![]() |
|
عبد الباري عطوان |
حاولت السلطات المصرية إعادة إغلاق الحدود مع غزة الجمعة مثلما كان متوقَّعًا؛ ليعود القطاع إلى وضعه السابق كمركز اعتقال كبير لمليون ونصف المليون إنسان دون كهرباء أو غاز أو دواء، ولأجَلٍ غير محدد!!.
الظاهرة اللافتة للنظر، والتي ربما غابت عن أذهان الكثيرين، أن هؤلاء الجياع المحاصَرين عندما اندفعوا بمئات الآلاف بعد كسر بوابة سجنهم، لم يقدموا على أي أعمال سلب أو نهب للمحلات التجارية في الجانب الآخر من الحدود، رغم ظروفهم المعيشية الصعبة وكمِّ الإحباط الهائل داخلهم!!.
أبناء قطاع غزة تصرَّفوا بطريقة حضارية مسئولة، رغم أنهم كانوا يعامَلون بطريقةٍ فجَّة قاسية وغير حضارية على الإطلاق؛ ذهبوا إلى المحلات المصرية، ودفعوا أثمان البضائع التي اشتروها نقدًا، رغم أن بعضها تضاعف ثمنها ثلاث أو أربع مرات؛ بسبب الإقبال الشديد وقلة المعروض!!.
مدن كثيرة عربية وأجنبية، بعضها في عواصم أوروبية متحضرة، شهدت اضطراباتٍ مماثلةً، وفلتانًا أمنيًّا، ولكن المتظاهرين لم يلتزموا بالقانون؛ ففي لوس أنجلوس نهبوا المحلات التجارية أمام عدسات التلفزة، وفي ضواحي باريس جرى إحراق المحلات التجارية والسيارات، رغم أن هؤلاء لم يكونوا محاصرين أو مُجوَّعين، ويعيشون في ظروف أفضل بعشرات المرات من ظروف أبناء قطاع غزة والضفة الغربية!!.
التفسير المنطقي لهذه الظاهرة هو الحب الكبير الذي يكنُّه أبناء الشعب الفلسطيني لمصر، والحرص الذي يُظهرونه في كل مناسبة على أطيب العلاقات معها، باعتبارها القاطرة الحقيقية للأمة العربية؛ فهم ينظرون إليها كسندٍ وشقيقةٍ كبرى قدَّمت لهم- وللعرب الآخرين- الكثير من الدعم والتضحيات، قبل أن يغيِّر العصر البترولي الكثير من النفوس والمواقف والمعادلات الإقليمية!!.
ولا بد من التنبيه بأن تصرف قوات الأمن المصرية على الحدود الذي اتَّسم بالمسئولية وضبط النفس أيضًا، ساهم بشكلٍ أساسي في أن يأتيَ مهرجان الكرامة الغزاوي بالطريقة الحضارية التي رأيناها عبر شاشات التلفزة، ورآها العالم بأسره أيضًا!!.
المأمول أن تظل هذه الصورة الناصعة على حالها دون أية خدوش؛ فالأنباء الواردة من الحدود المصرية الفلسطينية تُوحي بوجود حالة من التوتر تتصاعد تدريجيًّا بعد إقدام السلطات المصرية على إغلاق المعابر، وحدوث اشتباكات مؤسفة بين بعض الراغبين في اجتياز الحدود وقوات الأمن التي تحاول منعهم، وفتح البعض الآخر فجواتٍ جديدةً في الجدار الفاصل في تحدٍّ مباشر للقرار المصري المذكور.
هبهبة!!
إعادة تنظيم المرور في المعبر الحدودي، ووضع حدٍّ لحالة الفوضى التي نشأت بعد اقتحامه أمرٌ مشروعٌ لا جدال حوله، ولكن السلطات المصرية أخطأت عندما قاوحت بأن الإغلاق نهائي، وأن الأوضاع ستعود إلى ما كانت عليه قبل الاقتحام، أي إعادة أبناء القطاع إلى قفص الحصار مجدّدًا؛ يواجهون الموت جوعًا أو مرضًا أو قتلاً في الغارات "الإسرائيلية" المُكثَّفة، أو الثلاثة معًا!!.
ندرك جيدًا أن الحكومة المصرية تتعرَّض لضغوط أمريكية و"إسرائيلية" متعاظمة لإحكام إغلاق الحدود ووضع حدٍّ- وبسرعة- لمساحة الحرية التي انتزعها سكان القطاع في سابقة تاريخية، ولكن التجاوب مع هذه الضغوط يجب أن لا يكون مجانيًّا ودون شروط!!.
بمعنى آخر نقول إن أمام حكومة مصر فرصةً تاريخيةً لتصحيح الوضع الخطأ وغير المقبول على معبر رفح، من خلال إقناع واشنطن بتعديل الاتفاق الخاص بالعبور الفلسطيني؛ بحيث لا يكون الفيتو "الإسرائيلي" هو الآمر الناهي، وصاحب الكلمة الأخيرة في شأن عربي خالص!!.
