حدثنْي عما تريد من حروب ومعارك وانتصارات.. حدثني إن شئت عن رجال ضربوا أروع الأمثال في التحدي والإباء.. حدثني عن محنٍ صنعت المعجزات، فكل ذلك يتضاءل أمام عزة وشموخ تلك البقعة الصغيرة من الأرض.. قطاعُ غزة.
انظر إلى الخريطة أو الكرة الأرضية المستديرة، ستجد بجوار جمهورية مصر العربية بلدةً صغيرةً تسمى قطاع غزة، تَركت على خريطة الكرة الأرضية بصمة عزة مميزة، كفيلة أن تسقي العالم كله عزةً، وتفيض أنهارًا وأنهارًا.
هذه البلدة الصغيرة جدًّا في مساحتها، العظيمة في رجالها، العريقة في تاريخها المتضمن لسجلاَّت حافلة من الجهاد والمقاومة، صمدت أمام أحداث جسام، لم يكن للعقل أن يتصوَّر أو يتخيَّل أن تصمد أمامها، صمدت برجالها ونسائها، بشهدائها وجرحاها، بأطفالها وشيوخها، صمدت وقد كان للصمود ثمنٌ ليس بالرخيص ولا باليسير، ثمن دفعته غزة بدلاً عن الأمتَين العربية والإسلامية، دفعه الأطفال من طفولتهم البريئة التي قضت عليها طائرات الأباتشي بصوت محركاتها المزعجة وقذائفها الحارقة، دفعت ثمنه طفلةٌ صغيرةٌ حُرِمَت من أمها التي أهلكها المرض؛ لأنها لم تستطع أن تخرج من السجن الذي ضُرب عليها للعلاج؛ حيث إن غزة قد نفد منها العلاج والدواء، دفع ثمنه أطفال يُتِّمت ونساء ترمَّلت، وما خفي كان أعظم وأهول!!.
لكن هذه البلدة الصغيرة بنسائها قبل رجالها، وبأطفالها قبل شيوخها، أثبتت للعالم كله أن إرادة الصمود وقوة الحقوق، كسرت الحصار وبطش الطائرات والمدفعيات.
حصار مظلم، بدأت فصوله وخيوطه تحاك وتُدبَّر منذ عامين؛ في الخامس والعشرين من شهر يناير لعام 2006، حينما اكتسحت حماس الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وحصلت على أغلبية كاسحة في انتخابات نزيهة لم تشهدها المنطقة برمَّتها من قبل، وشهد لها العالم كله بنزاهتها، وكانت هذه هي الديمقراطية التي تتشدَّق بها العديد من الدول الكبرى التي تمثِّل رأس القوى في العالم كله، التي بسببها احتلّت العراق، والتي أثبتت بعد هذه التجربة أيضًا أنها تمثل دور "الدجَّال الكبير" و"الحاوي المحتال"، لمصطلحات ومعانٍ هي عارية عنها تمامًا، ولو على الأقل في سياستها الخارجية مع دول (العالم الثالث)، حسب تسميتها..
تلك الدول التي تنهب منها ثرواتها، وتستخدمها مزارع بشرية لأهدافها الدنيئة؛ فبعد اكتساح حماس للانتخابات التشريعية وتشكيلها للحكومة الفلسطينية العاشرة، ضربت الولايات المتحدة الأمريكية والعدو الصهيوني حصارًا مظلمًا على قطاع غزة؛ حيث منعتا تمامًا التعاملات البنكية عبر البنوك الداخلية الفلسطينية، وهددتا البنوك العربية بتجميد أرصدتها إن تم التعامل مع الداخل الفلسطيني، ومنَعَتا كل المعونات التي كانت تقدمها لمثيلاتها من الحكومات السابقة هي والمجتمع الدولي.
فعلت ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في مسرحيةٍ قذرةٍ، يحكي كلُّ فصل من فصولها إجرامًا حقيقيًّا وانتهاكًا مباشرًا للحريات وضربًا لمبدأ الديمقراطية- التي طالما تشدَّقت به- على قفاه أمام كل العالم، الذي ظل أكثره يتفرج ويشاهد بدون حراك، ما بين مغلوب على أمره وما بين متواطئ بصمته.
ومع الظروف الصعبة التي تحوم حول الحكومة العاشرة ونفاد الخزائن تمامًا عن بكرة أبيها منذ استلامها، إلا أن الحكومة الفلسطينية بفضل الله تعالى ثم بفضل ثباتها وعزيمتها وعزيمة أهل فلسطين وتضامنهم مع حكومة التغيير والإصلاح التي انتخبوها عبر صناديق الاقتراع، وبجهود إسلاميةٍ عربيةٍ شعبيةٍ، صمدت وضربت عرض الحائط بهذا الحصار المصرفي والاقتصادي، وقطع المعونات.
