م. هيثم أبو خليل

ينتظر الكثير من الشرفاء والحقوقيين داخل مصر وخارجها بترقُّب بالغ، يوم 26 فبراير القادم موعد النطق بالحكم في القضية المتهم فيها 40 من كوادر، وقيادات جماعة الإخوان المسلمين، والتي تنظر أمام محكمة عسكرية!!.
الجدير بالذكر أن عدد الجلسات التي تم تداول القضية فيها ما يقرب من 70 جلسةً، واستغرقت أكثر من 14 شهرًا، في حين كان المبرر الذي ساقه النظام المصري لإحالة الإخوان لهذه المحكمة العسكرية هو سرعة الفصل في هذه القضية، وهو مبرر متهافت يثير الضحك والاستغراب إذا قارنها بمحاكمة الجواسيس والمتورِّطين في عمليات إرهابية سابقة!! والذين تمَّت محاكماتهم أمام محاكم مدنية في عدة شهور قليلة!!.
في حين نرى قضايا مصيرية مثل قضية المبيدات المسرطنة المتهم فيها يوسف عبد الرحمن ورندا الشامي، أصحاب قضية المبيدات المسرطنة التي تتداول قضيتهم منذ 5 سنوات أمام المحاكم المتعددة بعد ردّ وتنحّي العديد من الهيئات القضائية عن النظر في هذه القضية لأسباب مختلفة، وعلى الرغم من بشاعة الجرم، وهي سرطنة ما يأكله الشعب المصري، وما نتج عنه من انتشار أمراض السرطان بكثافة في مراحل عمرية مختلفة لم تكن تصاب بها من قبل، وبنظرة واحدة على أرقام وأعداد وقوائم الانتظار في مركز ومستشفيات في بلادنا تؤكد ما نقول.
إلا أن المتهمين يجلسون الآن في بيوتهم بعد أن استفادوا من تعديل قانون الحبس الاحتياطي، والذي لم يتم استفادة الإخوان خاصةً منه، بعد أن تم التحايل على هذا التعديل من قبل النظام المصري بإصدار قرارات اعتقال جديدة لهم بموجب قانون الطوارئ!!.
ويا للعجب!! فغالبية القوانين الاستثنائية التي صدرت خلال الأعوام الأخيرة، صدرت خصِّيصًا من أجل الإخوان المسلمين، والذين أصبحوا في عين النظام الخطر الداهم على الكرسي؛ "قصدي على البلد"!!.
فالجامعات قد تحولت إلى سجن كبير، وصودر حق الطلاب في وجود اتحادات طلابية حرة، وتم شطب آلاف الطلاب، وأصبح للأمن اليد العليا في إدارة جامعات مصر، (وتسأل بعد ذلك أين ترتيب جامعات مصر عالميًّا؟!) من أجل وقف، وكبت وقهر طلاب الإخوان المسلمين.
وكانت النقابات أيضًا لها أوفر الحظ والنصيب؛ حيث تم عمل القانون 100 المشبوه، الذي اشترط حضور 50% من الجمعية العمومية لصحة إجراء الانتخابات، والتي ما لبثت أن جاءت بنتيجة إيجابية، ودفعت المهنيين للحضور بنسب تعدَّت 60%، فما كان من النظام المصري الشفاف وصاحب دولة المؤسسات أن جمد النقابات؟! بدون أي اهتمام بمصالح وحقوق ملايين المهنيين!!.
فوصول الإخوان المسلمين لمجلس أي نقابة خط أحمر تمامًا، مثل حدود مصر مع غزة المحاصرة!!، وتم تعديل الدستور مرتين، ويتم الآن تفصيل قانون الإرهاب المتعثر، كل هذا من أجل عيون الإخوان المسلمين، وأخيرًا كانت قمة المأساة، في إحالة 40 من قيادات الإخوان، منهم قيادات فذَّة قامت بدور وساطة بين دول مثل رجل الأعمال النابه يوسف ندا، وقيادات أخرى حصلت على عشرات الشهادات والمؤهلات مثل المهندس خيرت الشاطر، وآخرين علماء عالميين في مجالهم، يفكِّرون ويبدعون في المزيد من الاختراعات والاكتشافات لحماية الوطن وحماية الدلتا، مثل العالم الدكتور خالد عودة، وآخرين كانوا نقابيين على أعلى المستويات من الإدارة والشفافية وطهارة اليد مثل الدكتور المهندس محمد علي بشر والمهندس مدحت الحداد، والمذهل أن منهم من قضى ما بين 3 أو 5 سنوات في السجن في محاكم عسكرية سابقة لم يمض عليها عدة سنوات.
