هل سياسة الإنفاق الحكومي تتم على أساس أن مصر من أغنى دول العالم؟!

 

هل تمت محاسبة أحد منذ أيام الرئيس السادات حتى الآن على إهدار الحكومة للمال العام بسبب سوء الإدارة؟!

 

لماذا لم يرد رئيس الوزراء على المبالغ التي يتم إنفاقها على سيارات السادة الوزراء والمسئولين والسيارات الحكومية؟!

 

هل يتم إهدار الملايين في أي دولة في العالم بسبب عدم قيام وزارة بسداد مبلغ 47 ألف جنيه لوزارة أخرى؟! لماذا يتم إنفاق 200 مليون جنيه على القوافل الطبية في سرادقات ضخمة بجوار مباني المستشفيات المركزية للحكومة؟!

 

لماذا تم بناء جراج رمسيس ثم هدمه؟!

 

إن من أولويات مهام نائب الأمة وعضو مجلس الشعب الرقابة على أداء الحكومة؛ لتصحيح المسار ومحاسبة المسئولين إذا ثبت خروجُهم على مقتضى وظائفهم، ومن الوسائل البرلمانية لعضو مجلس الشعب- وهي كثيرة- تقديم السؤال الرسمي لرئيس مجلس الوزراء أو لأي وزير من وزراء الحكومة، وفي هذه الحالة يُلزم قانونًا الردُّ بإجابة شفوية أو مكتوبة على سؤال النائب؛ وذلك بالطريقة التي يحددها النائب نفسه في السؤال الذي يتقدَّم به.

 

ونظرًا لمسئوليتي أمام الشعب ويقيني بأن هناك إسرافًا وتبذيرًا- ولا أكون مبالغًا إذا قلت إن هناك سفهًا في الإنفاق الحكومي- ولكثرة ما سمعته من السيد المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات عن زيادة المصروفات عن الإيرادات سنويًّا بمليارات الجنيهات؛ فمثلاً زيادة المصروفات عن الإيرادات في عام 2000/2001 نحو (34.2) مليار جنيه، أصبحت (45.3) مليار جنيه في السنة المالية 2001/2002، ثم أصبحت (52.1) مليار جنيه في السنة المالية 2002/2003، ثم أصبحت (55.4) مليار جنيه في السنة المالية 2003/2004، ثم أصبحت (61.4) مليار جنيه في السنة المالية 2004/2005، ثم أصبحت 74.8 مليار جنيه في السنة المالية 2005/2006، ثم تراجعت وأصبحت 62.2 مليار جنيه في السنة المالية 2006/2007؛ نتيجةَ زيادة المتحصِّلات الناتجة عن إصدار الرخصة الثالثة للمحمول التي بلغت نحو 15.3 مليار جنيه، وبحسبة بسيطة نجد أن المصروفات زائدة عن الإيرادات في العام الأخير بمبلغ 77.5 مليار جنيه في حالة عدم وجود شبكة المحمول!!.

 

من هذا المنطلق توجَّهت بسؤال للسيد أ. د. أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء، عن المبالغ التي يتم إنفاقها على سيارات المسئولين في الحكومة وسيارات الوزراء والسيارات الحكومية بصفة عامة.. ما هي قيمة هذه المبالغ؟ وما قيمة المبالغ التي يتم إنفاقها سنويًّا على الوقود لهذه السيارات؟ وما قيمة المبالغ التي يتم إنفاقها على الصيانة، والمدى الزمني لاستهلاك هذه السيارات، ثم بيعها في مزاد، ثم شراء أخرى بدلاً منها؟!؛ فهل هذه السياسة تم اتِّباعها في أغنى دول العالم أم لا؟!.

 

ولم يصلني الرد على هذه الأسئلة حتى الآن، وأظن أنه لن يأتيَ الرد، وكأن حال المسئولين: "كله تمام"، ولا داعيَ للقلق في أن تزيد المصروفات عن الإيرادات بـ70 مليار جنيه، ولا توجد مشكلة في أن كل طفل وكل فرد في مصر عليه مديونية أكثر من 8 آلاف جنيه!!.

 

كما ورد بتقرير الجهاز أن متوسط نصيب الفرد في الداخل والخارج من صافي رصيد الدَّين العام الداخلي نحو 8241.5 جنيهًا عام 2006/2007، مقابل 7821.1 جنيهًا، بينما بلغ متوسط نصيب الفرد في الداخل من صافي رصيد الدَّين العام الداخلي (8679.2) جنيهًا عام 2006/2007، مقابل 8244.7 جنيهًا عام 2005/2006، وبلغ هذا المتوسط عام 2004/2005 (7227.7) جنيهًا.

