قاومتُ كثيرًا الكتابة في هذا الموضوع لملَل أصابني من متابعة أحوال القضاء المصري، الذي وقع فريسةً للنظام الحاكم الذي سيطر عليه و"سيَّس" أداءه عن طريق البعض منهم، ودليل ذلك إصراره على مدِّ السن القانونية لبعض القضاة!!

 

لكنَّ حديث المستشار إسماعيل بسيوني- رئيس نادي قضاة الإسكندرية الجديد- أوقعه في أكثر من مشكلة، ولأن حديثه ليس حكمًا قضائيًّا، وهو ما يحق لنا أيضًا التعليق عليه، فقد وجدتني مضطرًّا للردِّ على بعض ما جاء فيه وقد مسَّني شخصيًّا باعتباري ضحيةَ أسوأ تزوير تم في تاريخ مصر بشهادة القضاة الذين أشرفوا على الانتخابات!!.

 

لذلك سأُورد ما ذكره المستشار في نقطتَين، بعيدًا عن مشكلة وقوعه في نفس ما اعتبره خطأً، من تصريحات سياسية، وتجاوزات أساءت للقضاة لغريمه المستشار محمود الخضيري:
النقطة الأولى إقراره بعدم وجود تزوير في الانتخابات، وهو يعلم أن ذلك يطعن في شهادة القضاة التي رفعها- بشرف- نادي قضاة الإسكندرية تحت إشراف المستشار الخضيري.

 

أما النقطة الثانية فهي ذكرُه لاسم مستشار كان محاميًا عامًّا قبل أن يرأس دائرة في النقض هو المسئول عن صدور تقرير مردود بردِّ رئيس الدائرة نفسه، وجارٍ اتخاذ الطعن في حكمه!! وهذه هي كلمات المستشار بسيوني بنصها كما جاءت في صحيفة (المصري اليوم) العدد 1317 بتاريخ 21 يناير 2008م:

 

* والتجاوزات في الانتخابات البرلمانية حدثت ضد القضاة أنفسهم؟!

** رغم كل التجاوزات فإن تلك الانتخابات أفرزت ٨٨ عضوًا من الجماعة المحظورة، وأكثر من ٦٠ عضوًا مستقلاًّ، ما كان لهؤلاء أن يحصلوا على تلك المقاعد لولا القضاة الشرفاء، وحتى لو فرضنا جدلاً بوجود بعض الحالات أو تجاوزات بسيطة فما كان ينبغي أن نشهِّر بهم، وننشر قائمةً سوداء مع أعضاء نقابة أخرى ونساعدهم على ذلك، فقد كان يكفي أن نُشيد بهؤلاء الأبطال الذين نجحوا في خروج الانتخابات بشفافية ونزاهة، كما كان لهذه الاتهامات مردودٌ عكسيٌّ تجلَّى في تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية بعدم الإشراف الكامل للقضاة على جميع اللجان، والعودة إلى وجود قاضٍ في اللجنة العامة فقط، وليس على كل صندوق، وبالتالي أعتقد أنه لن ينجح مثل هذا العدد في أيِّ انتخابات مقبلة، وقد وضح ذلك في انتخابات الشورى، فتمَّ إبعاد القضاة، واستحوذ مرشحو الحزب الحاكم على جميع المقاعد، والناس تساءلت: هل القضاة هم فقط من يملكون النزاهة والصدق؟!

 

* لكنَّ رجل الشرطة يختلف عن رجل القضاء؛ فالأول له تبعية رئاسية، أما القاضي فرأيه ينبع من ضميره وقلبه!.

