جاءت زيارة بوش للمنطقة ومعها بشارات السوء المتعددة، وأولها إعطاء الضوء الأخضر للمجازر على قطاع غزة المنكوب، وعلى أفراد الشعب الفلسطيني في الضفة كذلك، وثانيها التسويق لحرب قريبة مع إيران، لا سمح الله.

 

فما يخص غزة، تكشَّف الأمر عن مجازر رهيبة يرتكبها الجيش الصهيوني؛ بدايةً من حي الزيتون، مرورًا بالتدمير الشامل والحصار المطبق وغلق المعابر، وتستمر المأساة، وتتعاظم النكبات، ويستفحل الإجرام الصهيوني بأشد أنواعه؛ من قتلٍ للأبرياء والأطهار، وتدميرٍ للدور والأبنية، وتجريفٍ للبساتين والمزارع، وحصارٍ يخنق الحياة، ويحقق الموت الأكيد للمرضى، ويحرم الملايين من التدفئة في الشتاء القارص، ويُرجِع الحياة لتكون على شاكلة العصور الوسطى، ويمنع السفر دخولاً أو خروجًا، وتُمنَع الأموالُ والإعاناتُ والهباتُ من الدخول، وتنعدم الأدوية من المستشفيات، ويُمنع طلابُ العلم من السفر، في ظل قصف يومي لكل أنحاء القطاع، في وضع أشبه بالكارثة الإنسانية، حسب شهادة العديد من المنظمات الإغاثية والدولية!!.

 

فأي حالة مزرية هذه!! وأي ذلٍّ وهوان والعالم ساكتٌ بل راضٍ عن هذا الألم وهذه المحرقة الشنيعة وهذا الموت الممنهج والمنظم واليومي بأشدّ أنواع الأسلحة فتكًا وبكل أنواع أسلحة القتال من الطائرات المقاتلة إلى الدبابة إلى الصاروخ إلى القنابل شديدة الانفجار "إسرائيلية" وأمريكية؟!

 

وكأن المشهد يقول إنه لا بدَّ من محرقة فلسطينية مؤلمة؛ حتى ينسَى العالم المحرقة اليهودية ويتخلَّص من عقدة ذنبه العالمية التي أوجدتها النازية لهم، ولكن ما ذنب الفلسطينيين أنهم رفضوا خيار الإمبريالية العالمية في منح اليهود دولةً في أراضيهم التاريخية؟ وما ذنبهم أنهم لم يرضوا بالذلّ ولا التهجير ولا الإبعاد ولا القتل ولا الاستعباد؟ وما ذنبهم في جرم لم يرتكبوه؟ فآلام يهود العالم ليس مصدرها الفلسطينيين ولا العرب ولا المسلمين، هل هذا هو السبيل لإقناعهم أو قُل لإخضاعهم قسرًا وقهرًا؟ وهل القتل المنهجي والمنظّم هو الحل لاقتلاع المواقف منهم؟!

 

أقول: إن القوى الغربية تنتج محرقةً جديدةً ليست بيد النازية هذه المرة، وإنما هي بيد اليهود والأمريكان والمعسكر الغربي الرأسمالي كله، وسيأتي اليوم الذي يحاسَب كلٌّ حسب فعلته، وسيأتي اليوم الذي يتمكَّن فيه الفلسطينيون من الحصول على التعويض الكافي عن كل ألم أَوجَعَ، وكل روح أُزهقت، وكل مالٍ ضُيِّع، وكل أرض خُرِّبت، وكل مأساة تحققت.

 

وسيأتي اليوم- وهو قريب بإذن الله- الذي يكتشف فيه اليهود أنهم مخطئون في المجيء إلى هذا الجزء من العالم لإقامة دولتهم، وأنا أعجبُ أنهم لم يكتشفوا ذلك إلى الآن، أهو الجهل أم الغرور أم الحساب المخطئ؟! سيأتي اليوم الذي يندم فيه اليهود على أنهم صرفوا آلاف الملايين لتعمير دولة لا قرار لها، فلو أنهم أقاموها في مكان آخر من العالم لكان أفضل لهم.

 

ولكن ما بال العرب يشتركون في هذه المهزلة، وما بالهم منغمسون في الانهزامية أو قل التبعية للغرب, والقابلية في أن تتحكم فيهم خطط الصهيونية العالمية.

 

إن علوَّ اليهود والصهاينة لم يكن ليكون بهذه الطريقة لولا ضعف العرب والمسلمين وانهزاميتهم وتبعيتهم وبُعدهم عن دينهم.. إن الغرب ليستخفُّ بنا وبزعمائنا، فهو يتشدَّق بدعم الديمقراطية مثلاً، ولكنه يرفض نتائجها كما حصل في انتخابات السلطة الفلسطينية، فهل يريدون إخضاع إرادة الشعب الفلسطيني والتحكُّم في خياراته بعد أن حسم خياره الديمقراطي الحر؟! لماذا يرضى العرب بهذا الذل والهوان؟ ألا يعلمون أن إرادة أمريكا- التي يخضعون لها- هي إرادة اليهود؟ ألا يعلمون أن أمريكا تحرِّكها الأيادي اليهودية في كل مكان؟ هل بتْنا نحن عبيدًا لليهود من خلال أمريكا؟!

