لا بد لنا من باب حسن الظن أن نتوقع تصرفًا وردًّا مصريًّا من النظام الحاكم، يناسب ما وُجِّه له من إهانات تحفظ ماء وجهه، وتحتفظ له بما تبقَّى من كرامة تستلزم بقاءه واستمراره في السلطة بشرعية القوة!! أما الإهانات التي تحتاج موقفًا من الإدارة المصرية فهما موقفان:
الأول: موافقة الحكومة الصهيونية أو في رواية وزيرة خارجيتها بضوء أخضر من أولمرت بالسماح لمصر بزيادة عدد قواتها المرابطة على الحدود مع غزة لـ1500 جندي بدلاً من 750!! ومعلوم أن هذا العدد محدد طبقًا لاتفاقية "كامب ديفيد"، وقبول مصر بذلك بعيدًا عن المعاهدة التي تحتاج إلى تعديل وإعادة نظر شاملة هو استخذاء وقبول بأي تعديل يصب في مصلحة الصهاينة فقط وبمجرد إصدار الأمر أو إعلان الرضا من بني صهيون وحكومتهم!! فهل ستفرح الحكومة بهذا المنّ من الصهاينة وترى أن ضغوطها قد أثمرت نجاحًا لمخططها بزيادة الأعداد على الحدود!!.
الثاني: التطاول الذي بدأت به المرشَّحة لتكون سفيرة للولايات المتحدة الأمريكية مارجريت سكوبي على النظام المصري وتعهدها باستمرار الضغوط عليه؛ من أجل الديمقراطية والإفراج عن أيمن نور، رغم أنها لم تستلم عملها بعد!! فهل تسمح الإدارة المصرية بذلك وتقبل مثل هذا التطاول وهي التي صدَّعت دماغنا بعدم السماح لأحد بالتدخل في شئونها الداخلية، خاصةً موضوع الحريات والديمقراطية!! وترفض هذا الترشيح ولا تسمح لها بتسليم أوراقها للرئيس المصري أم أن نهاية أنظمة عربية كتب لها أن تنتهي على أيدي نساء أمريكا! كما حدث في العراق!!.
سوف نرى ماذا تفعل مصر (النظام والحكومة) لمنع هذه التجاوزات التي ستطيح بما تبقَّى من كرامة وإرادة لهؤلاء الذين انهارت مصر على أيديهم وفي عصرهم وتحت إدارتهم منفردين.
هذا عن الحكومة، أما عن الشعب فمعروف أن الشعب المصري شعب محروم منذ زمن طويل من حقوقه، وطوال تاريخه يعاني بدرجات متفاوتة من التهميش والاستغلال ولم يرَ في حياته سوى نبضات من الحرية والكرامة كانت قمَّتها يوم ذهب المصري المسيحي في سفر طويل؛ كي يلحق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في موسم الحج ليشكو له والي مصر في ذلك الوقت عمرو بن العاص وابنه، الذي استغلَّ منصب أبيه وضرب ابن المصري الذي استشعر الحرية وتنسَّم العزة في ظلال الحكم الإسلامي.
وقد يدَّعي البعض- كما أرسل لي طبيب فاضل في رسالة له- أن هناك مغالاةً في حالة المعاناة التي يحياها الشعب المصري المسكين، ويدلِّل على ذلك الإحساس بالتشاؤم الذي لا محل له في دولةٍ يرأسها مبارك ويتولى رئاسة وزارتها نظيف، ويرأس برلمانها سرور وشوراها شريف، ويحفظ أمنها حبيب، ويتولى ماليتها غالي، ويسيطر على استثماراتها عز ويسيطر على تجارتها وصناعتها رشيد وولي عهدها جمال..!! كيف لشعب يرفل في هذا النعيم أن ييأس أو يحبط! شعب صحيح ناكر للجميل!!.
