نشرت صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية في عددها الصادر يوم الخميس 24 يناير 2008م خبرًا تؤكد فيه وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس أن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت قويةً، ولن تتخلَّى عن جهودها لنشر القيَم العالمية، مثل حرية التعبير، وحرية اختيار القادة، وأنها ستواصل عملها على نشر "الديمقراطية" في الشرق الأوسط!!.
لفت نظري هذا الخبر بشدة، وقلت في نفسي: "لقد شاء الله أن نعاصر هذا الكذب والتدليس والمتاجرة بالشعارات وبريق الألفاظ، ورفْع لافتات تحمل في مضمونها عوامل تناقضها ونقضها؛ بحيث نستطيع أن نقول إن ما يحدث في أرض الواقع هو عكس ما يتم الترويج له من مبادئ وأفكار وقيم"!!.
وهذه الديمقراطية التي تلوكها ألسنتهم ويتشدَّق بها الكثيرون من الأتباع والمقلدون.. ماذا تعني؟ وما الهدف منها؟.
إذا قلنا إنها حكم الشعب بالشعب وللشعب كما أشار إلى ذلك فلاسفة اليونان؛ باعتبار أنها الاختيار الحر للجماهير عبر صناديق الاقتراع الشفافة أو الزجاجية، مع إشرافٍ قضائي مناسب، وأن كل ذلك ينتهي إلى اختيار أصلح المرشحين؛ ليقوموا بأمانة النيابة عن الأمة في مجلسها التشريعي؛ ليقوموا بمهمة سنِّ القوانين والتشريعات التي من شأنها تنظيم حياة الأمة والنهوض بها في مختلف مجالات الحياة، وكذلك الرقابة الصارمة للسلطة التنفيذية، ومحاسبتها ومعرفة مدى قيامها والتزامها بالخطط الموضوعة وانضباطها وفقًا للموازنة المالية المرصودة لها.
- فهل هذه هي الديمقراطية بهذا الإطار والتحديد التي تريد أمريكا نشرها في نواحٍ كثيرة من هذا العالم، وخاصةً وبالتحديد العالم الإسلامي؟!.
- وما هو الهدف من نشر هذه الديمقراطية؟ وماذا سيعود على أمريكا من وراء هذه المساعي الحثيثة؟ وهل ما تقصده أمريكا هو بالضبط المفهوم القانوني أو الأكاديمي أو التاريخي للديمقراطية؟!.
- ولنأخذ مثلاً لذلك:
ما يحدث في العراق منذ أكثر من أربع سنوات وما يترتَّب عليه من انهيار نظامها السابق والقضاء عليه، واختيار قيادات جديدة حملتها الدبابات والمقاتلات العسكرية إلى أرض العراق؛ لترث الحكم تحت رعاية وعناية وإشراف أمريكا، وأسندت إليهم مهمة حكم العراق وتشكيل أحزابه الجديدة وقواه السياسية الفاعلة على أنقاض نظام العراق السابق والبائد!!.
هل مجرد هذا التغيير التراجيدي يحقق الديمقراطية المثلى؟! أم إنه يكرِّس الطائفية في أبشع صورها، ويعمِّق جرح التفرق والتشرذم في الوطن الواحد؛ ليتشتت شيعًا وأحزابًا؛ يقتل بعضهم بعضًا، وتسيل الدماء أنهارًا، سواءٌ في بغداد أو في غيرها من جميع المدن والبلدان؟!.
إن الكلام عن الديمقراطية وتعليم أهل العراق (مثلاً) إياها، ومحاولة تطبيقها في واقع حياة الناس هناك لا يعدو أن يكون زيفًا وبهتانًا يخفي وراءه أهدافًا أخرى؛ منها:
1- تمزيق العراق إلى قطاعات و"كانتونات" عرقية وطائفية؛ حيث كرَّست أمريكا ذلك منذ البداية، وحاولت تقسيم البلاد إلى شيعة وسنة وأكراد، وحتى هذا التقسيم على هذا النحو غيرُ متجانسٍ وغير معقولٍ؛ ذلك أن التقسيم بناءً على المذهب أو الدين أو العقيدة يمكن أن يكون مقبولاً باعتبار أن أهل العراق في غالبيتهم إما شيعة أو سنة، أما إقحام "الأكراد" على هذا التقسيم، واعتبارهم أحد الثالوث في المنظومة فلا يستقيم؛ فالشيعة والسنة تقسيم مذهبي، أما "الأكراد" فمسألة عنصرية أو عرقية يستقيم معها أن تكون هكذا؛ عربًا وأكرادًا.
ولكن منذ متى يريد الاستعمار الحديث أو القديم أن تخضع تصرُّفاته ومخططاته للعقل والمنطق؟!.. المسألة أبعد من ذلك بكثير؛ فالمسألة أن يتمزَّق هذا العملاق، أو العراق إلى أجزاءٍ يسهل بعد ذلك اختراقها، والسيطرة عليها وتطويعها لخدمة الأهداف العليا للسيد القابع هناك في البيت الأبيض الأمريكي، وتنفيذ مشيئته وأهوائه!!.
