قضية حقوق الإنسان من القضايا المفصلية والحساسة التي ينبغي أن تعالَج في إطارٍ من الحيادية.
فعندما قرأت بعض الكتابات التي تتحدث عن أوضاع حقوق الإنسان شعرتُ بالصدمة؛ فالمشاركات تحمل عددًا كبيرًا من التجارب الذاتية لأشخاصٍ تعرَّضوا لانتهاكات سيئة، ولم يمنعهم ذلك من الاعتراف الصريح بما تعرَّضوا له, سواءٌ في مراكز الشرطة أو على أكمنة الطرق، والبعض تحدَّث عن رؤيته لبعض المواقف بعينها، كما أن العدد الأكبر للشهادات تؤكِّد أن المنتهكين لم تكن لهم سوابق إجرامية، وإنما كانوا في محيط دائرة الاشتباه على سبيل الصدفة أو لأسبابٍ أخرى قد يكون أكثرها غير منطقي!!.
كما وردت على المنتدى إشاراتٌ ليست قليلةً، على أن الكثيرين قد فقدوا الثقة بجهاز الشرطة؛ لسوء أداء منتسبيه ولقسوتهم المفرطة!!.
وقد وُثِّقت بعض الشهادات بـ"كليبات" تعذيب، ووُثِّقت شهادات أخرى بصمتٍ أبدي للضحايا وجثامين ومراسم دفن في ظروف استثنائية!!، لكن شذَّ عن هذه القاعدة "جمعة"، قتيل الفيوم الذي ما زال منذ أشهر طويلة في ثلاجة المشرحة، ترفض أسرته دفنه قبل معرفة حقيقة موته!!.
وتستطيع أنت أن تسرد أكثر من ذلك إذا تحدَّثنا عن تجربةٍ انتخابيةٍ واحدةٍ ذهبتَ لتضع صوتك فيها؛ تلبيةً لواجب وطني تستدعيه وزارة الداخلية والحكومة بإعلانات مدفوعة الأجر من أموال دافعي الضرائب مثلي ومثلك!!.
أجواء حرب حقيقية تنقلها الفضائيات على الهواء مباشرةً، واعتقالاتٌ ومنعٌ للمواطنين من الاقتراب من اللجان بقرارٍ سياسي باستخدام الرصاص الحي وقنابل الدخان وقطعان من "البلطجية" يحملون السيوف؛ يجوبون الشوارع في حراسة الشرطة للقيام بأدوار قذرة!!.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل لا يرى المسئولون في الدولة ما يحدث بها من انتهاكات؟!.
إذا كانت الإجابة بـ"نعم" فهم قطعًا فاقدون للبصر؛ لذا أنا أستغرب هذه الثورة التي صاحبت قرار البرلمان الأوروبي انتقاد أو تجريم سجل مصر في مجال حقوق الإنسان.. أليست هذه هي الحقيقة؟!.
ومما لفت انتباهي أكثر تصريحات د. سرور عن أن الاتحاد لا يستند إلى معلوماتٍ صحيحة، بل إلى مصادر مشبوهة!!.
المصادر المشبوهة التي قد يقصدها البرلماني الكبير: أعضاءٌ في البرلمان الأوروبي؛ جاءوا إلى مصر في مناسبات معينة لحضور جلسات المحاكمات العسكرية لأفراد من الإخوان، أو لزيارة أيمن نور، فمُنعوا وتعرَّضوا لمعاملةٍ غير إنسانية على يد الشرطة على مرأى من عين النظام.. شرطة لا تُفرِّق بين برلماني محلي قابل للسحل والانتهاك وآخر أوروبي!! عصي على ذلك بقواعد ونظم تُوفِّر له الحماية والمنعة حتى ولو كان في دولة الفراعين عتيقة الحضارة والاستبداد.
لم تختلف تبريرات مسئولي الدولة المحترفين سياسيًّا عن عددٍ قليلٍ من زوار المنتدى ضيِّقي النظرة، الهواة بالفطرة؛ كلاهما تحدَّث عن سمعة مصر وخلَّق كلامًا عن مؤامراتٍ تُحاك للتدخل في شئون مصر وتسجيل موقف ضدها؛ وذلك بأسلوب سردي عاطفي يفتقد للدقة ويبعث على الضيق، وكأنَّ مصر تملك أمرها فعلاً أو وكأنَّ حمايةَ سمعة بلد من البلدان لا يمكن أن تتم في إطارٍ من القانون والأعراف والمواثيق الحقوقية!!.