وفضل المخطط الدنيء الذي كانت تخطط له الإدارة الأمريكية بجانب حليفها وثنائيها الصهيوني وبعض الأطراف الإقليمية اللجوء إلى التصعيد؛ لإفشال هذه التجربة الفريدة من نوعها، المتمثِّلة في تقلّد الإسلاميين حكومةً شرعيةً عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة، ولإخماد روح المقاومة في هذه الحركة، ووأد هذه الفكرة والتجربة، ليتذرَّع سماسرة الباطل بفشل التجربة الإسلامية في أول بدايتها التي تنادي بها الحركات الإسلامية؛ هذا التصعيد الذي أعقب هذه المرحلة الأولى من هذا المخطط السالف ذكره؛ ألا وهو محاولة اغتصاب الشرعية الفلسطينية باعتقال العديد من النواب أعضاء المجلس التشريعي، وعلى رأسهم الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني.
ومع ذلك ورغم كل هذه الصعوبات إلا أن الحكومة الفلسطينية لم تخمد، ولم تستسلم للحصار، والتي كانت متمثلةً في الأستاذ إسماعيل هنية (رئيس الحكومة) وإخوانه الوزراء، الذين كان جُلّهم من حركة حماس وقلة من المستقلين، بعد أن رفضت العديد من الفصائل المشاركة في هذه الحكومة؛ ظنًّا منهم أنها حكومة محكوم عليها بالفشل.
وعندما أحسَّت الإدارة الأمريكية بفشل مخططها الذي أعدته وساعدتها في تنفيذه العصابات الصهيونية، لجأت إلى استئجار بعض الخارجين عن الصف الوطني الفلسطيني بواسطة موظفيها الأمنيين في الداخل الفلسطيني؛ في محاولة لخلق الفلتان الأمني، ولتدمير وحدة الصف الوطني، فبدأت هذه العصابات التي ترتدي لباسًا فلسطينيًّا، لكنها في الحقيقة ذات أجندة أمريكية صهيونية هدفها الرئيسي هو القضاء على المقاومة، في مقابل ما تقبضه من دولارات مستوردة؛ فكانت محاولات تعطيل جلسات المجلس التشريعي في غزة والمحاولات العديدة لاغتيال الدكتور محمود الزهار (وزير الخارجية في الحكومة العاشرة)، ومحاولة قتل الأستاذ إسماعيل هنية مع سبق الإصرار والترصُّد أثناء مروره من معبر رفح بإطلاق الرصاص عليه بطريقة مباشرة، واستشهاد أحد مرافقيه، وهو (الشهيد عبد الرحمن نصار، شهيد الكرامة والسيادة)، حتى وصل الأمر إلى قتل صوت الحق والعدالة القاضي الشرعي بسام الفرا أمام مقر عمله؛ وحرق بيوت الله تعالى، وقتل المصلين بها، حيث كانت مجزرة مسجد الهداية، حيث تم إطلاق الرصاص على المسجد، وقُتل إمامه الشيخ (أبو أنس)، وما زالت معالم الجريمة بالمسجد واضحةً وشاهدةً حتى الآن.
وطال الأمر بيوت العلم والجامعات؛ فقامت هذه العصابات المأجورة بالاعتداء على الجامعة الإسلامية بغزة وحرق مبانيها وإفساد أجهزتها؛ تنفيذًا لمخطط الصهاينة في تجهيل الشعب الفلسطيني، ووقَّعوا على حوائط الجامعة عبارات شاهدها العالم كله عبر شاشات التلفزة أن (حرس الرئيس مرَّ من هنا؛ وفتح مرَّت من هنا)؛ هذا كله والحكومة الشرعية ثابتة وصامدة، رغم الحصار ورغم الفلتان الذي يقوده عملاء الاحتلال ومندوبوهم في غزة.
![]() |
|
الملك عبد الله يتوسط مشعل وعباس |
ثم جاء اتفاق مكة المكرمة برعاية سعودية، وتم التوافق والاتفاق، رغم ما حدث من اعتداءات سافرة وصلت إلى قتل الأبرياء، وجاءت حكومة الوحدة الفلسطينية، وعلى رأسها الأستاذ إسماعيل هنية، ومضى الوقت، ولكنه لم يمرَّ سريعًا، فلم تتخيل هذه العناصر الشاذة أن يمر مخططهم، وينقضي بدون أن يحقق هدفه الساقط، فشرعوا في محاولة نشر وعودة الفلتان الأمني مرةً ثانيةً، لكن هذه المرة عادوا بإجرام أكبر؛ حيث كانت الأوامر أن تكون إبادة دون مراعاة لأي حرمة دم فلسطيني مشترك، ولا لشرف خصومة ولا خلافه، فوجهت تلك الرصاصات الغادرة إلى صدور الرجال الشرفاء؛ فقتل الشيخ العلامة الدكتور حسين أبو عجوة (المحاضر بجامعة الأقصى)، وقتل الشيخ محمد الرفاتي (إمام مسجد العباس بغزة)، بعد أن أُطلق عليه الرصاص أمام أبنائه وأسرته؛ ووصل الأمر إلى القتل على اللحية وإجبار الأخوات المنتقبات على خلع نقابهن، والكشف عن وجوههن؛ ووصل الإجرام إلى الإعداد لقتل واغتيال الأستاذ سعيد صيام (وزير الداخلية في الحكومة العاشرة)، وقصف منزل إسماعيل هنية بالآر بي جيه، وإطلاق الرصاص على ديوان مجلس الوزراء، وخطف العديد من المواطنين من أنصار حركة حماس ومؤيديها وحرق المنازل، وإشاعة الفوضى والبلبلة والفلتان بشتى أنواعه وأقصى درجاته..!!.