 

لماذا إلى الآن العرب لا يقبلون الخيار الديمقراطي في السياسة والسلطة؟ وهل لأن حماس تمثل التوجه الإسلامي في السياسة يتم محاربتها بهذه الفظاعة من الأنظمة العربية، والتي لا يعرف معظمها معنى الديمقراطية في تحرير الشعوب، مع أن الأحزاب الدينية موجودة حتى في الدولة اليهودية نفسها، وهي تحكم العديد من الدول الأوروبية ومقبولة في التعايش الديمقراطي السلمي!!.

 

إن التوجهات الإسلامية ضرورة ملحَّة لنهضة الشعوب؛ فهي بخلاف ما سوف تنجزه من الأمور المدنية والاقتصادية ستساعد الدول على إنجاز الآتي:

* التوجه لعبادة الله خير العبادة.

* الانفكاك من التبعية الاستعمارية والتوجه نحو استقلالية القرار.

* تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة الضيقة؛ مما يحقق المنفعة الكبيرة للشعوب.

* توحيد الأمة أيًّا كان أشكال التوحيد المقبولة على هدي الإسلام ونهجه.

* استرداد الحقوق الكاملة بالعدالة المطلوبة.

* تعظيم شعائر الله والمقدسات الإسلامية، والإعلاء من شأنها وفك الحصار عن المسجد الأقصى.

 

إذًا لا مبرر من خنق حماس ومعاقبة الشعب الفلسطيني على قراره، وما ذنب الشعب الفلسطيني أن يكون مقهورًا إلى هذا الحد، فلا هبات حكومية تصل، ولا تبرعات أهلية يُسمح لها بالوصول، وحتى حق الله في المال يَحرمون الفلسطينيين منه، فبأي وجهٍ يقابلون الله في ذلك؟

 

وبأي وجه يقابلون الله فيما وهبهم من المال الوفير؟ أليس المال الزائد عن الحاجة أهل غزة وفلسطين أولى به؟! هل تستحق أمريكا أن نشتري منها في مثل هذه الظروف بعشرات المليارات، التي تحرك لهم اقتصادهم وتحقِّق لهم الربحية العالية، وأهلنا في فلسطين يموتون بسبب الحصار ويعيشون في الظلام الدامس ومحرومون من التدفئة في البرد القارص وتنهال عليهم القنابل ليل نهار؟!

 

ألا نعجب من أنفسنا أننا نرضى بأن نخسر في البورصات في عام واحد 100 مليار دولار، ونجد أن هذا أمرٌ عاديٌّ، ولكن أن ننفق من هذا المال مليارًا أو اثنين يكون الأمر صعبًا جدًّا؟! ألا نخجل من أنفسنا أننا نسمع السيد جمال الخضري- رئيس لجنة مقاومة الحصار في غزة- يقول: لم يعد هنالك شيء يستطيع أن يقول عنه أنه متوفر في غزة (كل شيء ينهار)!!.

 

هل هذه هي الطريقة التي نحقق بها السلام في أن نقهر شعبًا عربيًّا مسلمًا؟ هل هذا هو الطريق الصحيح لإخضاع إرادة السياسيين عبر تجويع وحرق الشعب الفلسطيني؟!

 

إن حركة فتح أكيد أنها بعد نضال كبير مرَّت بمراحل من الترويض شبيهة بما يحصل الآن، أشدُّها الذي مورس من قبل الاحتلال، ثم من الأنظمة العربية التي ضغطت على القيادات الفلسطينية بكل الأساليب لتقهر الإرادة، ثم مرت بمرحلة المجازر في أيلول الأسود، وصبرا وشاتيلا، وبرج البراجنة وغيرها من المذابح العالمية، ثم مرت بمرحلة تصفية القيادات الشريفة، مثل جهاد الوزير، وأبو جهاد، وياسر عرفات، وغيرهم، ثم مرت بمرحلة الاختراق الداخلي وتجهيز القيادات الأمنية في السجون الصهيونية، ومدّها بالأموال الكثيرة، بعد غسل أدمغتها وتلويثها بفساد الخمر وفساد الأخلاق؛ لإضعافها والسيطرة عليها وتوجيهها بما يمثِّل إرادة اليهود، وأنا أدَّعي أن من يقود فتح الآن ليس هو ممن يمثلون أشراف الفتحاويين، بل هم أسوأ المثال في ذلك.

 

هل بعد كل ذلك وبعد أن وجد الشعب الفلسطيني النجاة في ممثِّليه الشرعيين البعيدين عن السيطرة اليهودية، يريدون السماح بإعادة كرة القهر والسيطرة على القرار الفلسطيني؟ وما عدت أدري هل هم يحترمون القرار الفلسطيني أم القرار العربي أم القرار الأمريكي أم القرار اليهودي؟!

