نشرت صحيفة (هآرتس) الصهيونية يوم 30/1/2008 أنها أعلنت من مصادرها في باكستان أن الرئيس الباكستاني برويز مشرف قد اتخذ قرارُا لا رجعةَ فيه؛ وهو الاعتراف بما يسمَّى "إسرائيل" مهما كانت المعارضة لهذا القرار في باكستان!!.
ويبدو أن هذا الخبر صحيحٌ وله مقدماته التي رصدناها في مناسبات سابقة؛ أولى هذه المقدمات هي اللقاء الذي نظَّمته تركيا- الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بالكيان، في ظل التحالف التركي الأمريكي المبكِّر منذ أواسط أربعينيات القرن الماضي- بين وزيرَي خارجية البلدين عام 2005, وتأكيد مشرف حينذاك على أن بلاده لن تقيم علاقات مع "إسرائيل" إلا إذا قامت الدولة الفلسطينية؛ وبذلك يغفل مشرف عن العداء الشديد الذي يكنه شعبه لـ"إسرائيل" وأمريكا, وتعاطف هذا الشعب- من منطلق ديني- مع الشعب الفلسطيني ثم مع حماس في صراعها مع أبو مازن.
وثانية هذه المقدمات ما لاحظناه من حزن "إسرائيل" الشديد على بنظير بوتو التي وعدت "إسرائيل" بأن أول زيارة لها ستتم عقب انتخابات يناير 2008, التي كان مقرَّرًا لها أن تتم لو لم يتم اغتيالها, فأراد مشرف باتصالاته السرية مع "إسرائيل" أن يطيِّب خاطرها, وأن يُشعرها بأنها لم تخسر شيئًا برحيلها؛ لأنه يستطيع أن يفعل ما وعدت هي به؛ ولذلك بادر مشرف- والضجة حول مصرع بوتو على أشدها والاتهام لنظامه على قدمٍ وساق- إلى التصريح في قناة العربية- ولم تنقله سوى الصحف "الإسرائيلية"- أنه مستعدٌّ للتوسط بين السلطة و"إسرائيل"، وليس بين حماس وفتح, وأن هذه الوساطة سوف تأخذه حتمًا إلى "إسرائيل", فيحقق بذلك ما تمنته "إسرائيل"، فيعوض هو ما كانت تعلقه "إسرائيل" من آمال على بوتو.
وقد لاحظنا أن هذه المقابلة قد تمَّت بعد ساعات من إعلان البيت الأبيض والرئيس بوش شخصيًّا أنه يثق في مشرف وفي قدرته على إجراء التحقيق اللازم في مقتل بوتو؛ مما حسم الجدل حول التحقيق الدولي في مصرعها على غرار ما حدث في مصرع الحريري في لبنان, وهو اقتراحٌ تردد في باكستان وفي الولايات المتحدة نفسها ما دام الطرفان- بوتو والحريري- من أهم أصدقاء الولايات المتحدة، وأن دم بوتو أهم من المكاسب السياسية مع خصومها, رغم الفارق الواسع بين معطيات الملف اللبناني والباكستاني.
وفي المنتدى الاقتصادي العالمي في ديفوس يوم 29/1/2008 تطوَّع مشرف بالسلام باليد على شمعون بيريز رئيس "إسرائيل", ويقال أنه أسرَّ إليه برغبته في تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"؛ فما هي دلالة وتفسيرات هذه الخطوة تجاه "إسرائيل" التي يصر عليها مشرف وتوقيتها؟.
تقدِّم المصادر "الإسرائيلية" سببين في تفسير خطوة مشرف التي يرونها مفاجئةً:
السبب الأول: أن مشرف يشعر بالقلق من تغيُّر قلب واشنطن وترددها إزاءه وانحسار ودِّها المفقود دائمًا نحوه؛ ولذلك أراد أن يدخل قلبها من خلال إرضاء "إسرائيل", ولعله استرجع مقولة رايس "من أرضى إسرائيل فقد أرضى الرئيس بوش تمامًا".
