانتسيل العلم الإسرائيلي في مونديال ألمانيا عام 2006م ويذكر أن هذا اللاعب كان من لاعبي "هبوعيل تل أبيب" الصهيوني. وفي هذا الموقف تجلت العنصرية والمعاني السياسية، ولم يعاقبه أحد، ولم يتحدث أحد محتجًا، فلماذا ذلك الغضب من أبو تريكة الذي دمج بين الرياضة النظيفة والروح الإنسانية الراقية؟.

 

اللاعب المصري محمد أبو تريكة تحوَّل في ليلةٍ وضحاها من بطلٍ شعبي مصري، وعربي ومسلم، عندما احتفل بهدف سجله في البطولة الأفريقية الكروية بإظهار قميصٍ داخلي مكتوب عليه باللغتين العربية والإنجليزية "تضامنًا مع غزة"، إلى شخصٍ خائن لبلده، ووطنه في بعض الصحف المصرية الرسمية، فقد كان واجبًا عليه أن يكتب "تعاطفًا مع السيادة المصرية"؟ ومن "أبو تريكة" إلى "أبو الغيط"!.

 

تصريحات وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط أثارت ردود فعل غاضبة وصارخة.. فقد قال: "هنكسر أقدام مَن سيقدم على كسر الحدود بين غزة ومصر"، وشدد الوزير على أن "مصر لن تسمح باقتحام حدودها ثانيةً"، وقال في تصريحه "مَن سيكسر خط الحدود المصرية، ستُكسر قدمه"، "ووصف فيها صواريخ المقاومة بأنها مضحكة وكاريكاتورية"..! أرجل مَن تريد أن تُحطَّم يا سعادةِ الوزير؟!.

 

أعتقد أنه من الأخلاقي بعد أن تراكمت كل كلمات المديح، والثناء على مصر التي تنتظر دورها على مذبح بوش أن تراعي مسألة غابت عنك كثيرًا.. هذا الشعب لا يُقال بحقِّه مثل هذا الكلام، فإما أن تسحبه، أو تنكره لنفسك وعليها، أو لتعلن صراحةً بأنك واقع تحت تأثير التجييش الأعمى والمخادع ضد مليون ونصف المليون إنسان في 360 كيلو مترًا مربعةً.

 

ليست تلك هي اللغة الدبلوماسية التي تصف فيها المقاومة بكاريكاتورية حتى تصب في سيل الأكاذيب الصهيونية عن فزع مستعمرين في سيديروت وغيرها، بينما قوافل الشهداء الفلسطينيين حيث الصواريخ تستمر كشلالٍ لا يتوقف دون أن نسمع عنتريات مَن يجرؤ على تهديدٍ واحد، ولو من باب رفع العتب.

 

ليست "حماس" هي الوحيدة التي تقاتل دفاعًا عن النفس يا سيد أبو الغيط، كل إنسان يتعرض لأبشع صور القهر سيدافع عن نفسه يساريًّا كان أم قوميًّا.. وأمام مثل ذلك المسلسل المسكوت عنه بخجل وعار قلب العقل العربي أراهن أنه حتى الكلاب الضالة لن تسمح مَن يعبث أو يقتل جراءها.. فما بالك بشعبٍ أسمى في مقاومته وصموده وبقائه أن توسم خيرًا في أمته التي باتت تبيعه مواقف معيبة كالقول: مبروك موقف أبو الغيط.. حيا الله مصر على وقوفها بوجه الغزاة الفلسطينيين.. أم أن السيد أبو الغيط لا يعرف تبعات ما يقول ولا أن مستشاريه ينقلون له ما تردده مجموعات مثقفي "المارينز"..!.

 

ندرك جيدًا أنها حملة يائسة من قِبل إعلام نظام مأزوم، يعيش حالةً من الارتباك غير مسبوقة، بعد أن قزَّم دور مصر، وفقد الكثير من هيبته واحترامه في الداخل والخارج، لدرجة أنه بات يخشى على أمنه القومي من بضعة آلاف من الجياع المسالمين، وهو الذي استقبل مساعدات عسكرية أمريكية تصل إلى أربعين مليار دولار مقابل توقيعه اتفاقية كامب ديفيد لتعزيز قواته المسلحة، ليس من أجل حماية مصر وسيادتها وإنما لحماية "إسرائيل".

