د. ممدوح المنير
يتحدث كتاب "العرب الجيدون" للباحث الصهيوني في معهد ترومان لدراسة "إسرائيل"، (هيلل كوهن) عن طبيعة العلاقة المركَّبة بين العرب في الكيان الصهيوني وبين أجهزة الأمن الصهيونية، والاختراق الاستخباري العميق، على حدِّ تعبير الباحث داخل أوساطهم، ويستند الباحث إلى وثائق سرية جدًّا لجهاز "الشين بيت"، ومكتب رئيس الحكومة ووحدة الاستخبارات والأقليات لشرطة الكيان.

والكتاب يفتح ملف الطابور الخامس على مصراعيه، رغم أن الكتاب يتناول فترة إنشاء الدولة الصهيونية، وكيفية تجنيد العملاء، من خلال عملية "الأسرلة"، وبلورة الهوية العربية "الإسرائيلية"، ومحو الرواية الفلسطينية من الذاكرة- كما يعتقد- إلا أن نظرةً على مجريات الأحداث من حولنا الآن تجعل المرء على يقين من أن التاريخ يكرِّر نفسه مع بعض التبجُّح!!.
فعملية الأمركة- كما يحلو للبعض أن يقول- التي تتبنَّاها الإدارة الأمريكية حاليًّا لفرض رؤيتها الخاصة للديمقراطية بل حتى رؤيتها للحياة نفسها على الأمة بأكملها، في محاولة منها لتذويب الشخصية العربية، فلا تجد للمواطن العربي ملامح واضحة، أو حتى شخصية محددة، فتجده خليطًا من الأفكار والرؤى والتخيّلات من هنا وهناك؛ مما يسهل عملية اختراقه واحتوائه؛ وأزعم أنها وإلى حد كبير قد نجحت في بعض البلدان العربية، أو على الأقل في بعض الشرائح؛ مما ينذر بالقلق ويدق ناقوس الخطر؛ لأن المحصلة النهائية أن تتحول قطاعات من المجتمع إلى طابور خامس؛ وسلام فياض ومحمد دحلان في فلسطين مثال واضح على هذا النبت الشيطاني، الذي يفقد فيه المواطن الانتماء للوطن والأرض والدين.
أما عن التبجح في الموضوع فحدِّث ولا حرج؛ فاللعب على المكشوف هو الشعار المرفوع حاليًّا! فالاستخبارات الأمريكية خصَّصت موقعًا على الشبكة العنكبوتية لتجنيد العملاء، وتقديم الخدمات الاستخباراتية! والرئيس الأمريكي يفتخر برجاله في المنطقة، سواءٌ من هم في مقاعد السلطة أو من هم في طريقهم إليها! بل أصبحت الإدارة الأمريكية تهَب الأموال علنًا وتحت سمع وبصر الجميع لمن يحسن السير على الصراط الأمريكي المستقيم.
والمتأمل لهذه الظاهرة يجد أنها في ازياد مستمر، ولا شك أن الظروف المجتمعية الحالية التي تحياها قطاعات عديدة من الأمة، من فقر وتخلف وقهر ومرض، هي أحد الأسباب الرئيسية في هذا النبت الشيطاني الذي ينمو حول عنق الوطن فيخنقه ويشل حركته.
والكارثة في الموضوع أن هؤلاء المارينز يتم تقديمهم للمجتمع على أنهم مفكرون ومثقفون وتنويريون وأصحاب حداثة لا عمالة، فأصبحوا نجومَ شبّاك؛ مما يغري البعض بالاقتداء والاتباع لهم، ولذا فإنني أزعم أن معركتنا الحالية ضد المشروع الصهيوني الأمريكي تبدأ من هؤلاء؛ مما يستدعي فضحهم وتعريتهم أمام المجتمع بكافة أشكاله وأطيافه، وأعرف أن هذا الأمر ليس من السهولة بمكان بعد أن استولوا على الأغلبية الساحقة من المنابر الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية حتى الحكومية منها، سواءٌ بقصد أو بدون قصد، وجماعة كوبنهاجن في مصر وقادة الحملة الإعلامية على حماس في مصر ليسوا منا ببعيد، وما خفي كان أعظم!!.
هذا في الوقت الذي يتم فيه تجاهل معسكر الضد، أو أهل الممانعة في أحسن الأحوال وتشويههم، والزجّ بهم في غياهب الجب في واقع الأمر؛ ولذا فإنني أزعم أن هذه الجولة من الصراع هي أمّ المعارك بحق؛ فهي حياة أو موت، أو قل: البقاء أم الفناء، ولكن المريح أن سنن الله باقية لا تبدَّد.