الإدارة الأمريكية ارتكبت خطيئةً كبرى عندما أيَّدت العقوبات الجماعية التي فرضتها "إسرائيل" على أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ثم ارتكبت خطيئةً أكبر عندما اعتقدت أن هذه العقوبات المُحرَّمة دوليًّا، يمكن أن تعطيَ ثمارها في تأليب الشعب الفلسطيني ضد حركة المقاومة الإسلامية حماس، وإنهاء سيطرتها الحالية على قطاع غزة!!.
حركة حماس خرجت الكاسبَ الأكبرَ من تطورات الأيام الثلاثة الماضية، وأثبتت أنها لم تفشل في إدارة شئون القطاع مثلما قال المتحدِّثون باسم السلطة في رام الله، بل إن المخططات "الإسرائيلية" هي التي مُنيَت بالفشل؛ فالذين تدفَّقوا على الجدار الفاصل على الحدود المصرية لتحطيمه واختراقه وتنسُّم عبير الحرية لم يكونوا من أنصار حماس فقط، وإنما من أنصار حركة فتح أيضًا.
"إسرائيل" ضاعفت من شعبية حماس بدلاً من تقليصها، ليس في قطاع غزة فقط وإنما في الضفة الغربية أيضًا ولو إلى ما بعد حين، وهذه الشعبية تأتي حتمًا على حساب سلطة الرئيس عباس في مدينة رام الله المدعومة أمريكيًّا و"إسرائيليًّا" ومن قِبل بعض الأنظمة العربية المعتدلة.
ففي الوقت الذي يفجِّر فيه المسلَّحون التابعون لفصائل المقاومة في غزة الجدار الحدودي، ويكسرون الحصار بطريقة شجاعة وجريئة، يتوجَّه موكب السيد محمود عباس إلى القدس المحتلة، متوقِّفًا أمام حواجز الذلّ العسكرية "الإسرائيلية"؛ حيث يتراكم المئات من أبناء الضفة الصابرين المحبطين للقاء إيهود أولمرت وإيهود باراك في مفاوضات عبثية مهينة، ولبحث كيفية تطويق انتصار فصائل المقاومة هذه في قطاع غزة وإفراغه من مضمونه!!.
إعادة أبناء قطاع غزة إلى القفص مجددًا وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة الكريمة قد يؤديان إلى نتائج وخيمة، ليس على "الإسرائيليين" فقط، وإنما على النظام العربي الحالي برُمَّته؛ فحجم التعاطف العربي غير المسبوق مع محنة هؤلاء الذي ظهر من خلال التظاهرات الصاخبة في مختلف المدن والعواصم يؤكِّد أن هذه المحنة إذا ما استمرت بالصورة السابقة قد تصبح المفجِّر لبركان الإحباط العربي المتضخِّم!!.
الرئيس حسني مبارك- الذي قال إنه لن يسمح بتجويع أهل غزة- مطالَبٌ بأن يحوِّل أقواله هذه إلى أفعال وبأسرع وقت ممكن، والزعامات العربية التي تقيم علاقاتٍ وثيقةً مع واشنطن وتلبِّي جميع طلباتها وتشارك في كل حروبها، وتخفض أسعار النفط من أجل إنقاذ اقتصادها من الانهيار، مطالبةٌ أيضًا بالتحرك، ليس لرفع الحصار عن قطاع غزة فقط، وإنما لفرض مبادرة سلامها على الطرف "الإسرائيلي" دون أي تعديل!!.
الرأي العام العربي بدأ يستعيد قواه، ويدخل مرحلةً من الصحوة الوطنية، رأينا إرهاصاتها بجلاء في شوارع العديد من العواصم وعبر شاشات التلفزة التي رصدت ردود فعله تجاه أحداث غزة الأخيرة.
وترتكب "إسرائيل" والولايات المتحدة- ومعهما الأنظمة العربية- حماقةً كبيرةً وقصر نظر أكبر إذا ما استمرت في تجاهل هذه الحقيقة الدامغة!!.
أطفال غزة كسبوا المعركة الإعلامية بشموعهم التي أشعلوها في تحدٍّ للظلام الذي فرضته عليهم قوة الجبروت والطغيان "الإسرائيلية"، واستطاعوا أن يكسبوا تعاطف الرأي العام العالمي، إلى جانب كسبهم كل الأقلام والعدسات الحرة الشريفة في كل عواصم المعمورة.
و"إسرائيل" خسرت تسليم بعض الدول بحقها في حماية مواطنيها من صواريخ بالغت في تضخيم أضرارها عندما مارست أساليب ووسائل ثبت عدم جدواها في غزة، مثلما ثبت عدم جدواها قبل ذلك في لبنان؛ حيث لم ينفعها العزل السياسي ولا الحصار الاقتصادي ولا التوغُّلات والغارات الجوية، وأصبحت سمعتها أكثر سوءًا من أي وقت مضى.
---------------
* (القدس العربي) 26/1/2008.