ونحن إنما نقيس هذه الأمور كلَّها من منظورٍ إسلامي، ونُخضع كل هذه التصرفات وفقًا للمصلحة العليا لبلاد الإسلام وأقطاره؛ لا يمكننا أن نغفل أو نتغافل عن أن المخاض الكئيب لأحداث سبتمبر 2001م إنما هو وضع جميع بلاد المسلمين تحت الرقابة اللصيقة للغرب وأمريكا، وأنها تصنِّف الإسلام مرادفًا للإرهاب، وبالتالي فإن أصابع الاتهام في كل ما يعتري العالم من مشاكل وقلاقل ومصائب توجَّه إلى الإسلام باعتباره مولِّدًا للإرهاب وصانعًا له، ومن هذا المنظور فإن مسألة وحدة بلاد المسلمين مسألةٌ فيها نظر، بل يمكن أن نؤكد أن المخطط الذي جرى الترويج له منذ مدة بسيطة، والذي من شأنه تقسيم البلاد العربية والإسلامية إلى أجزاء وأقسام؛ بحيث يكون الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين.. هو أكبر كيان أو قسم في جميع البلاد المحيطة به.. وهو ما يؤكد أي فكرة "الشرق أوسطية" المزمع إقامتها في هذه المنطقة.. تستهدف أن تكون الهيمنة للكيان الصهيوني في كافة المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. وبذلك تتلاشى وتختفي قوة الكيانات العربية والإسلامية.
2- وهكذا نصل إلى أهم هدفٍ من أهداف غزو العراق.. وتدميره، وسحقه، وتمزيق أوصاله وأجزائه، إذا علمنا أن العراق بوضعه السابق، وتحت حكم صدام حسين، ورغم تحفظاتنا، ولكنه كان يمثل تهديدًا للمصالح الصهيونية في المنطقة، وأن التخلص من العراق الموحد المتماسك إنما هو لمصلحة الكيان الصهيوني أولاً وأخيرًا، وأن هذه الخطوة تعقبها خطوات في كافة البلاد العربية والإسلامية كما أسلفنا.
3- ومعروف أن احتياطي البترول في العراق يصل إلى أرقامٍ فلكيةٍ يسيل لها لعاب أمريكا وعيونها مفتوحة على عوائده واستثماراته، وقد بدأت أول ما بدأت في فرض الحماية العسكرية والفنية على منابعه وآباره منذ وطئت أقدام الغزاة أرض العراق، وتستحوذ على النصيب الأكبر منه.
- وخلاصةُ القول أن ادَّعاء أمريكا بأنها جاءت لتزرع الديمقراطيةَ وتعلم أهلها أساليبها، واعتبار أن هذا هو الهدف الأسمى للغزو، ادعاء ساذج، لا يخيل على أحد، وهو زيف كما قلنا، إذْ ما قيمة الديمقراطية التي تفرض على الشعب عنوةً، وتحت أسنة السلاح، ويكون ثمنها باهظًا بهذا الشكل، فقد بلغت حصيلتها حتى الآن أكثر من مليون قتيل في بلاد الرافدين، وإبادة أكثر من ثلاثة أرباع ما يمتلكه العراق من أجود أنواع النخيل، فضلاً عن دمار ما يمتلكه العراق من جامعات ومؤسسات ثقافية وتاريخية ومتاحف ومكتبات عامة.
- وتطالعنا جريدة "الدستور" المصرية في عددها الصادر السبت 2/2/2008م بأن الخارجية الأمريكية تعتبر أن جوهر سياستها نشر الديمقراطية، إذْ ما زالت هذه الأكذوبة يدغدغون بها عواطف وآمال البلاد الإسلامية والعربية، رغم أنها (أي أمريكا) متهمة بأنها تُعرِّض حقوق الإنسان في سائر أنحاء العالم للخطر؛ وذلك عبر سماحها للمستبدين بتقديم أنفسهم على أنهم ديمقراطيون دون أن تطالبهم بتطبيق الحقوق السياسية والمدنية التي تعد جوهر الديمقراطية؛ وذلك وفقًا لما ورد في تقرير "هيومان ووتش"، كما أن هذه المنظمة تشير إلى انتهاك حقوق الإنسان في أمريكا من خلال الإبقاء على مراكز اعتقال سرية في الخارج واعتقال أشخاص بطريقةٍ غير شرعية، ومبررة استخدام التعذيب، وكشفت المنظمة عن وجود 39 شخصًا معتقلين في مراكز اعتقال سرية بأمريكا، وما معتقل "جوانتنامو" منا ببعيد!!!.
- وأخيرًا.. نقول أيتها الديمقراطية كم من الجرائم تُرتكب باسمك!!