فكان لزامًا على المقاومين الشرفاء أن يطهِّروا غزة من جميع هذه المؤامرات، فما إن بدأت حماس وشرعت في استئصال شأفة هؤلاء الشرذمة العميلة حتى فرَّ الكبير منهم قبل الصغير، وترك القادة العملاء جنودهم وهربوا؛ حيث احتضنتهم المعابر الصهيونية، فوجدت حماس أمامها فراغًا كان لا بُد من ملئه، وهكذا كانت عملية التطهير.
ومنذ هذه المرحلة اشتد الحصار بأقصى درجاته ومراحله على قطاع غزة، وبدأت الإضرابات الجماعية التي تشلُّ الحياة العامة حتى شمل الإضراب نظام الصحة والأطباء، فكان الأطباء يتركون مرضاهم ويُضرِبون؛ وكانت الصلوات المسيَّسة في الشوارع، إلا أن كل ذلك لم يفلح؛ واشتدَّ الحصار على المرضى فمُنعوا من العلاج للخارج، وارتقت حتى الآن اثنتان وثمانون حالة؛ بسبب عدم التمكن من العلاج بالخارج؛ ما بين أمراض السرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب والعديد من الأمراض المزمنة وشحَّت الأدوية، وأوشك الطعام على النفاد، إلا أن غزة والحكومة الفلسطينية أبَت أن ترضخ أو تتنازل عن ثوابت شعبها الفلسطيني أو تعترف بشرعية المحتل.
ودفع الجميع ضريبة هذا الثبات؛ الرئيس قبل الموظف، والوزير قبل الغفير؛ حتى وصلنا إلى ما وصلت إليه غزة الآن، من قطع العدو الكهرباء عن قطاع غزة، وعدم إمدادها بالوقود، وغرق غزة في ظلام دامس عانى منه الأطفال الذين يرقدون في الحضَّانات وأصحاب الفشل الكلوي، الذين يعتمدون على الأجهزة الكهربائية في الغسيل الكلوي، وأطفال لا يستطيعون التنفس بدون الكهرباء لشلل في جهازهم التنفسي، هذا بخلاف الحاجة الطبيعية للإنسان الآدمي في الطعام والشراب الذي كان قد نفد بلا مبالغة، إلا أنه مع كل هذا لم يرضخ أيٌّ من الشعب، ولم تستسلم غزة لسجانها؛ بل كسرت بصمودها قيدَه، وضربت غزة بعزتها قصةً أسطوريةً ستظل تحكيها للأجيال.
واجبات عملية
1- نشر القضية وتفعيلها بين الوسط المجتمعي الذي تعيش فيه، وفي التجمعات الكبرى، وفي المؤتمرات والندوات وبين الأهل.
2- ضرورة التحرك الشعبي لإظهار التضامن مع أهل غزة، والمطالبة برفع الحصار الكامل عنهم، ويأتي ذلك بالمشاركة في المسيرات، والوقفات السلمية، والمشاركة في الندوات والمؤتمرات وورش العمل.
3- الدعم المادي الواجب على كل فرد بقدر ما يستطيع، سواءٌ أكان عن طريق نقدي أو عن طريق الأدوية والمستلزمات المعيشية لحياة المواطنين بالداخل.
4- تدشين حملات إعلامية كبرى على شبكة الإنترنت بلغات مختلفة؛ لإيصال هذه القضية إلى الرأي العام الغربي، ولتوضيح الحقائق دون زيف أو تزوير؛ فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أهمية المشاركة الإعلامية، ودورها كوسيلة فعَّالة وقوية.
5- التأكيد بأن القضية الفلسطينية لم تنحصر في قطاع غزة؛ بل إن القضية الأهم هي المسجد الأقصى وبيت المقدس وتحريره وتحرير جميع تراب فلسطين، ولربما أرادت "إسرائيل" صرف الأنظار العربية والإسلامية إلى قطاع غزة؛ لتعيث هي فسادًا وتخريبًا في المسجد الأقصى وبنيته التحتية وأساساته.
6- المقاطعة.. وهي سلاح فعَّال، يجب ممارسته بقوة ضد المنتجات الأمريكية والصهيونية وعدم التوقف عنه بتاتًا؛ فهو فريضة شرعية، وضرورة وطنية لمناصرة إخواننا في فلسطين، وعلى وجه الخصوص في قطاع غزة وفك الحصار عنهم.
7- الدعاء.. وهو أهم الأسلحة وأولها، والتقرب إلى الله تعالى، وإصلاح النفس، والتزوُّد من الأعمال الصالحة، وبذل المال والإنفاق، والصوم وشتى أنواع العبادات.
8- ضرورة الوحدة وأهميتها وعدم التفرق، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)﴾ (الصف).
