كنت أعلم أن الله لن يضيِّع ضراعات أطفال غزة وهي تلهج بالدعاء للبطل محمد أبو تريكة، عندما حاول لفت أنظار الدنيا لقضيتهم العادلة، وشاء الله أن يجعل قدم أبو تريكة قدمَ صدق في المحفل الدولي، والذي لم يعُد مجرد مبارايات في الكرة، بل أصبح مضمارًا سياسيًّا وإعلاميًّا وتجاريًّا له بريقه وله تأثيره.

 

وتوَّج الله جهد المصريين بفوز مستحق بكأس إفريقيا، في وقت يظمأ فيه الشارع المصري لبصيص نجاح أو طاقة نور تُخرجهم من ظلمات واقعهم المؤلم التعِس إلى غدٍ يحمل في طياته بعض الأمل في مستقبل أفضل.

 

وبينما كانت قلوب المصريين معلَّقةً بأقدام اللاعبين خرجت مجلة (روزاليوسف) بمقالٍ ناري في الصفحة الرياضية تسخر فيه من محمد أبو تريكة وتُكيل له الاتهامات، لدرجة أنك تشعر أن هذه المجلة المفروض أنها قومية طُبعت في تل أبيب وليس في القاهرة.

 

وتطاولت المجلة على اللاعب المهذَّب، وسخرت من ادِّعاء التديُّن أو القول بأن دعوات الناس كانت سببًا في الفوز، وحتى لا تتهمنا المجلة المشبوهة بتحريف الكلم عن مواضعه أو افتراء الكذب عليها، فإنني أحيل القارئ لعدد الأسبوع الماضي، والمقال كتبه صحفي اسمه باشا محمد بالصفحة الرياضية، وعنوانه الساخر هو: "العارف بالله محمد محمد محمد أبو تريكة"، والذي يصف فيه الكاتب اللاعب الفذَّ بأنه تحوَّل لـ"ماريونيت" في أيدي الجماعات الدينية تحرِّكه بـ"ريموت" الدين!!.

 

ثم يتساءل- وكأنه يستنفر مباحث أمن الدولة- عن سرِّ هذا "التي شرت" السياسي، وكيف تم تسريبه واختراقه معسكر الفريق؟ (وأنا ألتزم بكلمات الصحفي بحروفها)، ويقول: إن إخوة أبو تريكة لم يعلموا شيئًا عن هذا "التي شرت"، ولا زملاؤه بالمعسكر، ثم يقول الرجل: "إنني أرفض تصرف أبو تريكة"- يقصد إظهاره لشعار "تعاطفًا مع غزة"- وسبب رفضه أنه سيجرُّنا لحرب إعلامية تفقدنا التركيز في المباريات، وأنه يحاول استغلال احتشاد الجماهير في لحظة نادرةٍ للضغط على القرار السياسي للدولة في اتجاه معين!! (وعلامة التعجب من عندي).

 

ثم يقول الكاتب: لماذا يصرُّ أبو تريكة أن يدخلنا في قضايا شائكة معقَّدة، رغم أن معظم اللاعبين (محدودو الثقافة)، وهذا يؤكد أن هناك من يوجِّههم ويحرِّكهم (طبعًا الجماعات الدينية)، ثم يوقد الكاتب نارًا للحرب بين مصر وأشقائها الفلسطينيين بقوله: كان أولى بأبو تريكة أن يتعاطف مع الجنود والضباط المصريين المصابين على الحدود بين غزة ومصر، ويطلب زيارتهم ومواساتهم في مصابهم.

 

كان هذا المقال قبل مباراة مصر وساحل العاج، والتي بهرت العالم وظهر فيها نجوم مصر عمالقةً؛ لم يفقدوا تركيزهم كما زعم الناقد الرياضي، ولم تمنعهم قناعاتهم الشخصية وإيمانهم بمبادئ دينهم وعروبتهم من اللعب بمهارة واقتدار، وأثبت اللاعبون- وعلى رأسهم البطل أبو تريكة- أنهم ليسوا مجرد جيادٍ تجري في مضمار الملاعب بلا عقل ولا ثقافة، بل هم سفراء فوق العادة؛ يحملون همَّ دينهم ووطنهم وعروبتهم، وأنهم عندما يرتدون "التي شرت" وأحذية الكرة ربما يكونون أكثر فهمًا وثقافةً ووطنيةً من الكثير من أصحاب الياقات البيضاء والمتقعِّرين والمتحذلقين أصحاب خيار السلام الإستراتيجي والتطبيع مع الصهاينة وكسر قدم أي فلسطيني يحاول تخطِّي الحدود والاحتماء بالشقيقة الكبرى مصر، حسب التصريح غير الموفَّق لوزير الخارجية المصري.

هدى الله الجميع لما يحب ويرضى.

-----------

Alaasaleh59@hotmail.com