 

يا سعادة الوزير: هل وصلتكم الرسالة كما وصلت وأحدثت من ألم في النفس والواقع الذي يطبل له الإعلام الصهيوني وإن تحدَّث بلغة الضاد؟ نأمل ذلك.. ولكن الأرجل لرجال ونساء غزة تستحق بلسمًا شافيًا لا تهديدًا بكسرها، مع اعترافنا بأن الفوضى أرهقتكم، لكن الفوضى لا تحل بعنتريات التكرار الببغائي الذي تمارسه أجهزة إعلام كانت تنتظر قراءة شفاهكم...!.

 

وأخيرًا- يا سعادة الوزير- أذكرك بأن تصريحاتك المشئومة تشبه وتذكرني بأوامر رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق "رابين" عندما أوعز لوزير حربه "باراك" ولجنوده بتكسير أيدي وأرجل أطفال الانتفاضة الفلسطينية الأولى.. انتفاضة أطفال الحجارة، فقل لي بربك ما الفرق بينكما؟ هذا النجم "أبو تريكة" يستحق المكافأة وليس العقاب.. الحكم الذي منحه بطاقةً صفراءَ يجب تأنيبه، لأن تعاطف أبو تريكة مع أبرياء محاصرين بجهنم الآلة غير الإنسانية المفتقدة كل آيات الرحمة هو عينه شعار الرياضة النظيفة، والقدوة التي نتمثلها لأطفال أفريقيا وشبابها. ولو حدث وعُوقب أبو تريكة فستكون سقطةً فادحةً للكاف وللفيفا وللعدالة الإنسانية وللشفافية.

 

الناس كلها أحبت عمر (فريدريك كانوتيه) نجم مالي الذي تبرع بنصف مليون يورو لينقذ مسجدًا في أشبيلية بأسبانيا من الهدم، وتعاطفوا جميعًا من أجله مع منتخب مالي، وأعتقد أن التعاطف سيكون مع تريكة ورفاقه بسبب رسالته الشجاعة التي مسَّت شغاف القلوب، وشعرنا بها نسمة نقية شفافة.

 

فما أجمل أن يكون النجم الرياضي قدوةً في المثل العليا.. الرسالة وصلت أيها الفارس الرياضي الشجاع.. جميعًا صفق لك، الصغار والكبار، الجميع تعاطف مع هذه اللقطة حتى الأشقاء السودانيون في الملعب، وقد كافأه الله عليها بهدفه الثاني الرائع الذي سجلته باقتدار الفنان وذكائه ومهاراته..!.

 

فهل يتعلم أحمد أبو الغيط من محمد أبو تريكة؟ وأختتم بما قاله شاعر الفقراء الكبير أحمد فؤاد نجم قبل أسبوعين: شي لله يا لغزاوية/ يا وجع الأمة العربية/ لا أنتوا حماس ولا عباس/ فلسطين هي القضية/ شي لله يا لغزاوية/ شي لله وعلى دلعونة/ حكمونا ولاد الملعونة/ والآخر خان وباعونا/ للسمسار والصهيونية/ شي لله يا لغزاوية/ شي لله وأنتوا لوحديكوا/ الله ينصركوا ويهديكوا/ ويدمر دولة أعاديكوا/ والأيام أهي رايحة وجاية/ شي لله يا لغزاوية/ شي لله ولا عادش رجوع/ ويّا الخاين والجربوع/ الأطفال ماتت من الجوع
والعطشان مش لاقي الميه/ شي لله يا لغزاوية/ شي لله على أحلى كلام/ ناس تصحى والأمة تنام/ يعني قفاك يصبح قدام/ يا لعربي وتركب عربية/ شي لله يا لغزاوية..!.

 

فهل يتفضل الوزير أبو الغيط ويقرأ هذه القصيدة؟ فلعلها ورسالة أبو تريكة تجعله يعيد النظر في سياسة بلاده الرسمية؛ لأن السياسة الشعبية المصرية أسمى بكثير..!.

----------

* القدس المحتلة