أما السبب الثاني: فهو محاولته منافسة الهند على قلب الولايات المتحدة؛ لوقف الاندفاع الأمريكي صوب الهند؛ لأن هذا الاندفاع سوف يضرُّ قطعًا بالمصالح الباكستانية في أي موقع, والهند هي العدو التقليدي والتاريخي لباكستان.
ولكني أرى سببًا ثالثًا أهم من هذين السببين, وكلها تدفع مشرف إلى الإسراع إلى تطبيع العلاقات مع "إسرائيل", وهو يعلم أن هذه الخطوة ترنو إليها "إسرائيل" لاختراق العالم الإسلامي من أهم حصونه، وهو باكستان, التي قامت أصلاً على أساس الفرز الديني, وأن علماء باكستان يقيمون حجةَ رفض العلاقات مع "إسرائيل" على أساس ديني, ويعتبرون الصراع مع اليهود امتدادًا للعداء التاريخي بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- وبين يهود المدينة المنورة.
إن خطوة مشرف تدفع إلى الشك في أن يكون نظامه متورطًا في اغتيال بوتو؛ ولذلك تأخَّر رد الفعل الأمريكي طويلاً، واستغرق عدة أيام في ظرفٍ كانت الدقائق تعني الكثير؛ لكي يبرِّئ ساحة مشرف ويعفيه من التحقيق الدولي الذي طالبت به المعارضة وأوساط أمريكية, وربما كان المقابل هو التطبيع مع "إسرائيل".
وبحساب المكسب والخسارة فإن مشرف في الداخل استنفد عداوة المعارضة, وحاول خصومه اغتياله عدة مرات, كما أنه تمكَّن من تغيير القضاة الذين ساندوا رئيس المحكمة العليا المُقال لكي يمرِّر حكم السماح له بالترشُّح للرئاسة, ويكون التوقيت مناسبًا لهذه الخطوة قُبيل الموعد المقرر لإجراء الانتخابات المؤجلة في 18/2/2008, وربما عزمه على التحكم في نتائجها؛ حتى يضبط عملية من يتولَّى رئاسة الحكومة المقبلة.
أما في الخارج فإن العالم الإسلامي لم يعد مهتمًّا بشدة بمقاطعة "إسرائيل" دبلوماسيًّا, خاصةً بعد استثمار "إسرائيل" لعلاقاتها مع مختلف الدول؛ ارتكازًا على القوة الأمريكية, وبعد الشقاق الفلسطيني الداخلي, وعدم تمسك أبو مازن بمنع الدول الأخرى من الاعتراف بـ"إسرائيل".
إذا صحَّ أن الاعتراف بـ"إسرائيل" هو الثمن الذي يدفعه مشرف لسكوت واشنطن على هذه الجريمة, فإن آثار ذلك ستكون مدمِّرة في دول أخرى؛ لأنها سوف تشجِّع الحكم على اغتيال خصومه مهما بدا قربهم من واشنطن، ما دامت الحسابات الأمريكية لا تكترث بالنظم والأشخاص والأخلاق, ولا يكون لهذا التحقيق الذي يجري الآن في باكستان معنى؛ لأن النظام لا يمكن أن يكون القاتل والقاضي في نفس الوقت؛ وهو ما يضيف نقطةً سلبيةً جديدةً لشكل الولايات المتحدة في العالم ولشكل نظام مشرف في مواجهة القاعدة والخصوم في الداخل, ويضع علامة استفهام على علاقاته مع زعماء العالم الإسلامي الآخرين, بل يضع علامة استفهام كبيرة على مصير منظمة المؤتمر الإسلامي التي نشأت أصلاً لاسترداد الأماكن المقدسة في فلسطين, فأصبحت بقية الأماكن هدفًا لـ"إسرائيل", فانتفى الهدف الأصلي من إنشاء هذه المنظمة!!.