م. وائل عقيلان

 

كثيرًا ما نسمع في التاريخ عن ملوك أقوياء، وآخرين ضعفاء، وكثيرًا ما نسمع عن ملوك أضاعوا ممالكهم وشعوبهم خوفًا على كرسي من ذهب أو مطليّ بالذهب في بعض الممالك الأقل غنى.

 

ما يستدعي الحيرة والتأمل هو كيفية الحفاظ على المُلك من الضياع، بعد أن ذاع صيت المنادين بالواقعية والانحناء في وجه الريح، والتنازل عن القليل للحفاظ على الكثير، إلى آخر هذه المقولات المدافعة عن منهج اللين والعقلانية.

 

ما أثار دهشتي بعد دراسة للتاريخ في هذه النقطة تحديدًا هو سقوط هذه النظرية في علم الدول وسياسة الشعوب، فما فاز إلا من صمد وقاتل وراهن على خيار واحد فقط، خيار الفوز والظفر، وأما من كانت لديه كل الخيارات فقد بدأ يفقدها واحدًا تلو الآخر حتى استُنفدت عن آخرها، ولم يبقَ سوى الضياع في مهاوي النسيان، هؤلاء الذين ظلوا يراهنون على حصان فاز في جولة، ونسوا أن ذلك الجواد قد بلغ به الدهر عتيًّا، وآن الأوان للمراهنة على جواد غيره.

 

دراسة سريعة للتاريخ تسوقنا إلى أحمس، الذي طرد الهكسوس من مصر بعد حرب كانت تبدو خاسرةً، ونسير سريعًا خلال الدراسة مرورًا بطالوت، الذي قال له جنوده ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ (البقرة: من الآية 249)، وربما أجد من الجدير أن أتوقف عند موقعة "ذي قار"؛ حيث أقوى قوة على وجهة الأرض تتنمَّر على عرب، رُحَّل، مفرّقين، لكنَّ بعضًا من الكرامة يقلب الموازين، ويثير الرعب في قلب ذلك الكيان الضخم، ويردّه منهزمًا يجرُّ أذيال الخوف، والخنوع من التوغُّل في مستنقع الضعفاء أصحاب الكرامة.

 

وأمرُّ بالتاريخ سريعًا على خليفة رسول الله وهو يقول: "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لحاربتهم عليه"، وتتسارع عجلة التاريخ فيمرّ بنا طارق بن زياد: "العدو من أمامكم والبحر من خلفكم"، ونسير حتى الناصر صلاح الدين الأيوبي، ويمر بنا قطز، وتمر بنا فيتنام الشمالية أفغانستان في وجه إمبراطورية الروس.

 

تلك أيام مضت، وما شهدنا فيها أصحاب النظرية الأخرى، فلم لا نستعرض سويًّا ما جرى للخلافة العباسية عندما حنَت الرأس في وجه عاصفة التتار فاقتُلعت من جذورها؟ ولِمَ لا نستعرض أيضًا أمراء الشام في تعاونهم مع الصليبيين؟ فلم تدم لهم إماراتهم إلا أقل من أن يشعروا بأنهم كانوا حكامًا يومًا!! وكيف لا نمر على حكومة فيتنام الجنوبية، وقد سقطت بعدما سارت في ركب القوة، ويمر بنا شاة إيران، ولا ننسى مصير جيش لحّد قائده؟

 

وأنا أريد هنا أن أستذكر حادثتَين مرَّتا في تاريخ الأمة العربية الحديث، وهما حربا عام 56 وعام 67 وكيفية التصرف في كل واحدة منهما، وما لحق ذاك التصرف من تبعات.

 

في الحرب الأولى كان عدوانًا ثلاثيًّا على مصر، وحاربت مصر وشعب مصر طويلاً، وأخذت المقاومة الشعبية مكانها، واندحر العدو دون أن يبقى له أي إنجاز فوق الأرض التي تركها.

 

أما في حرب 67 فكانت "إسرائيل" وحدها، وحاربت مصر حربًا منقوصةً انتهت بمحادثات سلام واتفاقات، واستردَّت مصر سيناء، لكن دون سيطرة فعلية عليها، وهذا بدأ يتضح حديثًا من عدم سيطرتها على الحدود، وانتظارها موافقة "إسرائيل" على أي تصرف تريد مصر القيام به على أرض سيناء، التي من المفروض أنها أرض عربية كاملة السيادة.

 

من الواضح أن من يخوض حربًا دفاعًا عن وطن يجب ألا يعطي الدنية في أيٍّ من ثوابت شعبه، وإن لم يكن ميزان القوى حسب مصطلح البعض في صالح المدافعين؛ فالنيران التي تلتهم الغابات، وتحرق الأخضر واليابس سرعان ما تغيِّر الريح اتجاهها، وتسوقها إلى المحيط فتخمد نيرانها، ولا تندلع لها بعد ذلك شرارة.

 

إن القيادة التي تريد الحفاظ على عرشها لا بد لها أن تحافظ على كرامتها، والحفاظ على الكرامة لا يتأتى بحني الرأس لأيٍّ كان، وإلا ارتبط مصيرها بمصير من حنَت رأسها له وفقدت استقلالية مصيرها عن غيرها، وأضحت أسيرةً ذليلةً، وساقت نفسها نحو المحيط لتخمد نيرانها وسط أمواجه الهادرة؛ فهي تنقاد برياح غيرها.

-------

* كاتب فلسطيني