** باقولك إيه.. ما يهمني هو الحفاظ على الثقة العامة في القضاء، فلا يجب أن ننشر "غسيلنا الوسخ" على الملأ، وإذا كان هناك شيء فيجب معالجته ذاتيًّا، وليس عبر الصحف والفضائيات، خصوصًا أن محكمة النقض نفسها قالت إنه حدثت تجاوزات، ولكن لم تقُل حدث تزوير، والدليل القيامة التي قامت على ما حدث في دائرة د. مصطفى الفقي، ثم جاءت المحكمة، وقالت لم يحدث شيء ولم يكن هناك تزوير، اتركوا محكمة النقض تقول كلمتها، هذه النتيجة لن تحدث مرة أخرى، كما أن مستشارِي محاكم الاستئناف- الذين يرقون للالتحاق بمحكمة النقض- يجب أن يتم طرح أسمائهم في جمعية عمومية بالمحكمة مثل الانتخابات تمامًا، ولا يخفى على أحد أن زعماء هذه المجموعة يحتلون الكثير من مقاعدها، وبالتالي لو واحد غير منتمٍ لتيارهم لن يوافقوا عليه، والعكس صحيح، هي جماعات تتحوصل حول تيار واحد، وهذا معروفٌ في القضاء، وهناك زملاء أفاضل كانوا سيرسبون في التصويت رغم تقاريرهم الجيدة، وهناك نماذج مثل المستشار يحيى عارف، وكان مستشارًا كبيرًا بالاستئناف، وهو رجل فاضل، وكان يعمل محاميًا عامًّا لغرب الإسكندرية، وعندما تم ترشيحه للنقض كاد أن يسقط لولا تدخُّل المرحوم المستشار عبد الوهاب الخياط، الذي استطاع أن يجمع له بعض الأصوات وعدَّى".

 

وقد استلزم ذلك أن أردَّ على ما ذكره السيد المستشار، الذي جاء من نفس الفريق الذي دافع عن التزوير، ولم يلتفت لشهادة القضاة، وهو نفس الفريق الذي دَفن بلاغي للنائب العام ضد المستشار أحمد نصار الذي قام بعملية التزوير، وهو اتهامٌ أستغرب إهمالَه من المتشدِّقين بنزاهة الانتخابات وإصرارهم على عدم التزوير، والفيصل في ذلك هو التحقيق فيما قدمتُه من أدلة وشهود مستعدُّون حتى اليوم للشهادة، ولن أسرِدَ هنا كلامًا مرسَلاً، بل سأذكر جزءًا من المذكِّرة التي تقدَّم بها فريقُ الدفاع الذي تطوَّع لفضْح التزوير، ومحاولات التستُّر عليه، والمكوَّن من الأستاذ الدكتور محمد سليم العوّا والدكتور عوض محمد عوض والأستاذ سمير حافظ المحامين بالنقض، وسأختصر وقائع الطعن في نقاط؛ ردًّا على هذا الدفاع الظالم من المستشار بسيوني!!.

 

كان الطاعن والمطعون ضده الأخير مرشحين على مقعد الفئات عن الدائرة الأولى بمحافظة البحيرة، ومقرها بندر دمنهور وزاوية غزال، والتي أُجريت الانتخابات بها بتاريخ 20/11/2005، وبالنظر إلى ما شاب هذه الانتخابات من عوار فقد طعن عليها الطاعن بالطعن الانتخابي رقم 352 لسنة 2005، وكان أخص ما أسّس عليه طعنه هو إعلان نتيجة هذه الانتخابات بنجاح المطعون ضده الأخير بالمخالفة لما تضمَّنته النتائج الفعلية المرصودة في اللجان الفرعية، والتي تثبت نجاح الطاعن، وبفارق شاسع عن المطعون ضده الأخير بما يشكِّل تزويرًا في إعلان النتيجة الصادرة من اللجنة العامة.

