لقد أثبت أهل غزة المحاصَرون أنهم الأقدر على صناعة التاريخ عندما كانوا أول من يدمِّر الحدود الاستعمارية (السايكسبيكية) التي قَسَّمت الوطن العربي بين المحتلِّين المستعمرين الذين جاءوا لا لهدفٍ إلا لتركيع وإذلال الشعب العربي والإسلامي.. لقد أثبتوا فعلاً بهذه الخطوة الجريئة وغير المسبوقة أنهم أهل لحمل راية المقاومة والممانعة التي تحمي بلاد العرب والمسلمين.. لقد أثبتوا بهذه الخطوة أنهم الأقدر والأقوى والأكثر صمودًا وثباتًا في مواجهة الأعداء مهما كانوا.

 

فأهل غزة الذين اقتلعوا السور الذي يقسم بلاد العرب والمسلمين إلى كانتونات وصناديق صغيرة لا يعترفون بالأسوار الظالمة ويعتبرون أن كل البلاد بلادهم وكل العرب والمسلمين إخوانهم؛ لذلك لم يستغرب أهل غزة ما فعلوه ولم يحتاجوا إلى فترةٍ من الزمن حتى يتأقلموا مع المناخ الجديد والمكان الجديد؛ لأنهم لم يخرجوا خارج إطار وطنهم وأرضهم.

 

ودخل أهل غزة إلى مصر ليجدوا الحضن الدافئ في الشق الآخر من الوطن، وجدوا خير أهلٍ وخير أحباب، وجدوا خير معين وخير نصير وخير آخذ وخير معطٍ وخير محب وخير مضيف وخير مُسْتَقْبِل وخير بيت وخير طعام وخير شراب، وقائمة طويلة ليس لها آخر من الخيرات.

 

لم يبخل أهل مصر الأحرار.. أهل مصر الثوَّار.. أهل مصر الأبطال على أهل غزة بشيء؛ لأنهم يؤمنون أنهم الدرع الواقي لمشروع الأمة الذي يبدِّد أحلام أعداء العروبة والإسلام؛ اليهود.. لم يبخل أهل مصر على أهل غزة بعزيزٍ ولا نفيس، منعوا عن أنفسهم وقدموا لهم كل ما يستطيعون.

 

فوالله لا أنسى أول ليلةٍ قضيتُها في مصر مع أحبابي وإخواني عندما استضافني وثلاثةً من إخواني أحدُهم بدون موعد مسبق وقدَّم لنا طعامه وطعام أولاده، لم أنسَ تلك اللحظات بعد صلاة العشاء عندما أحاط بي وبإخواني عدد من المصريين في المسجد، كلُّ واحدٍ منهم يقسم أن يستضيفنا في بيته ويطعمنا من طعامه ويقدم لنا المساعدات، وأيضًا لم ولن أنسى العم أبو رائد، الذي أحاط بنا في بقالة ابنه الذي اشترينا منها بعض الأغراض ولم يتركنا إلا بعد أن بِتْنَا ليلتنا عنده وقدم لنا الشاي وأحضر لنا "المنقل" وأشعل الفحم ليدفئنا، ووالله لم ولن أنسى العمة أم رائد، التي كانت تحمل فراش أولادها وتحمل السجاد وتنقله لنا في الشقة المجاورة التي لم يكن فيها فراش، وأيضًا وهي تحمل سفرتين كبيرتين مملوءتين بالطعام البيتي وتقدمها لنا وكأننا أبناؤها؛ حيث تجاوز عددنا في شقة العم أبو رائد في تلك الليلة الثلاثين غزيًّا.

 

ويأبى العم أبو رائد إلا أن يبيت ليلةً معنا ليؤنسنا ويقصَّ علينا من قصصه مع أهل غزة عندما كان يأتي إليها بشكل شبه يومي قبل عام 1967، وتأبى العمة أم رائد التي كانت تعاملنا كأبنائها، إلا أن تلتقط معنا الصور التذكارية حتى لا نغيب عن ذاكرتها.

 

إذًا، فالإخوة الأعزاء الذين لاقوا أهل غزة بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب لا أتوقع أنهم يومًا سيكسرون قدم الفلسطيني الذي سيدخل إلى مصر مرةً أخرى من أجل التزوُّد ببعض الطعام والشراب والدواء كما يقول السيد أبو الغيط.

 

لا أعتقد أن الشعب الذي أدفأ أهل غزة بحضنه الحنون سيغلق متنفس أهل غزة كما يقول محمد علي إبراهيم رئيس صحيفة (الجمهورية) المصرية، والذي أيضًا يصف ما فعله أهل غزة بـ"قلة الأدب".

 

كما أنني لا أعتقد أن الشعب المصري الحر الذي وقف بجانب أهل غزة قد فعل ذلك إيمانًا منه بأنه يمن عليهم ويتصدق في محاولة لإنقاذهم وتخفيف ضنك العيش الذي يعيشونه بسبب أمراء حرب حماس في غزة وصواريخ القسام الهزيلة التي أتَت لهم بالويلات، كما يقول السيد إبراهيم سعدة في صحيفة (الأخبار) المصرية.

 

فأظنني بالسادة الأفاضل الذين ذكرتُهم إلى جانب السيد صلاح منتصر في صحيفة (الأهرام) الذي يبرِّر ما يفعله الاحتلال من حصار وقصف وتجويع بحق أهل غزة، ويصف المقاومة بأنها السبب الذي يعرقل صدور قرار إدانة لإسرائيل، أظنني بهم أنهم لم يروا الكم الهائل من الأشقَّاء المصريين الذين دخلوا إلي غزة وقبَّلوا ترابها وطافوا بشوارعها ليستنشقوا طعم الحرية الذي ما عرفوه في ظل نظام حكامهم.

 

أظنني بهم لم يروا كيف امتلأت شوارع غزة بالآلاف من المصريين والعرب الذين تمكَّنوا من الدخول إلى مصر، متوجِّهين إلى غزة كيف عبَّروا عن شعورهم بالفرحة والابتهاج؛ لأنهم استطاعوا أن يطئوا تراب غزة، واستطاعوا أن يعيشوا القصف والخوف والجوع مع إخوانهم في غزة ولو للحظات.

 

وأظن هؤلاء أنهم لم يقرءوا التاريخ ليروا كيف كان أهل مصر في المقدمة عند الدفاع عن أرض غزة وأهل غزة.. أظنهم لم يقرءوا عن العز بن عبد السلام والسلطان قطز وجيشه المصري الذي حارب الأعداء على أرض عين جالوت في فلسطين، وأظنهم لم يعرفوا شيئًا عن بطولات المصريين في عام 1948م التي خذلت فيها الجيوش العربية الرسمية آمال العرب والمسلمين ولم يعرفوا أيضًا أي شيء عن تبة 86 في وسط قطاع غزة، ولم يعرفوا ولم يعرفوا.

 

وأخيرًا، فالمأساة إذًا هي أن هؤلاء لم يقرءوا التاريخ ولم يعرفوا هويتهم الحقيقية، أظنهم لو نظروا إلى أنفسهم لوجدوا أنهم أقرب لبني المحتل المستعمر الظالم؛ لأنهم سخَّروا ألسنتهم وأقلامهم لخدمته، ولوجدوا أن الشعب المصري بريء منهم براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، فمن لا يعرف طبيعة العلاقة بين أهل مصر وأهل غزة لا يخرج من نطاق هذا التعريف حتى ولو كان أبو الغيط.