ثمة حديث يتردَّد بكثافة في الآونة الأخيرة؛ بأن هناك مخططًا مدبَّرًا ومدروسًا لإسناد إدارة قطاع غزة إلى النظام المصري؛ تمهيدًا للقضاء على المقاومة، وتخلُّصًا من الصراع الذي يعاني منه الكيان الصهيوني، مع إعداد شمال سيناء لتوطين من يريد العودة من اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في الشتات، فضلاً عن فلسطينيِّي 48؛ على اعتبار أن سيناء خاوية أو خالية، أو كما يهرِف بعض الصهاينة من أن أرض سيناء ليست أرضًا مصريةً وإنما هي امتدادٌ لفلسطين، ولا شك أن هذا يتسق مع إعلان يهودية الدولة، وما يترتب على ذلك من إهدار حق اللاجئين في العودة، مع الترتيب لطرد وإخراج فلسطينيِّي 48 من أرضهم وديارهم.
وبدايةً أقول: لا الشعب الفلسطيني يمكن أن يترك أرضه اختيارًا أو اضطرارًا، ولا الدولة المصرية يمكن أن تدير قطاع غزة أو أن تترك سيناء للفلسطينيين؛ فسيناء مصرية صميمة، وهي جزء من التراب الوطني، كما أن مصر لا يمكن أن تلعب دورًا ضد مصالح القضية الفلسطينية وضد وحدة الشعب والتراب الفلسطيني أيًّا كانت الضغوط التي يمكن أن تمارَس عليها، وأظن أنها منتبهة إلى ذلك أشدَّ الانتباه، والمهم أن تكون هناك خطواتٌ عمليةٌ جادَّةٌ وشجاعةٌ وعاجلةٌ نحو تعمير وتنمية سيناء لما فيه صالح شعب مصر.
إن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يترك أرضه ودياره تحت أيِّ ظرف مهما كانت المغريات أو الضغوط التي تمارَس لإخراجه، خاصةً بعد محنة الخروج التي واكبت الأعمال الإجرامية التي ارتكبتها عصاباتُ العدوّ الصهيوني خلال القرن الماضي؛ حيث اكتسب الشعب الفلسطيني- بعد هذه التجارب المريرة- مناعةً وصلابةً وثباتًا وقدرةً هائلةً غير مسبوقة على التحدي والمقاومة وعدم الرضوخ.
لقد أصبحت الرؤية واضحةً أمامه تمامًا، ولا أتصور أحدًا أو جهةً- أيًّا كانت- مهما كان وزنها أو حجمها تستطيع أن تؤثِّر فيه أو تخدعه أو تستدرجه إلى ما لا يريد.. الشعب الفلسطيني الذي ضحَّى بكل غالٍ ونفيسٍ دفاعًا عن الأرض والعِرض والمقدَّسات، وارتبط وجدانه وكيانه ووجوده بكل حبة رمل.. بكل شبر.. بكل بناية.. بكل شجرة في فلسطين.. أقول: هذا الشعب سوف يظل مستمسكًا بأرضه، متشبِّثًا بها، مجاهدًا في سبيل المحافظة عليها ولو كلَّفه ذلك حياته، وهو بذلك يقدِّم أنموذجًا للصمود والتضحية والفداء للأجيال القادمة، بل وللأمة كلها.
أحد الشهداء الفلسطينيين
لقد قدم الشعب الفلسطيني عبر الأجيال شهداء تلو شهداء، ولم يضنّ في أي لحظة بتضحية ولو عظمت في سبيل قضيته، رغم قسوة المعاناة، ورغم المجازر الوحشية والتصفية ومحاولات الإبادة التي يتعرَّض لها، ورغم تخريب الأراضي وهدم المنازل، ورغم حصار الجوع والموت.. هو يعلم عن يقين أن الأمة التي لا تُجيد صناعة الموت لا تستحق الحياة، ولا يغيب عن ذهنه لحظةً أن أرضه محتلة، وأن الاحتلال لا يجدي معه نفعًا سوى ما قرَّره الإسلام؛ وهو الجهاد، وما كفلته القوانين والمواثيق والأعراف الدولية؛ وهو المقاومة واستخدام السلاح دفاعًا عن الأرض والعرض والمقدسات، خاصةً بعد فشل كل محاولات التسوية.

