مصر اليوم أمام اختبار حقيقي قد يكون سهلاً أمام البعض وغالبيتهم من الشعب الذي يتحرَّك بفطرته وعاطفته، ولكنه في جوهره صعب جدًّا أمام متخذ القرار المصري الذي يتحمَّل مسئولية القرار الآن وأمام التاريخ.
الاختبار يتلخَّص في:
* ما هو الموقف الذي ينبغي أن تتخذه مصر أمام ما يحدث أمامها في غزة وفي فلسطين كلها؟.
* هل بإمكان مصر أن تتجاهل ما يحدث وتَصرف وجهها إلى أي مكان آخر وتتناسى أن هناك قضيةً اسمها فلسطين، وشعبًا يحاصَر ويقتَل كل يوم أمام شاشات التليفزيون؟!.
هناك مَن يروِّج لذلك الاختيار المستحيل، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك، فيدعو إلى تحصين الحدود في وجه أي ارتباط عضوي وجغرافي بأرض فلسطين، بل يتمادى إلى ما هو أكثر، فيرى أن تشارك مصر في حصار وتجويع أهل غزة، والارتباط بالقوة الأشد فتكًا وتسليحًا في الشرق- وهي الجيش الصهيوني- لإنهاء ما يُسمَّى بالقضية الفلسطينية وفق هوى العدو الصهيوني، هذا إن كان هناك حلٌّ ما يطرحه العدو الصهيوني قابلٌ للتحقيق أو يمكن تنفيذه على الأرض.
أعلم أن مَن يتبنَّى هذا الرأي الشاذ قلةٌ نادرةٌ، ولكن ارتفع صوتها في الأيام الماضية وشاركها في الرأي مَن لا يدرك خطورة ما يقوله، ويصب في ذات الاتجاه أصوات لها قدر من العقل كان يمكن أن يحجزها عن الاندفاع في ذلك التوجه العجيب.
وإذا كان ذلك مستحيلاً جغرافيًّا وتاريخيًّا وعاطفيًّا وإنسانيًّا ودينيًّا وقوميًّا ووطنيًّا، أي بكل المعايير والمقاييس، لا يمكن لمصر أن تتجاهل ما يحدث أمام ناظرنا وعلى حدودنا وفي جوارنا، فما هي الاختيارات الأخرى أمامنا؟!، خاصةً أن الرئيس مبارك حدَّد البوصلة في أن مصر لا يمكن أن تسمح بتجويع أهل غزة.
وقبل الإجابة فإننا نضع في اعتبارنا بعض ما أفرزته وقائع الأيام الأخيرة من معطيات.
أولاً: لم تنجح خطط العدو الصهيوني في حصار غزة لإحداث انقلاب على حماس؛ لا بالفلتان الأمني، ولا بالحصار والتجويع، ولا بالإظلام والإغلاق، وتأييد قطاع غزة لحركة حماس ما زال كبيرًا جدًّا، بل تعاظم مع وقائع الأيام الأخيرة.
ثانيًا: إن فريق رام الله بقيادة الرئيس عباس قد ألقى بثقله في الصفِّ الصهيوني الأمريكي، ولو كان ذلك على حساب مصالح الأطراف الأخرى الفلسطينية أو العربية، ولو كان ذلك ضد مصر نفسها بتصدير مشاكل العدو الصهيوني إلى مصر؛ لأنه يضع شروطًا مستحيلةً لإجراء حوار وطني ومصالحة فلسطينية، ويرفض أي إصلاح حقيقي وجادٍّ لحركة فتح أو لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ مما أفقده أي أوراق للمساومة مع العدو.
ثالثًا: إن الشعب الفلسطيني أدرك بفطرته ووعيه أن الطريق الوحيد لتحقيق آماله في وطن حرٍّ ومستقلٍّ هو في المقاومة وليس في المفاوضات، وتجلَّى ذلك في الانتخابات التشريعية الأخيرة في 2005م، وفي استمرار تأييده لحركة حماس في غزة وفي الضفة الغربية.
ومعظم استطلاعات الرأي تؤكَّد أنه في حال إجراء انتخابات حرة جديدة بدون تزوير أو اشتراطات مانعة فستفوز حماس بنفس النسبة أو بنسبة أكبر؛ وسبب ذلك- ببساطة- أن الشعب الفلسطيني لا يبحث عن لقمة عيش أو حفنة دولارات، ولكنه يريد الاستقلال والدولة والحرية وتقرير المصير.
وليس هناك أمل- ولو بسيط- لدى فريق رام الله في أن يحقق أي نجاح في مفاوضات عبثية ماراثونية استمرت منذ مؤتمر مدريد 1991م، ومرورًا باتفاق أوسلو، ثم واي ريفر، ثم كامب ديفيد، انتهاءً بمؤتمر أنابوليس؛ حيث اتضح للجميع أن الهدف الوحيد للعدو الصهيوني هو أمن العدو والصهاينة، وتفريغ الدولة الصهيونية من الدخلاء العرب أصحاب الأرض، وأن غاية ما يمكن الحصول عليه وفق المفاوضات هو حوالي 40% من الضفة الغربية مقطَّعة الأوصال ومفكَّكة ومحاصرة.
إذن فالاستمرار في المقاومة كورقة ضغط وحيدة هو الأفضل لشعبٍ ينتظر الاستقلال منذ ستين عامًا.