 

ثم ماذا يريدون؟! أن يقبل الشعب الفلسطيني!! وما هو البديل المتاح ويكون مقبولاً لهم؟! لا شيء.. إنما هو السراب والوهم! إن الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية الفتحاوية واهمةٌ كل الوهم في التوصل إلى اتفاق عادل مع اليهود؛ فاليهود بطبيعتهم وبسطوتهم لا يعطون شيئًا، بل يأخذون فقط، هل ما قام به حكام العرب من الموافقة على التنازل عن (فلسطين 48) متمثلة في المبادرة العربية (بدون أية التزامات من اليهود) هو المثال الذي يُحتذى به؟ لا.. بل هو أسوأ الأمثلة في الحصول على الحقوق؛ لأننا في ظل حكومات بعيدة عن الديمقراطية وبعيدة عن إرادة الشعوب وبعيدة عن الضمير العربي وبعيدة عن الدين والتدين، لا نستطيع تحقيق شيء.

 

إن حركة فتح عليها المآخذ الكثيرة في صراعها مع حماس من جهة، وفي تلاقيها مع اليهود من جهة أخرى، وأهمها:

* يدخلون مفاوضات غير محبوكة وبدون توافق فلسطيني وبدون أدوات ضغط كافية.

 

* يريدون أرضًا من غير عزة ولا أمن ولا سيطرة ولا سلطة كافية؛ فأي دولة هذه التي يقبل قادتُها أن يديروها وأمنُها بيدِ عدوِّها، وأي مفاوضات هذه التي يقبل فيها الالتزام بالأمن للعدو مقابل انهيار منظومة الأمن لأبناء الشعب الفلسطيني ومقاوميه؟ إن الكيان الصهيوني يحترم كل فرد يهودي في داخله، فهو محرَّم الدم والظلم، بينما الفتحاويون أعلنوا الحرب على أبناء جلدتهم من كل لون؛ فأي مقارنة هذه؟!!

 

* تحت ضغط "الإنجاز" تولَّد لديهم استعداد للتنازل عن كثير من الثوابت الفلسطينية، مثل حق العودة ووحدة الأرض وكمالها والقدس الشريف بأكمله.

 

* إن الفتحاويون أخذتهم العزة بالإثم في عدم قبول نتائج العملية الديمقراطية، والتي نتج عنها اختيار الشعب لحماس لكي ما تقود السلطة؛ فاحتموا باليهود والأمريكان ليفرضوا السلطة على شعبهم، عن طريق القهر والقتل والسجن والتجويع والمجازر الظالمة، فهكذا قيادة غير جديرة بالاحترام.

 

* راكضون وراء المال والثروة والثراء الفردي على حساب مآسي الشعب المقهور الجائع المريض.

 

* أنها ضحَّت بوحدة كلمة الشعب الفلسطيني في مقابل التمسك بموقفها في المفاوضات التي لم تثمر شيئًا منذ 17 عامًا؛ فأحالت الشعب الفلسطيني إلى أشلاء ممزقة، والمعروف تاريخيًّا أنه لا نصر لشعب غير موحد الكلمة.

 

وأقول لحماس- كان الله في عونها-: إن الطريق الذي سلكته ليس بالسهل, بل يحتاج إلى الصبر كل الصبر، ويحتاج للتضحية كل التضحية، ويحتاج إلى الفداء كل الفداء، وأنتم أهل لها بإذن الله، وإنما النصر صبر ساعة، وإنما كان انتصار المسلمون الأوائل ليس بكثرة العدد والعدة إنما بالإيمان والتضحية والشهادة والعزيمة والبأس الشديد، فإذا لم تروا اليهود بأسكم، فسيستمرون في نهجهم العدواني الظالم، الكل يعلم أن التسليح اليهودي هو الأقوى في المنطقة ولكن الكل يرى أيضًا قوة الإيمان في وجوهكم "ولا نزكي على الله أحدًا"، فلا تهدروا الزمن في ذلك، وفي نفس الوقت لا تتهوَّروا التهوُّر المفتوح؛ حتى لا يحصل لكم مثل ما حصل للمحاكم الإسلامية في الصومال في معركة بيدوا والتي قضى فيها 3000 مقاتل في ليلتين؛ حيث كانوا مكشوفين في العراء، فقصفتهم المقاتلات الإثيوبية والأمريكية.

 

ربما سيسمح الحكام العرب في وقت ما بفتح المعابر ولكن بعد فوات الأوان فلا تعولوا كثيرًا عليهم، فما نراه هو أن فتح المعابر من خلال القدس وتل أبيب هو أقرب لكم من فتحها من خلال القاهرة وعمان، فمن هنالك تحبك الأمور.

 

إن الشعب الفلسطيني بدل أن يموت جائعًا فليمت الكثير منه مجاهدًا، وعلى كلٍّ فالغذاء والماء والكهرباء على بُعد 80 كم من غزة لا أكثر.

------------

كاتب إماراتي