الجدل حول عقد القمة العربية هذا العام في دمشق يشتدُّ مع تفاقم الأحداث؛ بحيث يمكن أن نميِّز من الآن بين احتمالين، وهما: إما أن تعقد أو لا، فقد رحَّبت الدول العربية بدعوة سوريا لاستضافة القمة، وكان لهذا الترحيب أسباب؛ في مقدمتها أن البعض رأى في عقد القمة في سوريا جزءًا من محاولة جذب سوريا بعيدًا عن التحالف مع إيران؛ لأن هذا البعض يرى أن سوريا قد ابتعدت عن الموقف العربي السياسي العام, وإن كانت سوريا لا تزال طرفًا في كل القرارات العربية, وأن ابتعادها عن العالم العربي تعوضه بقربها من إيران.

 

ورأى البعض الآخر أن قبول عقد القمة في دمشق هو قبول بتقريب المسافة بين معسكر الاعتدال الموالي للولايات المتحدة والمتعايش مع المشروع الصهيوني, وبين معسكر التطرف الذي تقوده إيران ويحارب معركة إيران في نظر هؤلاء، وأن تلك مقدمة لدمج سوريا في المعسكر العربي المعتدل دون أن يعني ذلك تخليه عن التحالف الأمريكي والتعايش الصهيوني؛ فالهدف إذن هو تهذيب "التطرف" السوري، وإشعار سوريا بترحيب الأسرة العربية "بعودة الابن الضال" إن صح التعبير، وهو تعبير لهذا المعسكر أيضًا.

 

وأخيرًا رأى الفريق المرحّب بالدعوة السورية، خاصةً الطرف السعودي، أن السعودية مستعدة للتسامح فيما لحقها من همز سوري في تصريحات نائب الرئيس إذا كان ذلك سيشجِّع سوريا على دفع التسوية العربية في لبنان.

 

لهذه الأسباب الثلاثة على الأقل تم قبول الدعوة السورية بعقد القمة في دمشق، غير أن تطورات الأحداث اللاحقة غيَّرت هذا الموقف، وجعلت عقد القمة في دمشق أمرًا تحيطه الشكوك من حيث المبدأ, أو تحيطه التحفُّظات إذا انعقدت القمة، أما أسباب هذا الاعتقاد فهي واضحة ونخص بالذكر منها ثلاثة:

 

السبب الأول: هو تعقُّد الأزمة اللبنانية وتطوُّر الجدل حول علاقة هذه الأزمة بسوريا والقمة؛ فقد ألمحت دول عربية إلى أن عقد القمة مرهونٌ بدور سوري في تسهيل التسوية السياسية في لبنان, وهذا الموقف ينطلق من الاعتقاد عند هذه الدول بأن عقد القمة في سوريا هو مجاملة لسوريا ومكرمة عربية يجب أن تقابلها سوريا بما تشعر به إزاءها من امتنان, ولا يجوز أن تمدَّ اليد لسوريا بالقمة, بينما تتشدَّد سوريا في لبنان وتساند تشدُّد حلفائها في لبنان, بل وتزداد علاقتها بإيران توثقًا.

 

من ناحية أخرى حاول الأمين العام للجامعة العربية أن يلطِّف وقْع هذه الإشارة عندما سُئل صراحةً عن أثَر تشدُّد سوريا في عقد القمة بدمشق؛ فنفى أي علاقة جوهرية بين الأمرين، وإن كان حلّ المشكلة اللبنانية سيكون إضافة سعيدة لأعمال القمة.

 

من ناحية ثالثة, فإن سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده عبَّر عن الربط المحكم بين القمة وموقف سوريا، وعن العداء الصريح لسوريا وإيران في سياق صراعه مع المعارضة وتسمية حزب الله بالاسم.

 

السبب الثاني: هو أن اغتيال عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله في دمشق كان مقصودًا أن يبعث بعدد من الرسائل في وقت واحد,؛ فالاغتيال ضربة لحزب الله وهو نصرٌ لأمريكا و"إسرائيل"، وهو إحراجٌ لسوريا ومحاولةٌ للوقيعة بين سوريا وحزب الله, وهو أخيرًا رسالةٌ لزعماء المنظمات الفلسطينية في دمشق بأن دمشق لا تقدر على حمايتهم، وإن رغبت في إيوائهم، وأن الإقدام على اغتيالهم هو مرحلة متقدمة من فقدان أمل أمريكا في استدراج سوريا, ومرحلة جديدة من الحرب ضدها.