الشعب الفلسطيني يعلم عن يقين أنه لا يدافع عن أرضه وعِرضه ومقدساته فحسب، لكنه يدافع عن كرامة الأمة وشرفها؛ هو يمثِّل حائط الصد وخط الدفاع الأول في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني، الذي يستهدف تركيع الأمة، وتوهين عقيدتها، وإفساد أخلاقها، وسلب خيراتها، ونهب ثرواتها، وتذويب هويتها، والقضاء على خصوصيتها الثقافية، وطمس معالم تراثها الحضاري.
لأجل ذلك، ومن منطلق تلك الحقيقة الكبرى أن القضية الفلسطينية هي قضية العروبة والإسلام الأولى، فقد وجب على كل العرب والمسلمين- وحدانًا وزرافاتٍ- أن يقوموا بواجبهم نحو دعم ومساندة إخوانهم في فلسطين؛ حتى تتحرَّر الأرض كل الأرض وتتطهر المقدسات كل المقدسات.
يجب أن تكون الحركة على مستويات متعددة.. إعلامية، وسياسية، وإغاثية وقانونية.. التظاهرات والمؤتمرات مهمة، ولها تأثيرها في الضغط على الأنظمة والحكومات؛ من أجل التحرك لرفع الحصار، وتوصيل الكهرباء، ونقل الوقود، وإمداد المحاصرين بالغذاء والدواء، ولها تأثيرها أيضًا في إيقاظ الجماهير نحو التحدي الأكبر الذي يواجه أمتنا.. نريد أن تتحول التظاهرات والمؤتمرات إلى عمل متواصل، كلٌّ يعمل على قدر طاقته؛ فالتبرع بالمال لأقرب لجنة شعبية أو للجان الإغاثة أمرٌ مطلوبٌ وعاجلٌ، كما أن إثارة هذه القضية في الصحف والمداخلات التي يمكن أن تتم عبر برامج التلفزة المختلفة مسألة حيوية وضرورية ولها آثارها، أيضًا الوعي العام بالقضية والتحرك من أجلها أمرٌ مهمٌّ للغاية، وهذا يستلزم أن تتحدث مع أهلك وذويك وزملائك حول ما يجب عمله وتقديمه لخدمة إخوانك في قطاع غزة.
![]() |
|
فلسطينيون يسوقون قطيعًا من الماعز اشتروه من الجانب المصري |
إن معبر رفح هو شأن مصري فلسطيني بحت، ولا ينبغي أن نترك لأي جهة كانت فرصة التدخل في هذا الشأن، نريد من النظام المصري أن يصمد في وجه الضغوط الأمريكية والصهيونية؛ فهذا هو دور مصر الإستراتيجي والتاريخي تجاه فلسطين وشعبها، فضلاً عن أن ذلك يمثِّل أهميةً بالنسبة للأمن القومي المصري.
وقد أحسن النظام صنعًا مرةً ثانيةً حين أعلن عن استعداده بل وقيامه فعلاً بالوساطة بين فتح وحماس، وأنه يقف على مسافة واحدة من كلا الفصيلين، وعلى الإخوة الفرقاء- وبخاصة فتح- أن يحسنوا التعامل مع هذه الفرصة، وإلا فإن الفشل سوف تكون عواقبه وخيمةً على كل الأطراف.
من جانب آخر أخطأت الجهات الأمنية بمنع مظاهرة القوى السياسية والوطنية يوم الأربعاء 23/1/2008م أمام الجامعة العربية، واعتدائها على المتظاهرين بالضرب بالعصيِّ والهراوات، واعتقال المئات منهم؛ لذا مطلوبٌ من النظام المصري تصحيح هذا الخطأ، وأن يقوم بالإفراج فورًا عن هؤلاء المعتقلين، فلا ينبغي أن يكون هذا جزاءَ من أرادوا أن يعبِّروا عن رفضِهم واحتجاجِهم لما يرتكبه العدوُّ الصهيونيُّ من إجرام وأعمال بربرية في حق إخوانهم الفلسطينيين.
--------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.