 

نُظِر الطعن الانتخابي أمام دائرة الاثنين التجارية، وكان السيد الأستاذ المستشار عطية النادي هو المقرر الذي نِيطَ به تحقيق طعنه، فسأل الطاعن في 4/5/2006؛ حيث أدلى أمامه بشواهد التزوير وشهوده عليه وطلباته المحددة لاستيفاء هذا التحقيق، غير أن السيد الأستاذ المستشار المقرر أُعير إلى دولة الكويت في سبتمبر 2006، فعاد ملف الطعن إلى السيد رئيس الدائرة، فلا استكمل تحقيقه ولا أجيبت طلبات الطاعن فيه رغم استعجاله هذا بأكثر من خطاب مسجَّل.

 

ولأن مصر كلها تعلم بتزوير نتائج تلك الدائرة من بلاغ قدمه السيد المستشار رئيس نادي القضاة بالإسكندرية إلى النائب العام ضمنه أن 151 من رجال القضاء الذين يرأسون اللجان الفرعية بهذه الدائرة، من 160 دائرة فرعية، قد شهدوا له باختلاف النتائج التي أثبتوها في لجانهم عن النتائج التي نُسبت إلى هذه اللجان والمعلَنة باللجنة العامة، وعقب ذلك ندب مستشار لتحقيق هذا البلاغ، سأل فيه السيد الأستاذ المستشار المبلغ، ولم يتم التصرف في هذا التحقيق حتى الآن.

 

ولأن الطاعن رأى اغتيال حقه الشرعي وتزييف إرادة ناخبي الدائرة رؤيا العين؛ فقد بادر بإبلاغ السيد الأستاذ المستشار المحامي العام لنيابة دمنهور عن هذا التزوير، وآلَ بلاغه إلى نيابة أمن الدولة العليا ولم يتم التصرف في هذا التحقيق أيضًا حتى الآن.

 

تم تجميد كل ما يخص هذه الواقعة لدى المستشار المنتدب للتحقيق، وفي نيابة أمن الدولة العليا، وفي الدائرة التي تنظر الطعن الانتخابي، إلى أن فوجئ الطاعن بالسيد الأستاذ المستشار مقبل شاكر (رئيس محكمة النقض) يدلي بتصريح صادر لجريدة (المصري اليوم) بتاريخ 13/3/2007 يدور حول هذه الانتخابات، وما جرى فيها، فيقـرر سيادته نصًّا "المستشارة نهى الزيني تحدثت عن جزئية صغيرة في دائرة واحدة هي حضرتها، لكنَّ هناك نحو 300 لجنة أخرى لم تحضرها، وجرى التحقيق في شهادتها، فثبت عدم وجود أي تزوير، وهي تحدثت في حدود ما رأت".

 

ثم أعقب ذلك ظهور سيادته في قناة (دريم) التليفزيونية من خلال برنامج (العاشرة مساءً)، معلنًا أن محكمة النقض- وهي المختصة بالفصل في صحة الطعون الانتخابية- حسمت الأمر بعد أن تأكدت من سلامة النتائج المعلنة في دائرة بندر دمنهور، وأن ما تردَّد من البعض بشأن ما شاب الانتخابات من تزوير يعبِّر عن موقف لجنة فرعية واحدة على خلاف باقي اللجان التي جاءت النتيجة المعلَنة معبرةً عنها تعبيرًا صحيحًا إلى نهاية ما جاء على لسانه بهذه الحلقة.

 

السيد الأستاذ المستشار رئيس محكمة النقض لا علاقةَ له بالطعن الانتخابي الخاص بالطاعن، ولا علاقةَ له بالدائرة التي نظرت الطعن، وكان الطاعن يعلم في هذا الوقت علمَ اليقين أن الحكمَ في الطعن لم يصدر بعدُ من الدائرة المختصة بنظره، وأن السيد رئيس المحكمة يتحدث عن حكمٍ لم تحكم به الدائرة التي تنظر الطعن بعد، وعن أسباب حكم لم تودع من قضاة الحكم وهي واقعة غير مسبوقة، ولا هي قابلة للتكرار في محكمة النقض، ولذلك تقدم الطاعن بطلب إلى محكمة النقض في18/3/2007، طالبًا الحصول على شهادة من جدول المحكمة بما تم في طعنه، ووعده المختص بالجدول بإصدارها له في اليوم التالي، فلما توجه في اليوم التالي لاستلامها تبيَّن تغير المواقف بالمحكمة التي رفضت إعطاءه هذه الشهادة حتى الآن!!، واكتفت بتسليمه صورةً من طلبه مؤشَّرًا عليها برقم قيد هذا الطلب وتاريخه!!.. (مستند رقم (1) بالحافظة المقدمة مع الطعن).