ورغم أن د. سرور تحدَّث طويلاً عن لغة الحوار الهادئ هدَّد- على طريقة "صحَّاف العراق"- بفتح ملفات انتهاكات حقوق الإنسان في أوروبا، وقال بملء فيه: "انتهى عهد الإملاءات ولغة الاستعلاء"!!.
أنا أعتقد أن سمعة مصر تحميها الممارسات المتحضرة واحترامها لحقوق مواطنيها وقدرتها على إيجاد دوافع مشتركة للترابط بينهم وبين الحكومات المتعاقبة على أساسٍ من الحب والثقة والاحترام المتبادل، ومع تشديد الجهات الرقابية وتفعيل دور المنظمات الحقوقية للتصدي لكل من تسوِّل له نفسه بالانتقاص من كرامة الإنسان حتى ولو كان مخطئًا.
النظام لا بد أن يُفرض بالقانون لا بسلطة مستمدة من زي أو هيئة أو مرجعية أو أيديولوجية معينة.. هذه ممارسات تفتقد التحضر.
لا يمكن أن ننفيَ أن هناك تعذيبًا ممنهجًا وانتهاكاتٍ بشعةً وظلمًا فادحًا وتسييسًا لجهاز الشرطة لحماية نظامٍ فَقَدَ القدرة على الحركة والاستجابة لمتطلبات الحياة!!.
جعجعة فضائية، ثم شن حملة اعتقالات جديدة ضد قيادات إخوانية على وزن د. إبراهيم الزعفراني كان ردَّهم على القرار مع نظرات منكسرة ورعشة يفضحها الخوف على مِنَح ومساعدات الاتحاد!!.
باعتقادي أن الذين تصدوا لهذه القضية يكرِّرون عباراتٍ بعينها في مواقف بعينها دون أن يطوِّروا خطابهم تبعًا للمستجدات؛ لا يفرِّقون في جهلهم بين خطابٍ يخدع الداخل الفقير والخارج الذي يرتكز على مؤسسات وقواعد!!.
ويحضرني هنا سؤالٌ لأستاذ الإذاعة بكلية الإعلام: عندما تم فض اعتصام السودانيين بالقوة؛ مما خلَّف عشرات القتلى.. كيف نصيغ رسالةً للعالم الخارجي نخفِّف بها من وطأة الحدث ونعطي مبررات مقبولة؟!.. لقد فكَّر بعقلانية لتبرير الخطأ، لكنه- رغم أدبه الجم- لم يتأثَّر لبشاعة الحدث!!.
المبرِّرون الجدد ربما يفتقدون هذا الفهم؛ تخرج عباراتهم شررًا ونيرانًا ما تلبث أن تخمد وتلقى حتفها.
اختزال مصر العظيمة في الرؤية الرسمية ينتقص من قدرها، وكرامة مصر من كرامة شعبها, وإرادة الجماهير تصنع المجد بعيدًا عن الشعارات الكاذبة والدعاوى المتهافتة, ومن أبجديات الوطنية التصدي للتجاوزات وإعادة الحقوق لأهلها، والتأصيل لعهود التحرر الذي ينجز فيها الإنسان ويبتكر، ثم تسويق ذلك كله في إطارٍ من الصدق والموضوعية بعباراتٍ تؤكِّدها الصورة.
الفرد المنتهك محطم الكرامة فاقد الشجاعة، ودون أن يدريَ داعيةٌ للتراجع والارتهان الحضاري والانهيار، ولو ملأ كهنة الوطني السماء والأرض بأطنان من كلماتهم الخفيفة المهترئة.
وقد اعتبر مالك بن نبي أن وراء كل قصة استعمارًا.. هناك قصة شعب خفيف يقبل الاستخذاء، وأخشى أن نكون قد تعمقَّنا رأسيًّا وأفقيًّا في هذه المرحلة.