السيد الأستاذ/ عبده مباشر، الكاتب الصحفي بجريدة "الأهرام".
تحيةً وبعد..
فقد طالعتُ في عدد "الأهرام" الصادر في 16/1/2008م مقالكم بعنوان (مخاوف الأقباط)، ولتسمحْ لي أن أبديَ بعض الملاحظات التي أرجو أن يتسع لها صدركم، علاوةً على أن المتجرد للحق لا يتأبى على الرجوع إليه كما قيل بحق "فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل"، ومؤدَّاها- كما عنَّ لي- كما يلي:
1- يغيب عن كثير من الأعمدة الصحفية- خاصةً في "الأهرام" وغيرها من الصحف التي تسمَّى بـ"الصحف القومية" (وإن كان المسمى الصحيح هو الصحف الحكومية)- الموضوعيةُ والتجرد؛ تلك التي تتبدَّى في كتابات كثيرٍ من صحفييها وكتَّابها، وهم يتلفتون يمينًا ويسارًا؛ بحثًا عن استرضاء، أو تزلف لسلطة غشوم باتت وليةَ نعمهم، هذا فضلاً عن دأب الكثير من هؤلاء في انتهاز الفرص للهجوم على جماعة الإخوان المسلمين العريقة دون دراسةٍ موضوعيةٍ متجردة لمبادئ وأهداف؛ هذه الجماعة مع أن أدبياتها (وفي مقدمتها رسائل مؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا) باتت في متناول الجميع لا يشوبها غموض أو التواء، والتي لو رجعتم إلى أعداد "الأهرام"- بالذات- أعوام 1952، و1953م لوجدتم العناوين الرئيسية والمقالات التي تشيد بهذه الجماعة تاريخًا وجهادًا ومنهاجًا!!.
بيد أن تقلُّب الأهواء حسب اتجاهات رياح السياسات؛ تلك التي اتسمت بالاستبداد والقهر والشمولية، فضلاً عن إملاءات من الخارج لا داعيَ للخوض فيها، وفي مظاهرها وأسبابها، هي التي باتت بعد ذلك تلوي الحقائق، وباتت بعد ذلك تلك الكتابات هي المرجع، والمصدر لما يكتبه الكثير اليوم، خاصةً أن المراحل العمرية التي يعيشونها لم تسمح لهم بأن يعيشوا ما عشناه نحن المخضرمين المتابعين لسير الأحداث.. ومعذرةً لهذا الاستطراد الذي لم أجد مفرًّا من تقديمه بين يدي ملاحظتي.
2- حينما يكون الأمر متعلقًا بموضوع مخاوف الأقباط فهو أمر ليس بالجديد، ولطالما خاض فيه الكثيرون، خاصةً في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، حين ضاق صدره بادعاءاتٍ وافتراءاتٍ ومطالبَ، سواءٌ جاءت من قيادة الكنيسة الأرثوذكسية أو من غيرهم، مما باتت معروفةً مظاهره وآثاره في تلك الحقبة، وتتمثل- كما هو معلوم- في شكواهم من حرمانهم من تولِّي كثير من وظائف الإدارة العليا، كرؤساء الجامعات أو المحافظين أو مجالس إدارات الشركات، وقيادة الشرطة والجيش، بما يتناسب مع نسبة وجودهم في المجتمع المصري.
وكلها مشاكل مع الدولة وليست مع المجتمع، وهي أمور كان من الأجدر مناقشتها بدلاً من المساس بثوابت مستقاة من نصوص، وأصول فقهية قطعية الدلالة، والثبوت حين يتناولها البعض بكثيرٍ من الخفة والاستخفاف، كمبدأ "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"؛ إذ إن هذا المبدأ لا يعني غمط حقٍّ من حقوقهم، بل إنه جاء ليحفظ لهم حقوقهم، ويرتب على هذه الحقوق واجباتٍ في مساواة تامة بين حقوق وواجبات المسلمين دون أي تفريط أو انتقاص.
3- أما قولكم: "إنه حين تمكَّن عمرو بن العاص من غزو مصر لم يجعلها إرثًا للمسلمين، بل تركها كما وجدها.." إلى آخر ما ذكرتَ، واسمح لي أن أقف معكم معاتبًا على مقولة "غزو عمرو بن العاص"؛ إذ لم يكن غزوًا بل كان فتحًا، وإن الذي يدرس تاريخ الإسلام بعقل إسلامي وحس إيماني يعلم أن الإسلام جاء هدايةً للعالمين، ومن ثم أُمر المسلمون بفتح الأرض كلها؛ تعبيدًا لها لله لا بالقهر والسيف- كما يشاع خطأً- ولكن بتحرير تلك الأرض من طواغيت الفرس والروم، ثم بعرض الإسلام بعد ذلك على الناس؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ إعمالاً لقوله سبحانه: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256).
وغني عن البيان أن الأقباط في مصر لم ينعموا بحرياتهم الدينية قدر ما نعموا به في ظلال الفتح الإسلامي؛ إذ كانوا مضَّطهدين مطارَدين، حتى إن الكثير منهم لجأ إلى المعابد في إدفو وكوم أمبو وغيرها؛ تلك التي تدل الشواهد فيها على أنها كانت مأوًى لهؤلاء الفارين بدينهم، ولم ينعموا بحرياتهم إلا في ظلال حكم الإسلام.