رابعًا: أن تكرار ما حدث في غزة من اجتياح للحدود واردٌ، ولكنه في المرة القادمة قد يكون في الاتجاه الآخر عبر معابر إيريز وغيره لتتجه الجحافل والآلاف إلى أرض فلسطين وليس إلى أرض سيناء؛ بحثًا عن الوطن والحرية وليس بحثًا عن الطعام أو الشراب.
وإذا كان حصار الجوع والمرض دفع الفلسطينيين إلى المرور الآمن إلى أحضان المصريين فإن حصار الموت والعطش قد يدفعهم المرة القادمة إلى أرضهم، ولن تستطيع آلة الموت الصهيونية أن تقتل عشرات الآلاف أمام أنظار العالم، ولو حصدت أرواح بضعة آلاف في الاجتياح المرتقب فإنها لن تستطيع الاستمرار في القتل الإجرامي الجماعي مع إصرار الشعب الفلسطيني الذي يُقتل ببطءٍ يوميًّا على انتزاع حقِّه الطبيعي في الحياة، وستكون هذه الانتفاضة- انتفاضة الموت من أجل الحياة- هي التي تغير وجه القضية الفلسطينية، بل قد تغيِّر وجه المنطقة العربية كلها، كما غيَّرها من قبل رحلة النزوح الجماعي تحت وطأة المذابح الصهيونية عام 1947، 1948م.
القرار المصري اليوم إما أن يكون في صالح مصر وفلسطين بتقوية الصمود والمقاومة ودفع الشعب الفلسطيني إلى الوقوف صفًّا واحدًا ضد الخطط الصهيونية الرامية إلى تركيع فلسطين ومصر والأمة العربية كلها لصالح عصر من الهيمنة الصهيونية، وإما أن يكون الاستسلام لتلك المخططات والرضا بالفتات واللهاث وراء السراب الأمريكي الذي سيكون من نتائجه ما نراه اليوم من فوضى ضاربة في كل مكان حولنا وتوشك أن تحلَّ بيننا.
لم يطالب أحدٌ مصر بدخول حروب أو شنِّ غارات، ولكن المطلوب الآن مصريًّا هو الإدراك الواعي لخطورة العدو الصهيوني ومخططاته، وليس لمعاناة الشعب الفلسطيني والأمة فقط.
المطلوب الآن ليس مدَّ الفلسطينيين بالسلاح أو الصورايخ والعتاد العسكري ليقوموا بمواجهة متكافئة مع آلة الحرب المدمِّرة الصهيونية، ولكن المطلوب هو تخفيف المعاناة وتقديم العون الإنساني: الغذاء والدواء والعلاج وحرية التنقل الآدمي عبر الحدود الطبيعية.
المطلوب الآن هو إعادة فتح معبر رفح بطريقة طبيعية دون تدخُّلٍ من أطراف خارجية تمنع الفتح الطبيعي للمعبر، أي منع العدو الصهيوني والاتحاد الأوروبي من التحكم في المعبر الوحيد، وإمداد غزة بما تحتاجه من مواد أولية وتنشيط التنمية الاقتصادية عبر المعبر، وغزة في النهاية هي حائط الصد الأول ضد الاجتياح الصهيوني لسيناء الخالية.
والمطلوب الآن مراجعةٌ شاملةٌ وأمنيةٌ ودقيقةٌ لاتفاقيات كامب ديفيد التي انكشفت سوأتها أمام الأنظار نتيجة الحصار الصهيوني لغزة وفلسطين، ولعل ذلك أحد فوائد أزمة معبر رفح.
والمطلوب هو كشف الغشاوة عن العيون وإبصار الحقيقة المرَّة، ورفع الالتباس عن العقول، وإلا فلننتظر مفاجآت الأيام القادمة إذا اجتاح الفلسطينيون المعابر على الجهة الصهيونية.
ورحل مجدي مهنا
بعد دعاء الملايين له وصلاتهم من أجله، نفذ قدر الله المحتوم بالموت على الصحفي النبيل مجدي مهنا، رحمه الله رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح الجنات؛ جزاءَ ما قدَّم لأمته ووطنه.
كان يعشق الحرية، وترك عموده منبرًا لكل صوت حرٍّ، فليستمر الدعاء لمجدي بالرحمة والمغفرة؛ لقد ترك بصمةً في تاريخ الصحافة المصرية.
ذكرى استشهاد البنا
غدًا 12/2 تمرُّ الذكرى 59 لاستشهاد حسن البنا، الإمام المؤسس للإخوان المسلمين، في أكبر شوارع القاهرة، والوفاء للبنا يقتضي إنصاف هذا المجدِّد الشهيد، والذي أسَّس حركةً امتدت إلى كل أقطار الدنيا، وما زالت ملء السمع والبصر.
رغم فراقه للدنيا من عشرات السنين ما زال حسن البنا حيًّا بدعوته وفكره وجهاده، وغيره بين الناس أموات.
رحم الله رجاء النقاش
الأديب والناقد والمفكِّر صاحب القلم العف النبيل، الذي علَّم الأجيال نزاهةَ الناقد، وكيف يكون الفكر الثاقب والرأي المحايد؟.
بوفاته يكاد يكون جيلٌ كاملٌ من النقَّاد والأدباء ارتحل برحيله.
رحمه الله رحمةً واسعةً.