د. ممدوح المنير

 

كلما قرأتُ مقالاً أو تحليلاً في صحيفة رسمية أو قناة حكومية عن أحداث غزة، أتعجَّب من  المدى الذين يمكن أن يصل إليه عمى البصر والبصيرة؛ نفس الاتهامات ولغة التحريض التي تُبثُّ هنا وهناك بلا سندٍ أو دليل إلا ظلام في النفس وقسوة في القلب وغياب للضمير؛ يظل الواحد منهم يكذب ويتحرى الكذب حتى يُصدِّق نفسه!!.

 

عجبًا أمر هذه الحياة!!؛ إخواننا هناك يموتون جوعًا ونحن هنا نقذفهم بأقذع الأوصاف، يجاهدون عدوًّا شرسًا ونحن ننعتهم بأشنع التهم، يدفعون كل يوم ثمنَ الحرية المستحق من دمائهم ونحن هنا نرميهم بباطل القول، يحبون الموت في سبيل الله أكثر من حبِّهم للحياة ونحن هنا نقول عليهم طلاب دنيا وسلطة!!.

 

من حقِّ المرء أن يتساءل: لماذا كل هذا الظلم؟!، ما الذي يُعدُّ له النظام المصري حتى يوجِّه هذه الحملة الشرسة على حماس أو الفلسطينيين؟! كيف يستطيع النظام المصري بعد الآن أن يُصلح ذات البَيْن بين فتح وحماس؟! كيف سيقوم بدور الوسيط النزيه بين الطرفين؟!.

 

أعتقد أن النظام المصري يهدف من وراء هذه الحملة الشنعاء إلى عدة أمور:-

1- غسل يديه من عبء غزة وتحمُّل تبعاتها، وخاصةً أن أجندة النظام المصري تتلاقى مع المشروع الصهيوني الأمريكي أكثر بكثيرٍ من الحِفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني.

 

2- تبرير أي تحرُّكات مصرية مستقبلية للضغط على حماس في غزة لمحاولة تركيعها، وبالتالي يعملون على أن يترسَّب في وعي الشعب المصري أن هذا ما تستحقه حماس؛ نتيجةً طبيعيةً للحملة الإعلامية المستعرة حاليًا.

 

3- استجابة واضحة للضغوط الأمريكية والصهيونية، ويبدو أن النظام المصري تلقَّى تأنيبًا شديد اللهجة من أمريكا والصهاينة.

 

4- محاولة إخلاء مسئوليتها من أي شكلٍ من أشكال دعم المقاومة الفلسطينية، وتوصيل رسالة لأمريكا والعدو الصهيوني أنها حريصة مثلهما تمامًا على أمن "إسرائيل"!!.

 

5- استعمال ورقة حماس وغزة للتخفيف من حدة الاتهامات والضغوط التي يتعرَّض لها النظام المصري بين الحين والآخر في مجال حقوق الإنسان، والظهور أمام أمريكا بمظهر: إنني رجلكم الأول في المنطقة، وبالتالي لا داعيَ للضغط؛ إما أنا أو حماس.

 

6- كسر التعاطف الشعبي مع حماس، وخاصةً أن جذورها إخوانية، وبالتالي فزيادة التعاطف معها يعني المزيد من التعاطف مع الإخوان؛ وهو ما يرفضه النظام لفظًا وموضوعًا.

 

7- قرب انتخابات المحليات في مصر؛ لذا يعمل النظام على الحدِّ من زيادة شعبية الإخوان  نتيجةَ التعاطف مع حماس.

 

8- توجيه رسالة إلى المعارضة المصرية مفادها أنها لن تسمح بأي شكلٍ من أشكال التعاطف مع حماس، وخاصةً التظاهر؛ لأن النظام يعمل حاليًا دون كلل على تهيئة الأجواء لتمرير ملف التوريث، وبالتالي فالمظاهرات والاعتصامات لن تصبُّ في صالحه.