4- ثم إن الإخوان حينما طرحوا مشروع برنامج الحزب السياسي لهم راحوا يستفتون أهل العلم الشرعي والدستوري؛ (إذ إنهم لا ينطلقون أبدًا إلا من خلال ضوابط وثوابت شرعية)؛ حيث انتهى هؤلاء العلماء جميعًا إلى عدم جواز تولِّي المرأة وكذلك غير المسلمين رئاسة الدولة التي تعلن أن دينها الرسمي هو الإسلام، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وأرجو أن تدلني على أية دولة أوروبية أو أمريكية تسمح- مجرد السماح- لمسلم أن يترشَّح لرئاستها، علمًا بأنَّ- كما هو معلوم- أعلامَ كثيرٍ من الدول تحمل الصليب في ثناياها، وأن أحزابًا كثيرة فيها تسمى بالأحزاب المسيحية، تحصر رئاسة الدولة في أن يكون الرئيس مسيحيًّا مارونيًّا، حتى إنه لا يجوز أن يكون مسيحيًّا أرثوذكسيًّا أو كاثوليكيًّا، أو أن رئيس الوزراء لا بد أن يكون مسلمًا سنيًّا، ورئيس مجلس النواب لا بد أن يكون مسلمًا شيعيًّا.. وهكذا، وباتت تلك ثوابت لا يقربها أحد ولا يمسها، فضلاً عن أن يستهين بها إنسان، وعلى أية حالة فهو مشروع سابق لأوانه ومؤجَّل لحين قيام دولة الإسلام.
5- أما عن قولكم "مطالبة قيادات إخوانية بفرض الجزية وحرمان أبنائهم من التجنيد" فإني أربأ بكم أن ترسلوا هذا الكلام إرسالاً دون توثيق أو تدقيق؛ فلقد جاءت مقولة الجزية ردًّا على سؤال عام عن وضع غير المسلمين في دولة الإسلام- حين تقوم-: (وهل قامت دولة الإسلام الآن حتى يقال هذا؟! إنما هو افتراض وردٌّ موضوعي يتناول وضعًا خاصًّا بوضع خاص)، وهي كذلك من النصوص القطعية (وارجعوا في ذلك إلى كتب الفقه والتفسير والتاريخ)، وقد وُضعت لها شروط وضوابط وأحكام ومقاصد ليس هنا مجال تفصيلها ولا أوانه، فضلاً عن أنه لم يقل أحد بحرمان أبنائهم من التجنيد؛ إذ لم يرد هذا الموضوع في ذلك السياق أصلاً.
6- ثم حين تقولون إنه الآن يتبنَّى عدد من (الشيوخ) دعوةَ عدم إلقاء التحية عليهم وتجنُّب الرد على تحيتهم والتعامل معهم، فهذا من قبيل التعميم في القول (وحاشاكم أن تنزلقوا إلى ذلك، فهذا مضاد للموضوعية التي تتوخونها وتحرصون عليها)، فضلاً عن أن لفظة (الشيوخ) هذه لفظة فيها استخفاف، وكان الأوْلى أن يقال بعض الدعاة أو العلماء، ومن قال إن- حتى لو قال أحد بذلك- ذلك يمثل تيَّارًا عامًّا؟! ألا تعلم أن ترديد مثل تلك الأقوال هي التي تؤجج الفتن الطائفية؟! وهل أتاك نبأ ذلك المقال المهم في جريدة "الدستور" بعدد 5 يناير 2008م للدكتور إبراهيم بيومي غانم بعنوان (لماذا التحريض على الفتنة من قمص الأقصر إلى مؤرخ الأهرام؟!)، وذكر فيه ذلك البيان الذي جاء في ("المصري اليوم" بتاريخ 24/12/2007)؛ حيث وصف القمص صارابامون الشايب بالأقصر أحداث إسنا بأنها (صفحة من كتاب أسود عمره أربعة عشر قرنًا، ومضى في بيانه يقول إنه مضطر لمخاطبة الضمير العالمي؛ فالضمير المصري انتقب وتحجَّب منذ زمن طويل، وتفرغ لخرافات وترهات ظلمات البادية والجاهلية)، ويلاحظ هنا ربطه بين الحجاب والنقاب وبين الخرافات.
![]() |
إذن فاللمز واضح حين يتناول ساويرس ما يراه من زي النساء في الشارع المصري مقارنًا بإيران، وما له ولهذا العبث الرخيص؟! هذا الذي يربأ كل صاحب غيرة ونخوة دينية أن يجاريَه أو يشيدَ برأيه.
7- ثم ما حكاية افتتاح أول مقهى ومحل (كوافير) مقصور على المحجبات وما يمثل ذلك من توابع تدَّعونها؟! وهل هذه القضية عامة أو حكم عام يُستدل به على ما تزعمون من إثارة مخاوف للأقباط؟! أم هي مسايرة لإثارة حفيظة الأقباط؟!.
في نهاية حديثي- وقد سبق أن كتبت لكم حين تعرَّضتم أيام تولي حسين بهاء الدين وزارة التعليم؛ لإقصائه الآلاف من المعلمين بحجة تدينهم، وقد رحبتم بهذا الاتجاه، وكتبتُ إليكم مصحِّحًا وموضحًا ومذكرًا- فإن الذكرى تنفع المؤمنين.. هدانا الله وإياكم إلى سواء السبيل، ورزقنا جميعًا السداد في القول ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق)؛ فالكلمة أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة.
وقانا الله وإياكم سوء العاقبة، وأحسن الله ختامنا وختامكم، واقبلوا التحية.