ما كل هذا التنكيل وكل هذا الظلم؟ لماذا كل هذا الحقد الأسود على مواطنين مصريين من بني جلدتنا؟ ثلاثة أحكام نهائية بالإفراج، من القضاء المدني، ولا مجيب!!.. وعلماء وأساتذة جامعات وشخصيات عامة، ولا مجيب!!.. قضية متهافتة بانت واتضحت مع تداولها ولا مجيب!!.. شركات أُغلقت وبيوت خرّبت، ولا مجيب!!.. أمهات وزوجات وأطفال روِّعوا وحُرِموا من عائلهم، ولا مجيب!!.
يا سادة، لا نطلب العدالة لهؤلاء المنكوبين بوطن على رأسه نظام يريد أن يدمّرهم ويفترسهم بدون أي رحمة؛ لأن العدالة ليست في قاموس هذا النظام؛ فالنظام يريد أن يوضِّح للإخوان "بأنكم اقتربتم أكثر من اللازم من الكرسي"، بدخول 88 عضوًا منهم في مجلس الشعب، مع الوضع في الاعتبار الحسابات الأخرى، إقليمية أو عالمية كانت لتوصيل رسالة هنا وهناك في أغوار عالم السياسة القذر أنه قادر على كبح جماح الإخوان المسلمين في الوقت المناسب وبأي طريقة كانت.
يا سادة.. نحن نطالب بحق المواطنة للإخوان المسلمين، طبقًا لوثيقة الحزب الوطني في مؤتمرهم الأول؛ حيث أكدت وثيقة المبادئ الأساسية للحزب الوطني الديمقراطي على التزامه بمبدأ المواطنة كأساس للمساواة التامة في الحقوق والواجبات بين جميع المصريين، كما أشارت ورقة حقوق المواطنة والديمقراطية التي أقرَّها المؤتمر السنوي الأول للحزب إلى إيمان الحزب بأن إحياء مفهوم المواطنة سيكون له أثرٌ ملموسٌ في تفعيل الشعور بالانتماء وبالوحدة الوطنية، وتشجيع المواطن على المبادرة والمشاركة الشعبية، وعلى ممارسة حقوقه السياسية.
وأشارت ورقة حقوق المواطنة والديمقراطية إلى سعي الحزب إلى إعلان حقوق المواطنة المصرية وتأكيدها، في إطار وثيقة تحدد حقوق المواطن الأساسية، وهي ذات الحقوق والواجبات التي يكفلها الدستور والقانون، لتشمل مناحي الحياة المختلفة، وتكون بمثابة عقد جديد بين المواطن والدولة وأداة للتوعية والتحفيز السياسي من ناحية، وآلية لتغيير البنية الثقافية، والإدارية من ناحية أخرى؛ حيث يستطيع المواطن التمسك بأحكامها لتيسير ممارسته لحقوقه.
وترتكز هذه الوثيقة على مبدأ أساسي، وهو أن المواطنة ترتب حقوقًا لكافة المصريين دون تمييز في ذلك؛ بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، ويأتي ذلك تأكيدًا على الترابط الوثيق بين مفهوم الحقوق التي يجب أن يتمتَّع بها كل مصري، وبين مفهوم المواطنة المصرية؛ باعتبار أن كافة الحقوق المنصوص عليها في النظام التشريعي المصري مصدرها هذه المواطنة، ويتمتع بها أفراد المجتمع بحكم تمتعهم بهذا الوصف، وانتمائهم للدولة والمجتمع اللذَين يكفلان لهم ممارسة هذه الحقوق ويضمنان صيانتها.