 

كان هذا الموقف غريبًا وشاذًّا، وكان من حق الطاعن آنذاك أن يستريب في أن أمرًا يدبَّر لستر عوار وشيك الوقوع، فتقدم بتاريخ 24/3/2007 بتقرير لرد السيد الأستاذ المستشار يحيى عارف رئيس الدائرة التي تنظر الطعن القضائي، وكان الأكثر شذوذًا أن تمنع محكمة النقض طالب الرد من إيداع تقريره الذي أشَّر عليه رئيس القلم المدني بالمحكمة باستلام أصله، وأن يتضمن تأشيرةً أخرى ممن عُرض عليه تقرير الرد بالنظر دون إرفاق!! (مستند رقم (2) بالحافظة المرفقة).

 

ولما كان هذا المسلك يتجاوز إنكار العدالة إلى حدِّ تعطيل العدالة، فقد اضطر الطاعن إلى تحرير المحضر رقم 2654 لسنة 2007 إداري الأزبكية يثبت فيه امتناع محكمة النقض عن تسليمه مجرد شهادة من الجدول، والحيلولة بينه وبين إيداع تقرير الرد.. (مستند رقم (3) بالحافظة السابقة).

 

حاول الطاعن إعلان السيد الأستاذ المستشار رئيس محكمة النقض والسيد الأستاذ رئيس الدائرة التي تنظر الطعن بالوقائع السابقة جميعها، وبالحيلولة بينه وبين إيداع التقرير بالردّ، فاستحال عليه تسليم الإعلان إليهما.. (مستند رقم (4) بالحافظة السابقة).

 

فوجئ الطاعن بعد ذلك بأن المطعون ضده الأخير، قد قدم إلى جريدة (المصري اليوم) نسخةً من الحكم المطعون فيه، التي أرسلت إلى مجلس الشعب خاليةً من ديباجة الحكم التي تبيّن المحكمة التي أصدرته والقضاة الذين أصدروه وتاريخ إصداره، وإن كان مذيَّلاً بتوقيعات منسوبة لرئيس وأعضاء وسكرتير الدائرة الذين أصدروه، ومن المقرَّر أن الطعن في هذه الحالة- في حقيقته- بمثابة دعوى بطلان أصلية سببها الوحيد المقبول هو عدم صلاحية من قام بالعمل القضائي أو أصدر الحكم الباطل.

 

تنص المادة 162 من قانون المرافعات على أن "يترتب على تقديم طلب الرد وقفُ الدعوى الأصلية إلى أن يحكم فيه، ومن المقرر أنه يترتب على تقديم طلب الرد وقف الدعوى بقوة القانون، كما أنه من المقرر بطلان عمل القاضي إذا صدر بعد التقرير بالرد دون نظر لإخطار القاضي المطلوب رده بالتقرير أو علمه به، وهو بطلان يتعلق بالنظام العام لتعلُّقه بأصل من أصول المحاكمة" انتهى.

 

ورغم أن التقرير جاء بالإبطال إلا أنه نفى التزوير دون الاطِّلاع على أوراق الانتخابات التي كان يجب على المحكمة إطلاعي عليها كطاعن، ودون السماع للشهود الذين ذكرتهم في التحقيقات التي تمَّت معي لمرة واحدة!! وأرجو من المستشار أن يحترس المرة القادمة حتى لا تصيبه لعنة دمنهور!!.

------------

drhishmat@yahoo.com