 

إن الإنفاق الحكومي يشير دائمًا إلى الفشل الإداري وعدم التنسيق بين الوزارات وعدم وجود خطط إستراتيجية لعمل هذه الوزارات، فمثلاً:

أولاً: تجد العجب في أي تغيير وزاري لامتصاص غضب الشارع؛ بأن الوزير الجديد يأتي- أولاً وقبل أي شيء- بتغيير "ديكور" المكتب، ولا يُسأل الوزير السابق عن خطته ولا عن مستهدفاته، بل العكس؛ لا بد أن يغيِّر ما كان يفعله نظيره السابق، ويتسبَّب ذلك في إهدار مال عام لا حدود له، والمثل الذي يحضرني الآن مبنى مجمع الوزارات الذي أقامته الحكومة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات في مدينة السادات تكلَّف الملايين من الجنيهات، وتم تشطيب المبنى كاملاً، وتركيب المكيِّفات به، وأصبح جاهزًا للتشغيل، وجاءت حكومة أخرى بعد موت الرئيس السادات ولم يعجبْها ما فعلته السابقة، وتم إهمال المبنى وسرقة ما فيه حتى قامت بشرائه جامعة المنوفية؛ ليكون مبنى لبعض كليات الجامعة!!.

 

تخيَّل!!.. مبنى تم إنشاؤه ليكون مجمعَ وزارات.. كم تكلَّف؟!، ويتم إهماله وسرقة ما فيه، ثم يكون مكانًا للكليات بعكس تصميمه تمامًا.. فماذا نقول؟!!.

 

ثانيًا: يشير تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات إلى عدم وجود دراسات جدوى للمشروعات الكبرى وغيرها؛ مما يسبِّب إهدارًا للمال العام، وهذا هو جراج رمسيس مثلاً يتكلَّف فوق الخمسين مليون جنيه، ثم فجأةً يتم هدمه ويتكلف هذا الهدم وهذه الإزالة مبلغًا طائلاً أيضًا؟!!.

 

ثالثًا: تجد العجب حينما يتقدَّم رئيس الوزراء في مجلس الشعب بأن الحكومة خصَّصت 200 مليون جنيه للقوافل الطبية، وللأسف الشديد تجد القوافل الطبية في معظم مدن الجمهورية تتم إقامتها في سرادقات ضخمة وفي أماكن واسعة، ومكتوبًا عليها تحت إشراف الحزب الوطني الديمقراطي، وهذه السرادقات تتكلَّف معظم المبلغ الذي يتم تخصيصه للقوافل، ويتم نقل الأجهزة الطبية من المستشفيات، وبصفتي مهندسًا ومديرًا للصيانة بمستشفيات جامعة المنوفية، أعلم أن نقل هذه الأجهزة- وخاصةً الأجهزة الكبيرة منها؛ مثل أجهزة الأشعة- تؤثر تمامًا على كفاءة الجهاز، فضلاً عن المخاطر التي تحدث أثناء عملية التحميل والنقل، وقد يؤدي إلى تلف الجهاز كاملاً.

 

السؤال: ماذا لو كانت هذه القافلة في مبنى المستشفى نفسه؛ لا سرادق ولا فراشة ولا نقل أجهزة ولا تكاليف باهظة ولا إهدار لهذا المال العام؟!!.

 

رابعًا: عدم التنسيق بين الوزارات يؤدي إلى خلل كبير وإهمال جسيم للمال العام، وسأضرب مثلاً بسيطًا: توجد قرية كبيرة تقارب المدينة اسمها قرية "جنزور"؛ تم إنشاء مستشفى للتكافل الصحي بها تكلَّف الملايين، وتمَّ توريد كل الأجهزة الطبية الخاصة بها، وتكلَّف أيضًا الملايين، وانتظر الناس افتتاح المستشفى ولا حياةَ لمن تنادي!!.

 

وأسألك أيها القارئ الحبيب: لماذا لم يتم تشغيل المستشفى أكثر من ثلاث سنوات والأجهزة الطبية بالمخازن، وإن لم تكن الفئران قد أكلت كابلات هذه الأجهزة وأصبحت تحتاج لمبالغ ضخمة لإصلاحها فيكفي أن فترة الضمان لهذه الأجهزة- والتي تلتزم فيها الشركات المورِّدة لها بإصلاحها على حسابها- قد انتهت؟!!.

 

والإجابة: إنه لم يتم تشغيل هذا المستشفى لأن وزارة الصحة لم تدفع مقايسة توصيل الكهرباء إليها، وهي مبلغ 47 ألف جنيه!!.

 

هل تصدق- عزيزي القارئ- هذا الفشل الإداري الذي يؤدي إلى الانهيار الكامل في كل شيء؟!!.

 

والسؤال يا رئيس الوزراء: ألم يطرح عليك أي مسئول عنده أبجديات الإدارة المتميزة أنه يمكن توصيل الكهرباء فورًا بعد موافقة وزارة الصحة على المقايسة، وتتم المحاسبة بعد ذلك، خاصةً أن شركات الكهرباء التابعة لوزارة الكهرباء ليس لها منافس من القطاع الخاص؟!!.

 

عزيزي القارئ.. في مقالتي القادمة- إن شاء الله-: لماذا لم يرد السيد وزير العدل على سؤالي الخاص بمعايير اختيار معاوني النيابة العامة؟!

-----------

* نائب بمجلس الشعب، وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بالمجلس.

Mnf_sabry@yahoo.com