وتستند وثيقة المواطنة إلى الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور والقوانين، والتي تمثِّل في مجملها منظومة الحقوق والحريات المكفولة للمواطن، كما استقرت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
وبما أن الحزب الوطني الحاكم قد أقرَّ المواطنة كطريقة تعامل وحياة لأبناء الوطن، تعالوا ننظر ما هي المواطنة وبماذا تنص؛ فالمواطنة يترتب عليها ثلاثة أنواع رئيسية من الحقوق والحريات التي يجب أن يتمتع بها جميع المواطنين في الدولة، دونما تميُّز من أي نوع، ولا سيما التميُّز بسبب العنصر أو اللون أو اللغة أو أي وضع آخر، وهذه الحقوق كما يلي:
1- الحقوق المدنية:
وهي مجموعة من الحقوق تتمثَّل في حق المواطن في الحياة، وعدم إخضاعه للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو الإحاطة بالكرامة، وعدم إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أي مواطن دون رضاه، وعدم استرقاق أحد والاعتراف بحرية كل مواطن، طالما لا تخالف القوانين، ولا تتعارض مع حرية آخرين، وحق كل مواطن في الأمان على شخصه وعدم اعتقاله أو توقيفه تعسفيًّا، وحق كل مواطن في الملكية الخاصة، وحقه في حرية التنقل وحرية اختيار مكان إقامته داخل حدود الدولة ومغادرتها والعودة إليها، وحق كل مواطن في المساواة أمام القانون، وحقه في أن يعترف له بالشخصية القانونية، وعدم التدخل في خصوصية المواطن أو في شئون أسرته أو بيته أو مراسلاته ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته وحق كل مواطن في حماية القانون له، وحقه في حرية الفكر والوجدان والدين، واعتناق الآراء وحرية التعبير وفق النظام والقانون، وحق كل طفل في اكتساب جنسيته.
2- الحقوق السياسية:
وتتمثَّل هذه الحقوق بحق الانتخابات في السلطة التشريعية، والسلطات المحلية والبلديات والترشيح، وحق كل مواطن بالعضوية في الأحزاب وتنظيم حركات وجمعيات ومحاولة التأثير على القرار السياسي، وشكل اتخاذه من خلال الحصول على المعلومات ضمن القانون والحق في تقلد الوظائف العامة في الدولة والحق في التجمع السلمي.
3- الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية:
وتتمثَّل الحقوق الاقتصادية أساسًا في حق كل مواطن في العمل والحق في العمل في ظروف منصفة والحرية النقابية من حيث النقابات والانضمام إليها، والحق في الإضراب.
وتتمثل الحقوق الاجتماعية في حق كل مواطن بحد أدنى من الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية وتوفير الحماية الاجتماعية والحق في الرعاية الصحية والحق في الغذاء الكافي والحق في التأمين الاجتماعي، والحق في المسكن، والحق في المساعدة، والحق في التنمية، والحق في بيئة نظيفة، والحق في خدمات كافية لكل مواطن.
وتتمثَّل الحقوق الثقافية في حق كل مواطن بالتعليم والثقافة.
هذا بالنسبة للحقوق، أما الواجبات التي تقع على عاتق المواطن فهي كالآتي:
1- واجب دفع الضرائب للدولة.
2- واجب إطاعة القوانين.
3- واجب الدفاع عن الدولة.
حيث تعتبر الواجبات المترتبة على المواطن نتيجةً منطقيةً وأمرًا مقبولاً في ظل نظام ديمقراطي حقيقي يوفر الحقوق والحريات للمواطن وبشكل متساوٍ وبدون تميز.
مما سبق نريد التعامل مع الإخوان المسلمين طبقًا لمبدأ المواطنة الذي اتخذه الحزب الوطني كوثيقة، وتم تعديل الدستور من أجل توثيقه، وبما أن التحقيقات في هذه القضية أثبتت التزام أصحاب الشركات من الإخوان بدفع الضرائب، وإطاعة القوانين، وعدم التهرُّب من الدفاع عن الوطن، فيحق لهم التمتع بالمواطنة ومعاملتهم مثل معاملة تجَّار المخدرات وأصحاب المبيدات المسرطنة وأكياس الدم الملوث وأصحاب العبَّارات الخربة!!.
------------