 

وكان اللافت للنظر أن وزير الخارجية السوري لم يُشِر إلى مسئولية أحد، وهو ما فعله البيان السوري المقتضب حول حادث الاغتيال, على خلاف نصر الله الذي حمَّل "إسرائيل" منذ اللحظة الأولى مسئولية الاغتيال.

 

هذه المسافة بين الموقفين السوري وحزب الله ونفي "إسرائيل" رسميًّا، دفع بعض الجهات اللبنانية المعادية لسوريا إلى تعميق المعنى الذي قُصد باغتيال مغنية في دمشق؛ حيث يفترض الأمن والأمان والتحالف، فذهب بعيدًا جدًّا باتهام سوريا نفسها باغتياله, وهو اجتهادٌ يبدو متطرِّفًا، ثم إن حزب الله أعلن استعداده لدخول الحرب المفتوحة التي بدأتها "إسرائيل" باغتيال مغنية، وهو ما يعني دخول التحالف السوري مع حزب الله في مرحلة جديدة بتطور صراع حزب الله مع "إسرائيل", وهي مرحلة توافق عليها إيران، مفاد ذلك كله أن عقد القمة في دمشق تتكاثر عليه علامات الاستفهام الأمنية والسياسية.

 

السبب الثالث: هو اتجاه واشنطن إلى التصعيد مع سوريا، وهي مرحلة معقدة تستخدم فيها واشنطن و"إسرائيل" حزمةً من الجزر والعصيّ, ولا أظن أن معسكر الاعتدال مستعدٌّ لإغضاب واشنطن بعقد القمة وكسر العزلة التي فرضتها واشنطن على دمشق وفق تقدير واشنطن.

 

والحق أن موقف سوريا تجاه كل هذا الجدل كان واضحًا، فقد أعلن وزير خارجية سوريا أن بلاده لا ترهن مصالحها وقراراتها بحلِّ قضية لبنان أو عقد القمة، في نفس الاتجاه يرى الشارع العربي أن عقد القمة في دمشق تكريم عربي لعاصمة المقاومة العربية التي اختارها العرب أيضًا عاصمةً للثقافة العربية لهذا العام، وأن الدول العربية مجبرَة على مقاطعة دمشق، رغم أنها تكنُّ لها بداخلها كل الإعجاب، وأن عدم عقد القمة العربية فيها خسارةٌ للقمم العربية وليس خسارة لسوريا, وأن عقد القمة من عدمه لن يقلِّل أو يزيد من دور سوريا في معسكر المقاومة للمشروع الصهيوني, وأن تحالفها مع إيران أفضل آلاف المرات من لقائها بدول عربية تتعايش مع المشروع الصهيوني ما دامت إيران تعينها على مقاومة هذا المشروع في وقت يبدو الآخرون وقد سلَّموا به أو يئسوا من مقاومته، وهناك أسباب أخرى تجعل انعقاد القمة مستحيلاً استحالةً ماديةً، وهو انزلاق لبنان إلى حرب أهلية أو دخول صراع "إسرائيل" وأبو مازن مع غزة إلى مرحلة حاسمة، حسبما تشير النذر.

 

وتبقى المشكلة، وهي أن القمم العربية أصبحت تثير لدى الشارع العربي شعورَ التحفُّز والقلق، بعد أن اتسع الشعور بعدم الثقة في سلامة التوجُّه القومي وعجز الدول العربية عن القرار؛ بحيث أصبح عدم عقدها أفضل من عقدها، رغم أن البعض احتفل كثيرًا لمجرد دوريتها بقطع النظر عن نتائجها وثمارها.

 

وأخيرًا.. فإن القمم اللاحقة بعد قمة الرياض قد لا تجد قاسمًا مشتركًا نظريًّا على الأقل في الملفات اللبنانية والعراقية والفلسطينية والسودانية، وقد لا تقوى على مجرد الاتفاق على شكل الأجندة المطلوبة, ويُخشَى أن تكون قمة الرياض عام 2007 هي آخر القمم العربية بالفعل!!.