لم أفق من هذا الهجوم حتى جاءتني رسالة أخرى تحدثني عن السمكة التي هتفت بحياة مصر، وهي السمكة الضعيفة!! فكيف لشعبها أن يحبط!! إذ يُروى أن صيادًا عاد إلى زوجته وهو يحمل سمكةً كبيرةً طالبًا منها أن تقليَها في الزيت فاعتذرت له الزوجة لأنها لا تملك زيتًا؛ بسبب ارتفاع سعر الزيت؛ فطلب منها الصياد أن تشويَها فاعتذرت له بسبب اختفاء الردة وارتفاع سعر أنبوبة الغاز في الأسواق، فطلب منها أن تطبخها مع الصلصة، فلما علم أن سعر كيلو الطماطم قد وصل إلى 5 جنيهات أخذ السمكة وألقاها غاضبًا في البحر مرةً أخرى، وهنا هتفت السمكة وهي في الماء: تحيا جمهورية مصر العربية.. تحيا جمهورية مصر العربية.. تحيا جمهورية مصر العربية!!.
أرأيتم كيف يُتَّهَم المصريون بأنهم ناكرو جميل النظام الحاكم عليهم! وأنهم لا يقدِّرون حجم الخير والنعيم الذي فيه يغرقون!! أما المشكلات التي تحيط بهم فكل الدنيا تعاني من الفقر والفساد والظلم، ويعني لو كان المتسبِّبون أجانب يبقى حلو ولو مصريين إخوة أشقَّاء يبقى كخ؟! ليه الظلم ده!! المفروض أن نتوجه جميعًا بالشكر للنظام الحاكم وكل من اختارهم في مواقع المسئولية، وهي اختيارات دقيقة؛ لأن منبعها واحد، ومسارها واحد، وقناتها واحدة؛ لذا لا اختلافات بينهم كثيرة، سواء كانوا في المواقع التنفيذية أو الشعبية أو الأمنية أو الإعلامية، كلهم زي بعض، وكلهم يحتاجون منا شكرًا على ما فعلوه بالمصريين، ربما بضغوط من الخارج أو في ظل صمتهم، لكن الشهادة لله ليس بأيدٍ أجنبية!!.
والحقيقة على من يصرُّ على مواجهة هذا النظام أن يستوفي هذه الشروط لكي تنجح مقاومته:
أولاً: أن يلجأ إلى الأقوى والأعلى والأبقى من النظام في مصر ومن يؤيده في الخارج، ومن غيره سبحانه وتعالى!!.
ثانيًا: أن يربط على قلوب المتصدرين للمقاومة بالوعي بالأهداف والأسباب والوسائل الموضحة والشارحة والمعبِّئة لهذه المهمة الكبرى "قولة حق عند سلطان جائر" وتربيتهم على ذلك.
ثالثًا: أن تتوحَّد القيادة لكل المعارضين بعيدًا عن تأثير العصا والجزرة التي يملكها النظام؛ فالقيادة الواحدة التي تفسد وتظلم وتستبد تحتاج لقيادة موحدة في مواجهتها، تضع رؤيةً واقعيةً وبرنامجًا طموحًا يطرح حلولاً غير نمطية لمشاكل مصر التي أظن أنه لا يوجد مثلها في العالم!!.
رابعًا: أن يؤمن كل من يتصدَّى للدفاع عن الشعب المصري بأن العنف مفسدة وذلّ وفوضى لم نقبل به من هذا النظام، ولن نلجأ إليه في مواجهته بمنهجية تستدعي روح المقاومة والصبر والشجاعة، بل والشهادة أيضًا "سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى حاكم ظالم فأمره ونهاه فقتله".
أؤكد أن مصر ستبقى هي مفتاح منطقة العرب وعالم المسلمين وطريقهم إلى حضارة سامية راقية حتى لو تأخرت تقنيًّا.
فسيبقى هذا التقدم العلمي مدينًا لكل البشر وشركةً بين كل الأجناس والديانات من كل الدنيا، لن يستفيد منه سوى الأحرار، وهو ما نطمح إليه حتى تهتف القلوب بحق لتقول: تحيا مصر.. تحيا مصر.
--------